فقيه سعودي يفجر جدلا بتفضيل "الحضر" على "البدو"... وغضب من دعوة مذيع لمحو أمجاد العرب

قانوني: غياب قانون مدني فتح الباب لمثل هذه الاجتهادات

الإعلامي إدريس الدريس على يمين الصورة ورجل الدين صالح الفوزان على اليسار (إندبندنت عربية)

 

في وقت أثارت فيه فتوى لفقيه سعودي حول تفضيل الحضر على البدو جدلاً واسعاً، جاء كاتب سعودي ليضيف إلى الجدل مزيد ضجيج بدعوته في مناسبة أخرى إلى حذف "أمجاد العرب" من المناهج الدراسية بوصفها قامت بتخدير مواطنيه والعرب عن سباق التقدم والحضارة.
وفي  فيديو تم تداوله على نطاق واسع في مواقع التواصل الاجتماعي لعضو هيئة كبار العلماء السعودية صالح الفوزان يذكر فيه عدم جواز شهادة أهل البادية على من سكنوا الحاضرة، استند الفوزان على نص نبوي يقول (لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية)، ويضيف معلقاً في معرض حديث طويل خلال محاضرة عن الشهادة الشرعية في القضاء وضوابطها "وهذا أيضاً من موانع الشهادة، فشهادة الأعرابي الذي يسكن البادية على الحضري لا تجوز، لأن البدو والاعراب يظهر عليهم الجفاء ولا يعرفون قيمة الشهادة ومسؤوليتها بسبب جهلهم، أما الحضري فهو متعلم لذلك هو اقرب إلى الصدق"، وقد طال النقاش حول ذلك الجوانب الاجتماعية ومدى صحة تقسيم المجتمعات حول أعرابٍ لا تصح شهادتهم وحاضرةٌ.

إلا أن القضية لديها جوانب لم يطلها النقاش بشكل واسع حول مدى صحة النص الشرعي، إضافةً إلى الجوانب القانونية ومدى صحة إجراء كهذه في وجهة نظر القانون، إضافةً إلى البعد الاجتماعي لتشريع يقيم الناس أمام القضاء بناءً على بعد ثقافي ومناطقي، وهو ما بحثت  "اندبندنت عربية" خلفياته مع الاختصاصيين.

ماهي موانع الشهادة في عين القضاء

تظل النقطة الأهم في موضوع موانع الشهادة هي هل هناك محددات ثابتة بنصوص تقيد القبول والطعن في المحاكم الشرعية تضبط حالة الاجتهاد الفقهي في المؤسسات العدلية القضائية، وهو ما يؤكد وجوده عضو النيابة العامة سابقاً المحامي نايف آل منسي بشكلٍ جزئي في حديثه للاندبندنت عربية "يوجد ما هو متفق عليه كمنع شهادة الفروع للأصول والأصول للفروع كشهادة الأب لابنه والعكس، ويوجد ما هو مختلف فيه كرد الشهادة لوقوع الشاهد في بعض خوارم المروءة على سبيل المثال، فيجوز للقاضي الاجتهاد برد شهادة من تقبل شهادته في حال تقدير القاضي احتمالية أن يكذب الشاهد"، وهو ما يدفع آل منسي للمطالبة بتقنين الأحكام الشرعية وأن تحدد مساحة اجتهاد القاضي تحديداً على سبيل الحصر، منعاً لوقوع التناقض بين قضية وأخرى وبين قاضٍ وآخر.

وهو ما يؤكد عليه المستشار القانوني والشرعي عبدالله آل معيوف بأن عدم وجود قانون مدني واضح ومفصل في السعودية فتح باباً واسعاً للاجتهاد في الأحكام "السعودية بحاجة إلى قانون مدني يحدد العقوبات والضوابط بحيث تحد من سلطة الاجتهاد لدى القضاة السعوديين، فلو تعاملنا مع هذه القضية فيمكن أن تختلف موانع الشهادة من مكان لآخر وقاضٍ وآخر أو حتى باختلاف الأزمنة، فحلق اللحية على سبيل المثال كان مانعاً للشهادة في فترة من الفترات، حتى صار حلقها عادةً تجاوزت المنع بعدها، إضافةً إلى أخذهم بخوارم المرؤة في قبول الشهادة من عدمه، وهو مفهوم عام يمكن أن يتغير من مكان لآخر وزمان لآخر كالأكل في الأماكن العامة، أو فيما يتعلق بالجوانب العاطفية كشهادة الموظف لمديره، إذ يملك القضاة مساحة حرية كبيرة في تحديد ذلك".

ما مدى صحة الحديث

ويكمن الجدل في كثير من القضايا المتعلقة بجوانب شرعية حول مدى صحة النصوص الدينية التي يتم الاستناد عليها في تلك القضايا، ولا يختلف الوضع في هذه القضية إذ لا يحظى النص الديني الذي استند عليه الشيخ الفوزان على توافق كافي بين الشرعيين، إذ علق عبدالله بن سعد آل معيوف المستشار الشرعي والقانوني حول ذلك بأنه منكر المتن "حديث عدم جواز شهادة البدوي هو حديث منكر المتن، إذ ذهب أكثر العلماء إلى أن شهادة البدوي لا تقل عن شهادة الحضري فمن ثبت صدقه صحت شهادته بغض النظر عن مرجعيته المناطقية".

ويضيف حول مدى سلامة النص "لو كان المانع من شهادة البدوي قدحاً في عدالته لردت شهادته مطلقاً سواءً على حضري أو على بدوي، أما يمنع من الشهادة على حضري لقدح في صدقيته وتقبل شهادته في بدوي فهذا معنى لا يستقيم وينزه مقام النبوة عنه" ويضيف أيضاً "الحديث يخالف نص نبوياً آخر أقوى منه من حيث المتن، إذ ورد عن النبي أنه قبل شهادة أعرابي في دخول شهر رمضان وأمر الناس بالصوم ولم يردها".

الأمر ذاته أكده الدكتور ناصح البقمي عضو لجنة الشؤون الإسلامية والقضائية في مجلس الشوري السعوي قائلاً "ما ذكره الشيخ هو قول للإمام مالك، وذهب أبو حنيفة والشافعي وأحمد في المشهور عنهم إلى قبول شهادة البدوي على الحضري لأنه الأصل"، مؤكداً ما ذكره آل معيوف حول قبول النبي لشهادة الأعراب "النبي صلى الله عليه وسلم قبل شهادة الأعرابي في رؤية الهلال، وهذا القول رجحه الشيخ البسام رحمه الله، أما الحديث المذكور في المقطع فحملوه على من لا تعرف عدالته من أهل البادية", مؤكداً في السياق نفسه أن اللجنة البرلمانية تعمل على مشروع نظام مكافحة الكراهية والتمييز بجميع أشكاله المناطقي والطائفي والعرقي لكنه لا يزال قيد الدراسة في اللجنة.

ولم تكن هذه الحادثة هي الأولى من نوعها التي يثير فيها الدكتور صالح الفوزان الجدل حيال تعاطيه مع قضايا عامة، إلا أن تماس هذه الحالة مع الجانب القانوني والعدلي دفع بها إلى مقدمة القضايا التي لاقت رواجاً وجدلاً حول ما إذا كان بالإمكان ارتهان العملية القضائية لعوامل التمييز الجهوي والمناطقي.

النظر لظروف الأدلة قبل الاستدلال

إلا أنه وبغض النظر عنما إذا كان هذا الحديث صحيحاً من عدمه إلا أن بعض النصوص لها ارتباطات بظروف زمانية ومكانية يصعب تعميمها بالكلية، وهو ما يؤكده الباحث الشرعي عبدالله العلويط إذ يشدد على ضرورة التثبت من الظرف الذي نزل فيه النص "يجب التأكد ما إذا كان النص ظرفي أم عام، وهل الحديث من قبيل التشريع ام من قبيل التصرف الدنيوي او السياسي، وهل هو أبدي ام مؤقت فلو نظرنا في كل الأحاديث المرتبطة بأقوام أو أمكنة لوجدناها خاصة بزمنٍ كدعاء النبي على عصية وذكوان فهي خاصة بهم لا تشمل أحفادهم ، ويمكن سحب ذلك على بقية النصوص"

ويشدد العلويط على أهمية أن تدفعنا هذه الحادثة إلى إعادة النظر في طريقة التعامل مع النص بشكل جذري "هذه الحالة التي تتكرر يجب أن تجعلنا نعيد النظر في التعامل مع السنة، وقد أتى مصداقا لما نشتكي منه من عدم إدراكنا لمعنى النصوص النبوي وعدم أخذ ظروفها بالاعتبار والأخذ بعمومه وإنزاله على واقع ليس له".

وتلقى الفتاوى والنصوص الدينية جدلاً واسعاً لدى السعوديين في الآونة الأخيرة، إذ يتلقف الناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي تلك النصوص ليطول النقاش حولها باستقطاب واسع يخرج في كثير من الأحيان عن الأسس الموضوعية ليتحول لصراع أيديولوجي بين التيارات الاجتماعية المحلية.

مخدر الأمجاد

في الناحية الأخرى نادى الإعلامي السعودي إدريس الدريس بتخليص الطلاب من النوم على وسادة التاريخ على حد وصفه، معتقدا بأن السبب الرئيسي في تخلف العرب هو حقنهم دائما بـ"مخدر الأمجاد" التي صنعها أهلها في الماضي.

ويأتي هذا المقترح في الوقت الذي تشهد وزارة التعليم السعودية عددا من الإصلاحات التربوية التي تتضمن عملية تحديث المناهج الدراسية، للتأكد من مدى فاعلية المناهج في صناعة الوعي لدى الطلاب، وشملت مؤخرا مراجعة كتب التاريخ التي تدرّس في مراحل التعليم العام، حيث أجريت عليها تعديلات جوهرية تهدف إلى إظهار الصورة الحقيقية الكاملة للأحداث التاريخية على كافة الأصعدة والحقب الزمنية.

واعتبر مغرّدون طرح الدريس بـ "غير المنطقي" ، باعتبار أن السعودية جزء لا يتجزأ من الإرث التاريخي العربي؛ لما شهدته أرضها من ممالك وحضارات عريقة تركت وراءها عشرات الآثار الباقية والرسومات التاريخية التي تنبض بها مناطق المملكة.

وفي اتصال لـ "اندبندنت عربية" مع الدريس أبدى دهشته من  ردود الفعل الساخطة التي قال إنها شككته في إحسانه التعبير عن الفكرة التي أراد إيصالها، إذ كان قصده أن "الأجيال العربية الحديثة لا علاقة لها بإنجازات العرب الماضية إلا من زاوية الإنتساب القومي أو الديني، مع الأخذ بعين الاعتبار أن العروبة تنطوي على تعددية إثنية ودينية، فعندما نتكلم عن الإنجاز فالأجيال الحديثة لم تنجز شيئاً يجعل منها إمتداد للأجيال التي سبقتها؛ بل يمكن القول أنه قد حصلت قطيعة بين الإثنين، فالأجيال السابقة كانت تنتمي لتلك الإنجازات على مختلف المستويات السياسية والفكرية والمعرفية، بما في ذلك المساهمة في الإنجاز علمياً أو سياسياً أو فنياً".

الدريس: من هاجموني كانوا على حق

ولفت إلى أن  حال الأجيال الحالية مختلف من حيث أن، انتمائها لماضي العرب - المسلمين منهم وغير المسلمين - لم يعد يتجاوز الافتخار السطحي المُفرّغ من أي حافز أو شعور بالمسؤلية يخلعها هذا الماضي على من يفتخر به.

‫وعللَّ الدريس ذلك بتضخم الحديث حول إنجازات ماضٍ انقضى واستنفد أغراضه من دون أن يتبعه أي إنجاز معتبر، وبالتالي ديمومة الجمود عند خطاب يردد تلك الإنجازات للتغطية على فشل الحاضر في مقابل إنجازات الماضي.

وأضاف "الذين هاجموا كلامي كانوا على حق فقد نبهوني إلى وقوعي في شيء من التعميم وعدم التوفيق في اختيار بعض المفردات وهم الذين شكرتهم وأشكركم على ذلك لكنني سمعت عن بعض الردود لبعض أدعياء العلم بالغيب - حسب وصفه- من التأويليين الذين يؤلون الكلام على غير مقصده". 

‫لكنه أردف بأن هدفه من قوله السابق "ليس التقليل من إنجازات العرب وتاريخهم بقدر ما أنه تسجيل اعتراض على الطريقة التي نتعامل بها مع ذلك التاريخ ونربي أجيالنا عليها دون إدراك لعدم جدواها رغم مرور قرون على الانغماس في ممارستها؛ ويمكن استنباط الدليل من الراهن العربي والإسلامي"، مؤكدا اعتزازه وفخره بتاريخ الأمة العربية والإسلامية؛ لكن ربما أن الحماسة لأنْ نتبع تلك الأمجاد الماضية بمسيرة عصرية من التقدم ومواكبة العصر هو الدافع لذلك الكلام الذي شابه بعض الانفعال، مقدما اعتذاره لكل من ساءهم طرحه.

جيل فاقد لهويته

وانتقد آخرون هذا المقترح لأنه سيؤدي إلى ولادة جيل فاقد لهويته، وجاهل بموروثه، وتاريخ أبائه وأجداده الذين سطّروه على مدى الحقب التاريخية الزاخرة بالأحداث المفصلية.

بينما وصف الدريس مقترحه بالانقلاب في ذهنية الطالب والمجتمع، حيث سيعمل على تحفيز الناس على بناء مكانتهم في الحاضر والمستقبل.

ودعا وزارة التعليم السعودية إلى أن تقوم باتخاذ قرار ينسف هذا التاريخ العربي الفائت، على أن يتم ذلك وفق خطط زمنية محددة بحيث يمكن رصد النتائج بين فترة لأخرى للتأكد من جدواه.

وأشار إلى أن هذه الطريقة قد تكون سببا للانطلاق إلى المستقبل، وملاحقة الدول المتقدمة، ومحاكاة التجارب الصينية واليابانية والكورية وغيرها من الدول الصاعدة.

في غضون ذلك أوضح الباحث التربوي الدكتور حسين بن مالح بأن ‏المنهج هو أداة صياغة آمال الأمة وطموحاتها وما حدث في تطوير مناهج التاريخ على الساحة السعودية ماهو إلا انعكاس للكثير من من التغيرات التي نشهدها على كافة الأصعدة المختلفة المحلية، الإقليمية، والعالمية، سواءً ما كان منها سياسياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً، أو ما كان منها مرتبطاً بالانفجار المعرفي وتقنية المعلومات والبيانات وثورة الاتصالات.

ولفت إلى أنه "لا يمكن لنا تجاوز المحتوى المعرفي الذي يقدم للأجيال الناشئة - وفقا للمتغيرات الطارئة ومحاولة جهات خارجية بطمس الحقائق والإرث التاريخي- نشأة الدولة السعودية ومواقفها التاريخية مع العرب والدول الصديقة لذا توجب على القائمين على المناهج السعودية إبراز الهوية الوطنية والإرث التاريخي لملاحم الآباء والأجداد وفق آلية تطوير مدروسة وعلمية لتنشئة الأجيال واعتزازها بتاريخها المجيد".

وأكد أهمية بناء مناهج تقوم على أسس فلسفة المجتمع ورؤيته وطبيعته وهويته الثقافية والحضارية، والمشكلات التي يعاني منها المجتمع.

المزيد من العالم العربي