Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

​في أي معنى نقول إن الفلسفة ولدت عند الإغريق؟

الحكمة جاءت من الحضارات القديمة أما اليونان فهي التي استبدلت الحكماء بالفلاسفة

سقراط أبو الفلسفة الإغريقية بريشة جوان تريجيللو (متحف الحضارة الإغريقية)

ملخص

ليست الفلسفة كلمة عربية، بل كلمة معربة ومخففة في آن واحد، فالفلسفة أو الفيلو-صوفيا كلمة مركبة من كلمتين، فيلو وتعني المحبة أو الصداقة وصوفيا وتعني الحكمة. إذا، لا تنفصل الفلسفة عن الصداقة من حيث ماهيتها، فالفلسفة صداقة الحكمة أو محبتها، والفيلسوف صديق الحكمة أو عاشقها. كانت كذلك منذ أيام الإغريق وما زالت، وإن تغيرت طبيعة الصداقة وميزات الصديق.

لعل من الأهمية أن نتناول ما يقوله جيل دولوز في ما يخص الفلسفة والفيلسوف بما هو صديق للحكمة، وفي ما يخص البيئة المجتمعية اليونانية التي شهدت في نظره ولادة الفلسفة، لا سيما في كتابه الأخير "ما الفلسفة؟" الذي ألفه مع صديقه فليكس غتاري في مطلع التسعينيات. ودولوز من الفلاسفة القلائل الذين اجتهدوا في ما يمكن أن يعنيه الصديق عند الإغريق انطلاقا من فرضية تدعي أن الفلسفة يونانية المنشأ لأن هناك شروطا مجتمعية تجمعت في المدينة اليونانية جعلت الفلسفة ممكنة.

البحث عن المبدأ الأول

 مع الإغريق تتم النقلة من الأسطوري والديني إلى العقلي، من الميتوس إلى اللوغوس، وللمرة الأولى في تاريخ البشرية يلقى الكون تفسيراً عقلانياً شاملاً. طاليس الذي يعد أول من تفلسف في رأي أرسطو، فسر الكون بمبدأ أولي مادي هو الماء، وفسره فيتاغوراس بالعدد فحسبه أصل الأشياء. أما هيراقليطس، فقال إن النار أصل الأشياء، ومنهم من قال إن التراب أو الهواء أو حتى العناصر الأربعة مجتمعة أصل الأشياء. وحده أنيكسمندر الذي تجرأ وقال إن أصل الأشياء لا يمكن أن يكون مادياً، فقال بـ"الأبيرون" أو اللامحدود.

وهكذا نجد أن غالبية الفلاسفة الأوائل كانوا أقرب إلى "العلماء" الماديين الذين يفسرون الكون بعلل ومبادئ مادية منهم إلى الفلاسفة الذين يفسرون الكون بمبادئ وعلل ميتافيزيائية.

تفكر الفلسفة الكون والحياة والإنسان وتحاول أن تجيب عن تساؤلات العقل، لكن بأفاعيلها وأدواتها الخاصة، وهذا أيضاً ما يقوم به العلم والفن حتى الأسطورة، لكن بأفاعيل وأدوات أخرى. إذاً، ما يميز النشاط الفلسفي من غيره من النشاطات العلمية والفنية أنه يجيب عن تساؤلات العقل وأسئلته بإبداع الأفاهيم المناسبة واختراعها (concepts). الأفهوم الفلسفي ليس رأياً (doxa)  ولا رأياً أصلياً (urdoxa) تشتق منه بقية الآراء، بل إنه فعل فكري محض يندرج في أنظومة فلسفية متكاملة تعبر عن وجهة نظر فلسفية فريدة. ولا نحصل عليه بالتعميم والتجريد (الكوجيتو أو الأنا أفكر الديكارتي مثالاً). يجيب الأفهوم الفلسفي عن مشكلة فلسفية يبتدعها الفيهوم (concepteur) مبدع الأفهوم أو مبتكره، وتجمع على فياهمة ويصوغها أو يجددها. إنه ليس قضية منطقية أو علمية بمعنى أنه ليس خبراً عن العالم ولا حتى عما بعد العالم، لذلك من غير الممكن أن يوصف بالصدق والكذب، أي بمطابقته واقعاً ما أو بعدم مطابقته إياه.

بناء على ما سبق، علينا أن نحدد مجموعة العناصر التي تلازم الأفهوم ليكون أفهوماً فلسفياً، فنحن لا نتفلسف من دون أن نصوغ مشكلة فلسفية معينة ولا من دون أن نحدد الحقل الذي نتفلسف فيه، ولا من دون أن نغير في صورة الفكر. وكذلك لا نتفلسف من دون أن نرسم الشخصية الفلسفية القلقة التي تتفلسف، أعني بها الشخصية الأفهومية بحسب تعبير دولوز. هل هي سقراط أفلاطون مثلاً؟ أم زرادشت نيتشه؟ أم أبله ديكارت؟ أم قاضي محكمة العقل المحض بحسب كنط؟. وأخيراً نحن لا نتفلسف من دون أن نعبر عن ذلك عبر إبداع أفاهيم جديدة. هذا ما يقصده دولوز بطبيعة الأفهوم الإبداعية التي تجعل للأفهوم معنى وحقيقة خاصة به، وبذلك يتمتع الأفهوم الفلسفي بالمعنى بخلاف ما تذهب إليه الوضعية المنطقية، وتبقى له حقيقته الخاصة، نسبة إلى المشكلة الفلسفية التي يجيب عنها وإلى الأفق أو الحقل الفلسفي الذي ينبت ويعمل فيه وإلى الشخصية الأفهومية التي تطرح المشكلة وتزرع الحقل وتبدع الأفاهيم وإلى صورة الفكر التي ينطلق منها.

أصل الفلسفة اليوناني

يصر دولوز على أصل الفلسفة اليوناني، فالفلسفة وجدت في اليونان بيئتها وحاضنتها المجتمعية المناسبة لتتفتح وتنمو وتزدهر، ومن المشهور أن الإغريق عرفوا الحكماء السبعة (صولون وطاليس مثلاً)، إذ كان هؤلاء يتشبهون بالآلهة أو هكذا كان ينظر إليهم، إلا أن عاشق الحكمة لم يكُن يطمح إلى التشبه بالآلهة، فكان أكثر تواضعاً من الحكيم. وحسناً فعل الإغريق حين ميزوا عاشق الحكمة أو صديقها من الحكيم وميزوا الفيلسوف من الحكيم، فذلك ينسجم مع جوهر الفلسفة وماهيتها من حيث كونها طموحاً إلى شيء لن تبلغه مطلقاً.

والفلسفة يونانية وإن كان الفلاسفة الأوائل غرباء مهاجرين، فاليونان حققت شروط إمكان القول الفلسفي واقعياً. إذاً، الفلسفة إغريقية لأنها بدأت مع أصدقاء الحكمة هؤلاء الذين لا يدعون امتلاكها قطعاً، وهذا لا يعني أنه لم تكن هناك أفكار حول الإنسان والموت والحياة والنفس والكون عند الأمم التي سبقت الإغريق مثل المصريين والبابليين القدماء، بل بالتأكيد كان هناك أفكار، لكنها لم تكُن مصوغة على شاكلة هذا النوع من "المعرفة" الذي يسمى "فلسفة" والذي يمتاز بأن لا مرجعية خارجية له، إذ يعتمد التفكير عبر الأفهوم بما هو فعل فكري محض لبناء نظام عقلاني شامل يقطع مع التصور الأسطوري للعالم.

بين الحكيم والفيلسوف

نتبنى وجهة النظر التي تقول إن هناك فرقاً جوهرياً لا يمكن تجاهله بين الفيلسوف والحكيم، فيفكر الحكيم عبر الصورة، أي يفكر عبر الأمثال والرموز والقصص والأساطير، وهو يدعي امتلاك الحكمة. أما الفيلسوف أو عاشق الحكمة، فإنه لا يدعي امتلاك الحكمة وهو يفكر عبر الأفهوم، أي عبر أفعال فكرية محض تعود للفكر بما هو كذلك. فهو يطرح مشكلاته ويحاول أن يحسن صوغها ويجيب عنها عبر بناء بنيان أفهومي عقلاني، وشتان ما بين التفكير عبر الصورة والتفكير عبر الأفهوم.

هكذا يتبين أن الفرق بين الحكيم وعاشق الحكمة ليس فرقاً في الدرجة فحسب كما لو كانا يتسلقان سلماً بعينه، فيصل أحدهما في حين أن الآخر لما يصل بعد، بل فرقاً في الطبيعة أيضاً، أي بين من يفكر عبر الصورة ومن يفكر عبر الأفهوم. وهذا التفكير عبر الأفهوم جعل الفلسفة إغريقية المنشأ. فما جاءنا من الحضارات القديمة نوع من الحكمة. أما الإغريق فهم الذين صادقوا على موت الحكيم واستبدلوه بالفلاسفة. يقول دولوز "ولكن قد لا يوجد بين الفيلسوف والحكيم فرق في الدرجة فقط، كما لو تعلق الأمر بسلّم، فالحكيم العجوز الآتي من الشرق يفكر ربما عبر "الصورة"، في حين أن الفيلسوف يخترع الأفهوم ويفكره. لقد تغيرت الحكمة كثيراً" ("ما الفلسفة؟"، صفحة 8).

مثالاً، يذهب الإنسان إلى الحكيم ليسأله عن الأخلاق، فيقول له إفعل كذا ولا تفعل كذا. فالحكيم حاسم في قوله وفي أوامره ونواهيه. ومن ثم يذهب إلى الفيلسوف ليسأله عن الأخلاق، فيناقشه الفيلسوف في الأسس التي يمكن أن تقوم عليها الأخلاق أو تؤسسها من دون أن يوجه له أي موعظة أخلاقية.

مثالاً ثانياً، القرآن الكريم كتاب حكمة، فكيف يعرض أفكاره؟، إنه يعرضها عبر القصص والرموز والأمثال حتى "الأساطير". فعندما يريد أن يستدل على وجود الله، يضرب مثلاً. وورد في سورة ابراهيم ما يلي "ألم ترَ أن الله خلق السماوات والأرض بالحق إن يشأ يُذهبكم ويأت بخلق جديد" (19). وفي سورة الكهف "ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلا" (54)، وفي سورة العنكبوت نجد "وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمُون" (43)، وكذلك في سورة الغاشية "أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت وإلى السماء كيف رفعت" (18). لكن لو ذهبنا إلى ابن سينا مثلاً بما هو فيلسوف وطلبنا منه إثبات وجود الله، ماذا كان يقول؟، إنه يبدأ برشقنا بترسانة أفهومية هائلة واجب الوجود، ممكن الوجود، مستحيل الوجود، واجب الوجود بذاته، واجب الوجود بغيره، العلة والمعلول، استحالة الدور وهكذا دواليك! في كتب الحكمة، إذاً، أمثال وصور وحكايات وقصص ورموز وأساطير ومجازات. وفي كتب الفلسفة أفاهيم وحقول فلسفية وترسانات أفهومية وآفاق فكرية وأنظومات فلسفية عقلانية. الفلسفة، إذاً محبة الحكمة، لكنها ليست حكمة، لذلك تختلف الفلسفة اليونانية عن الحكمة المشرقية.  وحدد دولوز ثلاثة شروط مبدئية لإمكان الفلسفة، ألا وهي إبداع الأفهوم ورسم الشخصية الأفهومية وتشييد مسطح المحايثة، وثلاثة شروط واقعية ألا وهي الصداقة والمحايثة وتبادل الآراء. ومن الواضح أن هذه الشروط لم تكُن موجودة في المجتمعات الشرقية القديمة، فهي مجتمعات مفارقة وتعالٍ لا مجتمعات محايثة، إذ لم يكن يسمح فيها بتبادل الآراء بين الأصدقاء، وكان هناك دائماً رأي واحد يجب أن يسود، لذلك أنتجت هذه المجتمعات حكمة وليس فلسفة. لقد أنشأ الإغريق مجتمعات صداقة تسودها المنافسة ويسمح فيها بتبادل الآراء، وإن كان ذلك على نطاق ضيق، وسنتناول ذلك بمزيد من التفصيل.

التفكير عبر الصورة يستند إلى مرجعية خارجه

وعليه، فإن الفيلسوف صديق الحكمة أو عاشقها أو خاطبها، وهو الذي لا يملكها قطعاً بعكس الحكيم المشرقي الذي يدعي امتلاك الحكمة. إذاً، غيّر الإغريق كثيراً في أفهوم الحكمة، فيفكر الحكيم المشرقي عبر "الصور"، مستبعداً مسطح المحايثة ومتوسلاً سلالات من الآلهة، أو إلهاً واحداً يضمن به دقية تفكيره، فالصورة لها مرجعية دائماً. أما الفيلسوف اليوناني، فيفكر عبر الأفاهيم، إنه صديق الأفهوم فهو يبدع الأفهوم ويفكره. إذاً، إنه صديق ما يبدع. وهو لا يتوسل مرجعية عليا ليضمن بها صدقية تفكيره لأنه يفكر على مسطح المحايثة. إنه يفكر عبر قواه الطبيعية، عبر النور الطبيعي، في الأقل وفقاً لصورة الفكر الكلاسيكية.

أقام الإغريق مجتمعات صداقة تحمل في طياتها المنافسة وإن كانت مجتمعات على نطاق ضيق، مما هيأ الأرضية الصالحة لنمو الفلسفة وتطورها. "وبناء على السمة الأولى هذه تبدو الفلسفة شيئاً يونانياً يتفق مع إسهام المدن، لأنها كونت مجتمعات أصدقاء أو متساوين، لكن أيضاً لأنها أكدت في ما بينها وفي كل واحد منها، صلات تنافسية، إذ يتقابل طامحون (خاطبون) في كل الميادين، في الحب وفي الألعاب والمحاكم والقضاء والسياسة، وحتى في الفكر الذي قد لا يجد شرطه في الصديق فحسب، بل في الخاطب والمنافس. الديالكتيك الذي يعرفه أفلاطون بــ"المشادة" (amphisbetesis). تنافس الرجال الأحرار ألعاب قوى معممة، الأغون. وعلى الصداقة أن توفق بين كمال الماهية وتنافس الخاطبين. أوليست هذه مهمة كبيرة جداً؟" ("ما الفلسفة؟"، ص 9-10). وإضافة الى مجتمعات الصداقة، لا بد من توافر شرطي المحايثة وتبادل الرأي أيضاً بوصفهما شرطين واقعيين آخرين من الشروط الواقعية للفلسفة.

مجتمعات تشجع الفلسفة وأخرى تُعوقها

ميّز دولوز بين المدن اليونانية التي تعمل مجتمعاتها بالمحايثة عن الإمبراطوريات القديمة التي تعمل مجتمعاتها بالمفارقة والتعالي، إذ تسهل الأولى قيام الفلسفة في حين أن الثانية تعوقها، لذلك نقول إنه لا يمكن للمجتمعات الدينية أن تسهل قيام الفلسفة لأن الفلسفة بحاجة إلى التحرر من كل المرجعيات حتى يمكن للعقل أن ينطلق ويفكر. والفلسفة، في نظر دولوز، فلسفة بحصر المعنى، أي من دون أي إضافات أخرى. إذاً، ليس هناك من فلسفة يهودية أو مسيحية أو إسلامية لأن الفلسفة قول عالمي يتوجه إلى الإنسان بما هو إنسان. وعليه، يحيل الأفهوم على الفيلسوف، وليس على الحكيم لأن لديه القدرة على إبداعه. يقول دولوز "موضوع الفلسفة صنع أفاهيم جديدة دائماً. والأفهوم نظراً إلى كونه يجب أن يُبدع، فإن إبداعه يرجع إلى الفيلسوف بما هو ذلك الشخص الذي يمتلكه بالقوة، أو لديه القدرة والكفاءة على ذلك" ("ما الفلسفة؟"، ص 10).

لم يعُد الصديق عند الإغريق مثالاً عينياً حياتياً أو شيئاً برانياً فحسب، بل أصبح شرطاً  من شروط إمكان الفكر بما هو كذلك وشرطاً من شروط إمكان الفلسفة بما هي كذلك. إنه شرط  قبلي مجاوز اقتضائي. فالفيلسوف صديق الحكمة، وهو يريد الحق طبيعياً ويجد في نفسه الإرادة الطيبة لذلك بحسب صورة الفكر الكلاسيكية.

تهمل الفلسفة ما هو أمبيري عيني وتهتم بما هو مبدئي مجاوز، لذلك علينا أن نهتم بشروط الفكر بما هو كذلك. من شروط الفكر هذه، الشخصية أو الشخصيات الأفهومية التي تقوم بإبداع الأفاهيم وتشييد المسطح. والصديق شخصية أفهومية عند الإغريق. لذلك علينا أن نتناول الشخصيات الأفهومية في تحليلنا النصوص الفلسفية حتى نستطيع فهم تطور الفلسفة وتحولاتها.

ومن ثم، هناك فرق في الطبيعة بين الأفهوم و"الصورة"، فلا يمكن الكلام على الفلسفة بالمعنى الدولوزي للكلمة إلا عندما نشيد مسطح محايثة ونملأ هذا المسطح بالأفاهيم وليس بالصور. لا تكون المحايثة محايثة إلا لذاتها. وعندما تُنسب إلى شيء ما خارجها، ويكون هذا الشيء بالضرورة أفهوماً، تفقد كثيراً من حقيقتها. وهذا ما يحصل في التأمل والتفكر والتواصل التي سماها دولوز "أوهام الفلسفة الثلاثة"، ويسميها الآن "صور الفلسفة الثلاث" ("ما الفلسفة؟"، ص 89). وفي التأمل تكون المحايثة محايثة للواحد أو الموضوع الكبير للتأمل، وفي التفكر تكون محايثة للذات. أما في التواصل، فتكون محايثة للذات الأخرى (البيذوية).

بناء على ما سبق، لا يمكن الكلام عن فلسفة صينية أو مسيحية أو يهودية أو إسلامية إلا بالنسبة إلى تشييد مسطح المحايثة وملئه بالأفاهيم وليس بالصور. هذا هو المحك الأساسي لكل فلسفة، ولكل قول يريد أن يكون فلسفياً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

محايثة الفكر تلتقي محايثة المجتمع

نشأت الفلسفة في اليونان مع الفلاسفة المهاجرين من خلال التقاء مسطح محايثة الفكر، مع البيئة المجتمعية اليونانية ذات الطابع المحايث لا المفارق. التقى مسطح المحايثة مع المجتمعية المحض والصداقة، والميل الى الرأي وتبادل الآراء، الموجودة في المجتمع اليوناني، فكانت الفلسفة. ما يضيفه دولوز أن الفلسفة لا تتمتع بضرورة داخلية، سواء كان في ذاتها أو لدى الإغريق، مما يعيبه دولوز على هيغل وهايدغر اللذين يبقيان تاريخانيين، بحيث "يطرحان التاريخ شكلاً من الداخلية، يتطور الأفهوم فيه أو يكشف عن قدره بالضرورة"("ما الفلسفة؟"، ص 91). وفي مقطع آخر، يبين العوامل التي أدت إلى نشوء الفلسفة في اليونان "إذا كانت الفلسفة قد ظهرت في اليونان، فذلك يعود لعرض بدلاً من ضرورة، إلى جو أو إلى بيئة بدلاً من أصل، إلى صيرورة بدلاً من تاريخ، إلى جغرافيا بدلاً عن تأريخ، إلى نعمة بدلاً من طبيعة" ("ما الفلسفة؟"، ص 92).

في هذا السياق نتساءل "بأي معنى تكون اليونان موطن الفيلسوف أو أرض الفلسفة؟" ("ما الفلسفة؟"، ص ٨٢). كيف أمكن للمدينة اليونانية أن تحتضن الفلاسفة وتكون أرضاً للفلسفة؟ لماذا لم يحصل الأمر نفسه في الدول الإمبراطورية؟ لماذا هاجر الفلاسفة إلى المدن اليونانية؟ ولماذا يحصل الأمر نفسه اليوم في أوروبا، تحديداً في حواضر الفلسفة (ألمانيا وفرنسا وبريطانيا)؟ ما شروط إمكان القول الفلسفي الواقعية في هذه المواطن؟ هل هذه الشروط عرضية أم ضرورية؟.

تفتعل الدول الإمبراطورية المشرقية حركة تهجير وهجرة ذات طبيعة مفارقة، لذلك يتم التفكير عبر "الصور" وليس عبر الأفاهيم. أما في المدن اليونانية، فإن حركة التهجير ذات طبيعة محايثة وتهيئ الأرضية اللازمة للتفكير عبر الأفاهيم. لقد حققت المدينة اليونانية شروط إمكان القول الفلسفي من حيث الواقع. وعليه، تبقى الفلسفة يونانية وإن كان الفلاسفة الأوائل غرباء وأجانب، فقد وجد هؤلاء ثلاثة شروط في المدينة اليونانية، سمحت بإمكان القول الفلسفي وازدهاره، هي المحايثة والصداقة وتبادل الآراء، وإن كانت هذه الشروط عرضية لا ضرورية.

هذه باختصار وجهة نظر دولوز التي تقول إن الفلسفة ولدت عند الإغريق وإن اليونان شهدت ولادة الفلسفة بسبب من الشروط المجتمعية التي وجدها الفلاسفة الأوائل في المدينة اليونانية. فقد التقت شروط إمكان الفلسفة المبدئية شروط إمكانها الواقعية، فكانت الفلسفة.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة