شكري المبخوت يكشف سر "الطلياني" ويوقعه في خيبة الحب والسياسة... والانتظار

"مرآة الخاسر" روايته الجديدة تبدو جزءا ثانيا من ثلاثية حول المرحلة التونسية الحديثة

الروائي التونسي شكري المبخوت (يوتيوب)

تحتمل رواية "مرآة الخاسر" (دار التنوير 2019) للكاتب التونسي شكري المبخوت قراءتين، الأولى بصفتها جزءاً ثانياً من روايته "الطلياني" التي حازت جائزة البوكر العربية العام 2014، والثانية في كونها رواية منفردة أو منفصلة عن الأولى، تبعاً لاستقلالها الحدثي والزمني ولبروز شخصيات رئيسة جديدة، في مقدمها زليخة، ووقائع جديدة ومنها اكتشاف عبد الناصر أو "الطلياني" أن أمه ليست سوى خالته، عطفاً على معالم مختلفة ومنها البيئة البرجوازية وبيئة المثليين اللتين يكتشفهما عبدالناصر عن قرب. لكنّ المبخوت أرفق العنوان بجملة في الصفحة الداخلية هي "خيبة عبد الناصر الثانية"، مشيراً إلى أن بطل الرواية الثانية هو نفسه بطل الأولى عبد الناصر. ومؤكد أن البطل لن يحضر وحده في الرواية الثانية بل ستحيط به شخصيات رافقته في الأولى وأمكنة ووقائع وسواها. أما الزمن العام الذي يمثل في الأولى نهاية عهد الرئيس الحبيب بورقيبة وصعود الرئيس زين العابدين بن علي، فهو يستحضر هنا عهد "المعلم" وهذه كنية بن علي. ولعل الدلالة الزمنية كافية لإيضاح مسار الروايتين، بين حكمين أو نظامين، عاشهما عبد الناصر عن كثب، الأول عندما كان طالباً جامعياً مناضلاً يميل إلى الفكر اليساري، والثاني عندما وقع في فخ "البزنس" الإعلامي والمالي، خائناً ماضيه ومثله العليا وحاصداً في الختام خيبة كبيرة. وفي نهاية الرواية يدع المبخوت ما يشبه علامة الاستفهام حول إمكان مواصلة الرواية الثانية في أخرى ثالثة تدور في أفق الربيع التونسي، فعبد الناصر، بحسب الراوي، يتحدث عن الشجرة التي هرمت والتي لم يعد الجنرال يجد ماء ليسقيها، وتهاويها "قادمٌ ومدوٍ"، و"المسألة مسألة وقت". لقد اصبحت البلاد بنظره "رحى تطحن الجميع وتسرق منهم حتى الهواء الذي يتنفسونه"، بل أضحت "سجناً كبيراً". هل يخطط المبخوت لإنجاز ثلاثية روائية تغطي ثالثتها مرحلة الربيع التونسي الذي أطلقه محمد البوعزيزي محرقاً نفسه؟ ثلاثية ستكون ملحمة جيل بكامله هو جيل البطل عبدالناصر، وجيل شكري المبخوت نفسه، "جيل الخيبات المؤلمة والخسارات القاسية".

راوي الروايتين
إذاً الراوي هو نفسه في "الطلياني" وفي "مرآة الخاسر"، لكنه يكشف هنا ناحية من حياته ويشارك في مسار بعض الوقائع. أسرة عبد الناصر هي نفسها أيضاً، الأم زينب المتسلطة والقاسية، الخالة آسية المطلقة مرتين، الشقيقتان، الشقيق صلاح الدين الذي يتوفى، الجارة للا جنينة... وإن بدا الراوي "راوياً عليماً" لإحاطته الشاملة بمجريات الروايتين، فهو يعترف أن ما يرويه لا سيما في "مرآة الخاسر" هو حصيلة ما سرده له البطل عبد الناصر والبطلة زليخة، وقد أنصت إليهما من غير أن يكشف للأول ما قالته الثانية، ومن دون أن يجادله في ما يروي. ولم تقم مهمة الراوي إلا على التوفيق بين مرويات الاثنين ، وهذا "التوفيق" هو ما ميز شخصية الراوي لدى المبخوت، وهو توفيق  يتوزع بين انحيازه إلى صديقه وبين حبه الشبقي العابر لزليخة  الزوجة المفترضة لعبد الناصر، الزوجة اللعوب والخائنة علناً.

كان عبد الناصر الذي أصبح صحافياً وتحديداً في وكالة الصحافة الفرنسية، عاد من العراق بعد تنقله بين دول عدة، ليؤسس شركة "عيون" للاتصال والإشهار والإعلان، وكانت "إمارات الثراء المادي تظهر عليه" كما يقول الراوي صديقه. ورافقت عودته إشاعات كثيرة في تونس، ومنها طرده من الوكالة الصحافية الشهيرة جراء تهم عدة كالانضمام إلى أجهزة استخبارات في لبنان والعراق، وأدائه خدمات لنظام صدام حسين عبر الوكالة الفرنسية بعد أن تمتنت علاقته به وبرموزه، وترويجه من ثم لأخبار مدسوسة وغير موثوق بها... يدافع الراوي عن صديقه ويكذّب الإشاعات معتبراً إياها "ترهات وتقولات" ناجمة عن حال من الغيرة، لا سيما أن عبد الناصر يملك وعياً سياسياً يمنعه من الوقوع في مثل هذه الفخاخ. لكن عبد الناصر اليساري المناضل والمعارض خصوصاً أيام الدراسة الجامعية، لن يتمكن من مواجهة انجرافه في عالم المال الذي جذبته إليه طبيبة الأسنان والرسامة المتحررة تماماً زليخة، ساعية إلى دعم شركته التي أسسها "عيون".

تحتل زليخة موقعاً مركزياً في الرواية يوازي موقع عبدالله وموقع الرواي الذي يحضر بوصفه شخصية وليس راوياً فقط. تغدو زليخة مرآة لـ "الطلياني" علاوة على كونها عشيقته "السادية" وزوجته لبضعة أشهر. يقول عبد الناصر: "كانت زليخة مرآتي التي حملقت فيها إلى أن رأيت حقيقتي القاتلة". وقد تأكدت هذه "الحقيقة القاتلة" بعد موت خالته آسيا التي كان يشتهيها في لاوعيه والتي يكتشف لاحقاً أنها أمه، وأنها حملت به من رجل إيطالي كان يعمل في تونس، مما يؤكد رواج كنيته "الطلياني" التي أطلقت عليه تبعاً للملامح الإيطالية التي تبين في وجهه. هذه "الحقيقة" التي كانت أخبرته إياها الجارة للا جنينة، أكدها له عمه لمين تلميحا، خلال تعزيته بخالته آسية، فقال له: "تركتك رجلاً، سيد الرجال، كما كانت تحب أن تراك". هزت الحقيقة كيانه بعد رحيل خالته، مع أنه ظل يشك فيها، على الرغم من يقينه الداخلي أو الحدسي من أن أمه هي خالته، التي كانت تحنو عليه وتحبه أكثر من أمه المفترضة، القاسية والفظة. وبينما يقف أمام المرآة، يسأل زليخة التي كانت معه: "أنا ابن من؟ هل أنا ابن زنا؟ لمَ أخفوا عني الحقيقة؟". ويعلن عن الرغبة الغامضة التي كانت تساوره إزاء خالته التي كان يشتهيها بالسر اشتهاء الطفل لأمه أوديبياً، ويستحضرها في لحظاته الحميمة: "ما ضرّ لو بقيت مع آسية ابناً لها يؤنس وحدتها؟". ثم يعلن حالاً من اللامبالاة الظاهرة إزاء مشكلته قائلا: "ما الذي سيتغير؟". فهو يدرك أنه لم يعد يحتاج الآن بعدما بلغ الأربعين إلى أم ولا إلى صدر أم. لكن زليخة تخالفه في هذا الموقف، معبترة أنه لم يشتهها إلا بسبب الشبه بينها وبين خالته آسية. تقول له: "وجدتني وسيلة لتعيش من خلالي ما كنت تعيشه في خيالك وأنت صبي يرغب في خالته". وتضيف: "لقد أعجبك مني أن أكون آسية التي ترعاك وتبحث عن لذتك وتلبي شهواتك".

الرغبة الأمومية
يبدو موقف زليخة فرويدياً تماماً في تفسيرها الرغبة لدى عبد الناصر تفسيراً أمومياً (التماهي الجنسي مع الأم) خصوصاً عندما تقول له إنه يبحث عن أم متخيلة فقدها وليس عن حبيبة وعندما تكرر له أنه عشيقها وابنها في وقت واحد. وتركز على رغبة شديدة أخرى لدى عبد الناصر هي الإنجاب، وكأنه يريد أن يولد ثانية كما تقول له. وهذه الرغبة في الإنجاب كانت واحداً من الأسباب التي أدت إلى انقطاع العلاقة بينه وبين زليخة التي ترفض الإنجاب بتاتاً. وتعيد تذكيره بأنه يتهرب من رؤية وجهه في المرآة بلا أقنعة، فهو يخشى أن يرى وجهه مكشوفاً. وما يزيد من سر علاقته بخالته آسية أو أمه الفيزيقية، هو عدم كرهه إياها أو إدانته لها بعد علمه بارتكابها الزنا مع رجل إيطالي وحملها به سفاحاً، وبعد هربها  لاحقاً مع مزارع ثري وعيشها معه. ظل يحبها بقوة وتأثر كثيراً لموتها وكاد ينسى التهمة التي كيلت له في كونه ابن حرام أو زنا. هل وجد "الطلياني" حقاً وجه خالته في زليخة فوقع في حبها وازداد عشقاً لها على الرغم من معرفته بأنها امرأة لعوب تقيم العلاقات الجنسية بلا هوادة؟

يترك الروائي شكري المبخوت مثل هذا السؤال وسواه بلا جواب، وهنا تكمن أهمية اللعبة الروائية. لا يفرض تصورات نهائية ومحتّمة بل يدع القارئ أمام تكهنات واحتمالات متعددة، وعلى القارئ أن يستخلص أو يستنتج. في هذا المعنى يؤدي القارئ دور الكاتب بحسب مقولة رولان بارت، لا في الكتابة وإنما في التأويل، أي في إعادة الكتابة الافتراضية. كل احتمال قابل للنظر وإعادة النظر، وهذه سمة رئيسية في رواية "مرآة الخاسر".

في الطرف الآخر من اللعبة تقع شخصية زليخة المهمة والإشكالية. فهذه المرأة التي تمارس دور "العاهرة" علانية، لا تسعى إلى الكسب أو إلى التمتع باللذة، وإنما حباً للانتقام من والدها والانتقام لأمها الضحية ولنفسها أيضاً. فهي كما تعترف، كانت ضبطت نفسها وحواسها لقمع التلذذ، بل جمدت الدم في كل مناطق الإثارة فيها وأفرغت جسدها من شحناته، وكأنها تمثل دور المومس التي تمارس الجنس في المبغى ممارسة آلية، بلا انفعال. وكانت لا تعاشر إلا المتزوجين والرجال الأكبر سناً منها، "فهم عندها أدوات ووسائل لا غايات، تمتعهم أو توهمهم بالشبع من مأدبتها، تحقق لهم هواماتهم فيظنون أنهم فائزون بها، لكنهم لا يعرفون أنها تنتقم من الرجال كلهم وتثأر للنساء كلهنّ". وتعترف زليخة أيضاً أنها ترى في الرجال كلهم الشر الذي يتلخص في أبيها، تجدهم جديرين باحتقارها، وتقول: "تريدون فرج المرأة وجسدها؟ إذن خذوا ما تريدون وأكثر. ثم ماذا ستجدون؟ الخواء ثم الخواء ثم الخواء. تريدون بغايا وعاهرات لكم وحدكم؟ هاكم ما تريدون. ولكن ماذا بعد؟ التفاهة ثم التفاهة ثم التفاهة".

 قد يستغرب القارئ هذه الكراهية التي تكنها زليخة، هي طبيبة الأسنان الناجحة والثرية، والرسامة الجريئة، لأبيها ومن خلاله للرجال. كانت زليخة ترى في أمها الغريبة عن المجتمع التونسي لكونها تشيكية، ضحية بامتياز. فوالدها على الرغم من كونه مثقفاً ومخرجاً يهوى الموسيقى، كان يعامل أمها معاملة قاسية بل وحشية، يهجرها أياماً بحثاً عن نزواته وملذاته، تاركاً إياها في المنزل مع ابنتها الصغيرة، فكانت تلتهم الأقراص المهدئة لمقاومة انهيارها. وبلغت به القسوة حد أنه كان يسجنها في الحمام، ويضربها بحزام من جلد. كان تعرف إليها في تشيكوسلوفاكيا وعاشرها ووجدت في الزواج منه خلاصاً  وهرباً من جحيم الاشتراكية ، هي الشابة الريفية الفقيرة، المثقفة والمتخصصة في العلوم. لكنها ما لبثت أن اكتشفت في تونس، في كنف هذا الزوج، جحيماً أشد أواراً من جحيم الفقر والقمع. وهذا الجحيم هو الذي دفع بالأم إلى الانتحار الذي أحدث فضيحة لم يبال بها الزوج كثيراً فهو سرعان ما استعاد نزواته وسهراته الحمراء. حاولت زليخة ألا تظهر صدمتها إزاء انتحار أمها، عاشت رد فعلها داخلياً، مما ترك شعوراً مبهماً لدى أصدقائها وأهل الحي. ولعلها أضمرت منذ تلك اللحظة، وكانت لا تزال تدرس في الجامعة، نيتها بالانتقام. وراحت تخطط لـ "كتابة" سيناريو وهمي، هو أشبه بسيرة ذاتية لها ولحياتها والأشخاص الذين دخلوا هذه الحياة. كأنها شاءت أن تقلد والدها المخرج الذي علمها كيفية تذوق الاعمال الفنية والموسيقية، والذي لم يتمكن من تحقيق أي عمل فني. وكانت زليخة تذكر القارئ بهذا السيناريو الذي كانت تتخيل وقائعه والذي لم يكتمل.

حياة مقلوبة
كان عبد الناصر وقع في حب زليخة في اللحظة التي دخل عيادتها لمعالجة تسوس في ضرسه. وعوض أن تعالجه أفلتت له عنان جسدها. كانت تلك اللحظة قدرية، فهي التي قلبت حياة "الطلياني" وقادته إلى حياة جديدة وخيبات جديدة. وفي العيادة نفسها كادت زليخة تلامس الحب السحاقي مع خولة، الموظفة لديها ثم انسحبت. وليلة افتتاح معرضها الفني يقترح عبد الناصر ان يحتفل بها مع صديقه الرواي في مطعم، وهناك يفاجأ الراوي كيف راحت تمسد قدميه بقدميها تحت الطاولة مثيرة إياه، فسأل نفسه: "هل هي عاهرة في إهاب رسامة صادف ان أصبحت طبيبة اسنان؟". وعندما اصطحبت عبد الناصر الى بيتها اعترفت له انه اول رجل يدخل هذا البيت، فالرجال السابقون كما قالت كانت تضاجعهم في بيوتهم او في الفنادق. وعلى رغم ماضيها الجنسي (وحاضرها) يصر على حبها وعلى إقناعها بالزواج الذي لم يستمر الا سنة او اقل، وكانت خلالها تشجعه على معاشرة سواها، لاسيما سكريترته الجميلة في شركته ( وئام)، التي يقيم معها علاقة. وكانت زليخة تعترف له انها لا تريد امتلاكه لئلا تدمره، فهو الرجل الوحيد في حياتها الذي لم تسع الى تدميره، وأنها تعيش معه ظاهراً بينما حياتها الباطنية لها. وعندما حاول اقناعها بالإنجاب رفضت رفضاً كلياً، فهي التي لا تريد الزواج أصلا لا تريد ان تكون لها عائلة واولاد ولا مجتمع يقولبها، ف"الأطفال اكبر قيد". وتقترح عليه ان ينجب طفلاً من امرأة أخرى تحبل عنها، فيرفض. وبعد أن يطلّقها نزولا عند رغبتها، يسأل نفسه: "هل توقف تاريخ جسدي على ذكرى امرأة يبدو انها لعوب؟". لكنه لم يتجاهل أن زليخة ساعدته كثيراً في دعم شركته وأدخلته إلى مجتمعات كانت مغلقة عليه، ومنها المجتمع البرجوازي بعاداته واوهامه وامراضه، وكذلك مجتمع المثليين شبه السري. في هذين المجتمعين يتعرف الى شخصيات ثرية، مرفهة، قريبة من السلطة (تسمي بن علي بالمعلم)، فاسدة، غريبة الاطوار. لكنّ شخصاً مثليا ثرياً يدعى حاتم، يمد له يد العون وينظم له شركته.

لم يختر شكري المبخوت عنوانا إضافيا لرواية "مرآة الخسر" وهو "خيبة عبد الناصر الثانية" الا يقيناً منه أن بطله "الطلياني" سينتهي في خيبة أخرى، مزدوجة وربما مثلثة. إنها أولاً خيبته من نفسه هو المناضل السابق، اليساري والمثالي الذي انتهى في أحضان أصدقاء السلطة وأصحاب المال، ثم في الإفلاس بعدما انهارت شركته. ثم خيبته من ماضيه الشخصي والعائلي بعدما اكتشف أنه ابن زنا وأن أمه ليست أمه ولا أبوه هو أبوه. ثم خيبته من المرأة التي أحبها فبادلته حبه بالخيانة ولم تحقق حلمه بالأبوة. هذه الخيبة تتكرر مع سكريترته وئام التي أحبها، فهو عندما عرض عليها الزواج مرة وكانت برفقته في سيارته، ترفض معترفة له بحبها لشاب من عمرها، فيوقف السيارة ويصرخ  بوجهها: "انزلي يا عاهرة".

تنتهي رواية "مرآة الخاسر" في هذه الخيبات وتحديدا عشية انطلاق الربيع التونسي، ويبدو أن عبد الناصر كان على يقين او على حدس، بأنّ ثورة ستندلع. هل يفاجئ شكري المبخوت قراءه بجزء ثالث أو رواية ثالثة تكون رواية هذا الربيع؟

المزيد من ثقافة