Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

باريس والقاهرة... علاقات إستراتيجية يشوبها ملف مصر الحقوقي

قمة رئاسية بين السيسي وماكرون بالاتحادية بحثت تعزيز العلاقات الثنائية والملفات الإقليمية.. ومصادر: تطور العلاقات الاقتصادية والسياسية لن يتأثر بملف القاهرة الحقوقي

قمة رئاسية بين السيسي وماكرون (صفحة المتحدث الرسمي لرئاسة الجمهورية المصرية)

بعد جولة سياحية، في أحد أشهر المعابد الفرعونية (معبد أبو سمبل) بأسوان جنوب مصر، عقد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اليوم الإثنين، اجتماعا مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي بهدف تعزيز العلاقات الاقتصادية والثقافية والإستراتيجية بين البلدين، مع الحديث في الوقت نفسه بـ"صراحة أكبر" عن حقوق الإنسان.

واستقبل الرئيس السيسي نظيره الفرنسي، الذي يزور مصر لثلاثة أيام، في قصر الاتحادية بضاحية مصر الجديدة بالقاهرة، وعقدا اجتماعا ثنائيا عقبه توقيع نحو ثلاثين اتفاقا وعقدا تجاريا بقيمة "مئات ملايين اليوروهات"، بحسب الرئاسة الفرنسية. وهذه العقود التي تندرج تحت خانة تنويع العرض التجاري الفرنسي حيال مصر ستشمل قطاعات النقل والطاقة المتجددة والصحة والصناعات الغذائية، حيث يرافق "ماكرون" في زيارته نحو خمسين من رؤساء الشركات الفرنسية في مجالات النقل والطاقة والصحة، لتدعيم العلاقات الاقتصادية مع القاهرة.

علاقات قوية يشوبها الملف الحقوقي

قبيل القمة المصرية الفرنسية، قال الرئيس الفرنسي إنه يعتزم التحدث بـ"صراحة أكبر" في الموضوع "الأكثر حساسية" بالنسبة لمصر، وهو ملف حقوق الإنسان. وبحسب "ماكرون" فإن "الأمور (الملف الحقوقي) ازدادت سوءا منذ تشرين الأول/أكتوبر 2017"، حين زار الرئيس السيسي باريس، واعداً بأن يبحث "هذه المسألة بطريقة أكثر صراحة ووضوحا، لأنني أعتقد أن ذلك يصبّ في مصلحة الرئيس السيسي والاستقرار في مصر". وأشار إلى أنه سيجري بعيدا من الإعلام "محادثات مغلقة" مع السيسي حول "حالات فردية" لمعارضين أو لشخصيات مسجونة.

وكان "ماكرون" استقبل الرئيس المصري في باريس في تشرين الأول/أكتوبر 2017، إلا أن الرئيس الفرنسي رفض آنذاك "إعطاء دروس" لنظيره المصري في مسألة حقوق الإنسان.

وخلال المؤتمر الصحفي المشترك، الذي أعقب القمة، اليوم، أكد الرئيس السيسي على ضرورة التعامل مع قضايا الحقوق والحريات بمفهومها الشامل، مشددا على أن الشعب المصري صاحب الحق في تقييم مدى ما يتمتع به من حقوق سياسية واقتصادية واجتماعية.

 

وشدد السيسي على قوة وتميز العلاقات السياسية والإستراتيجية بين القاهرة وباريس، مشيرا إلى أنه "اتّفق مع الرئيس ماكرون على ضرورة إعطاء دفعة قوية للتعاون في المجالات الاقتصادية وزيادة حجم التبادل التجاري والاستثمارات المشتركة بما يعكس مكانة وتميز العلاقات السياسية والإستراتيجية بين مصر وفرنسا".

وبحسب تصريحات الرئيس السيسي، فإن المحادثات مع ماكرون شملت "حوارا إيجابيا" حول الأوضاع الراهنة لحقوق الإنسان في بلدينا ومنطقة الشرق الأوسط والقارة الأوروبية، مشيرا إلى ضرورة التعامل مع قضايا حقوق الإنسان بمفهومها الشامل لأن جميع تلك الحقوق متشابكة ومتداخلة وتعزز بعضها البعض ولا يمكن تجزئتها. وقال السيسي: "لسنا كأوروبا وأمريكا، نحن دولة في منطقة مضطربة ولها خصوصيتها وطبيعتها التي تتميز بها"، مشددا: "لا أقبل أن يكون الرأي العام في مصر أو الأغلبية رافضة لوجودي وأستمر"، مضيفا: "أنا أقف هنا بإرادة مصرية ولو هذه الإرادة ليست موجودة سأتخلى عن موقعي فورا".

من جانبه، أكد الرئيس ماكرون لمضيفه أن "الاستقرار" مرتبط باحترام الحريات الفردية ودولة القانون. وقال: "يمكن أن نقول الأشياء بطريقة صريحة للغاية من دون أن نعتبر أننا نأتي لنعطي دروسا أو لزعزعة الاستقرار"، وأضاف: "وهذا ما فعلته مع الرئيس السيسي".

واعتبر الرئيس الفرنسي أن "مجتمعاً مدنياً ديناميكياً ونشطاً ويشمل الجميع يظل الحصن الأفضل في مواجهة التطرف وشرطاً أساسياً للاستقرار والسلام (المجتمعي)". وتابع أنه بدون توافر ذلك فإن "صورة مصر يمكن أن تسوء" ، مؤكدا أن "المناقشة التي أجريناها (مع الرئيس السيسي) احترمت سيادة مصر"، واستطرد "لن أكون صديقا مخلصا لمصر اليوم لو لم أعبر عن حقيقه ما أعتقده".

وفي الوقت ذاته، أكد ماكرون أن مصر تعتبر شريكا أساسيا لفرنسا في المنطقة، كما أن هناك توافقا في وجهات النظر بشأن العديد من القضايا الإقليمية والدولية، مضيفا أن مكافحة الإرهاب وتعزيز الأمن على رأس أولويات التعاون بين مصر وفرنسا، لخلق الاستقرار وضمان الأمن، في ظل مواجهة البلدين للإرهاب.

ماذا يقول الأوروبيون في الغرف المغلقة عن حقوق الإنسان؟

وحول إلى أي مدى يمكن أن يؤثر الملف الحقوقي المصري على تطور العلاقات الاقتصادية بين مصر وباريس، يؤكد السفير جمال بيومي، مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، على رسوخ وقوة العلاقات بين البلدين، معتبراً أنها "علاقات تقليدية قوية"

وذكر "بيومي" أن إثارة الرئيس ماكرون لملف حقوق الإنسان خلال زيارته لمصر نابع بالأساس من وضع فرنسا كدولة أوروبية ملتزمة بمسألة الحقوق والحريات واحترام مبادئ الديمقراطية، لكنها، على حد تعبير "بيومي"، لن تؤثر على تطور العلاقات الاقتصادية بين البلدين، لا سيما في ضوء اصطحاب الرئيس الفرنسي لوفد اقتصادي ضخم يشمل 50 رئيس شركة فرنسية، ما يعكس، وفق "بيومي"، حرص القيادة الفرنسية على التعرف من كثب على ملف الإصلاح الاقتصادي المصري وكذلك الاضطلاع من قرب على المشاريع الكبرى التي تنفذها الحكومة المصرية.

وتابع "بيومي"، الذي ترأس العديد من "المفاوضات والمباحثات المغلقة" مع الجانب الأوروبي في السنوات الأخيرة: "حين يتحدث معنا الأوروبيون في الغرف المغلقة عن ملف الحقوق والحريات دوما ما يقولون لا نخفيكم سرا أن أوضاع حقوق الإنسان لدينا لا تختلف كثيراً عن بلدانكم"َ،  مضيفا: "علينا أن نتفهم مثل هذه الملاحظات من دولة صديقة كفرنسا ونقابلها بهدوء ونردّ عليها بهدوء أيضاً".

في الاتجاه ذاته، يقول عمرو الشوبكي، الباحث والكاتب السياسي، إن "ملف حقوق الإنسان ملف عالمي، ويتم توجيه الرسائل الخاصة به لكل دول العالم، وليس مصر وحدها"، إلا أنه في الوقت ذاته يتوجب على الدولة المصرية تصحيح السلبيات أو الأخطاء المقصودة وغير المقصودة، المتعلقة بملفها الحقوقي، دون انتظار أي ملاحظات قادمة من الخارج.

ووفق "الشوبكي"، الذي حضر لقاء المثقفين مع الرئيس ماكرون، والذي دعت إليه السفارة الفرنسية بالقاهرة مساء اليوم، فإنه "يجب أن يكون هناك قناعة مصرية لتعديل وإصلاح أي انتهاك لحقوق الإنسان وقيمها ومراجعة هذا الملف بوضوح وشفافية"، معتبراً أن الربط بين حقوق الإنسان وتعزيز العلاقات الاقتصادية الدولية مع مصر سيظل موجودا طوال الوقت، لا سيما وأن مصر تسعي للانفتاح اقتصاديا على العالم الخارجي، وتدعو لزيادة الاستثمار الأجنبي.

من جهته، يطالب هاني إبراهيم، مدير إحدى منظمات المجتمع المدني بالقاهرة، بـ"النظر بحذر لتصريحات ماكرون عن حقوق الإنسان"، موضحا أن "موقف فرنسا الداعم لمصر ولنظامها السياسي لن يتغير في ضوء مثل هذه التصريحات، فالعلاقات الاقتصادية والعسكرية بين البلدين في أفضل مراحلها.. واهتمامات فرنسا بالتنسيق مع مصر بخصوص الأوضاع الاقليمية، خاصة فيما يخص الملفين الليبي والسوري، أهم عند الفرنسيين من قضايا حقوق الإنسان في مصر"، معتبرا أن حديث الرئيس الفرنسي عن ملف حقوق الإنسان "ينظر إليه على أنه مصارحة من صديق لمصر بأن التجاوزات في حقوق المعارضين أو نشطاء المجتمع المدني قد تضر باستقرار ومكانة مصر الإقليمية على المدى الطويل".

وطالبت عدة منظمات حقوقية، من بينها العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش، اليوم الإثنين، ماكرون بـ"خطاب قوي حيال وضع حقوق الإنسان"، ودعت لـ"تعليق كل مبيعات السلاح الفرنسي لمصر"، وتحتل مصر المرتبة الثالثة على قائمة الدول التي تشتري السلاح الفرنسي. وأبرمت القاهرة عقودا قيمتها 6 مليارات يورو لشراء أسلحة فرنسية منذ العام 2015. ومن بين العقود الهامة عقد لشراء طائرات "رافال" القتالية، التي تسلمت مصر 24 طائرة منها بالفعل.

أكثر من 30 اتفاقية ومذكرة تفاهم

وخلال قمة اليوم، شهد الرئيسان السيسي وماكرون التوقيع على عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم بين البلدين في العديد من المجالات، بينها النقل والمشروعات الصغيرة والمتوسطة وتأهيل الشباب والصحة والتعليم وتعزيز التعاون الثقافي.

وتضمنت الاتفاقات مذكرة تفاهم لتمويل تطوير مترو الأنفاق بقيمة 336 مليون يورو، وتسهيل ائتماني بقرض بقيمة 50 مليون يور، ومليون يورو منحة لجهاز تنمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة لتمويل الشركات المملوكة للنساء، فضلا عن مذكرات واتفاقات أخرى بملايين اليوروهات.

وخلال السنوات الماضية، شهدت العلاقات بين مصر وفرنسا تطورا لافتا؛ إذ مثلت صفقات التسليح العسكري "رأس الحربة" في العلاقات بين البلدين.

وماكرون الذي بدأ زيارته لمصر أمس، بمحطة معبد أبو سمبل، أحد أبرز المعالم الأثرية في مصر، ومن المقرر إنهاؤها غدا الثلاثاء، يهدف خلال زيارته لإلقاء الضوء على التعاون الثقافي مع مصر، والذي يعتبر ديناميكا خصوصا في مجال الآثار بوجود 32 ورشة عمل وتنقيب تحت إشراف المعهد الفرنسي للآثار الشرقية. كما تأمل فرنسا في الحصول على مهام تنقيب إضافية في مواقع أثرية، خصوصا وأن التقليد الفرنسي بالعمل في علم المصريات قديم جدا. وتسعى أيضا إلى المشاركة في المتحف المصري الكبير المستقبلي في الجيزة وتحديث المتحف المصري الشهير الواقع في وسط القاهرة منذ القرن التاسع عشر.

وحول الاهتمام الفرنسي، بتعزيز التعاون الثقافي مع مصر، يقول السفير "بيومي" إن "انطلاق زيارة الرئيس الفرنسي إلى مصر من أسوان والذهاب إلى معبد أبو سمبل، تعد دعاية جيدة للغاية لمصر ولسياحتها وتعبيرا عن رغبة فرنسية لتعزيز التعاون في هذا المجال"، مشيدا بنقل وسائل الإعلام الدولية لصور الرئيس الفرنسي وزوجته برجيت خلال تجولهما بالمعبد الأثري، وانعكاس ذلك على الترويج للسياحة المصرية حول العالم.

وذكر "بيومي" أن هناك رغبة فرنسية لتعظيم استثماراتها في القطاع الثقافي والسياحي المصري، على اعتبار أن مصر إحدى الوجهات السياحية الدولية المهمة.

 

اهتمام مشترك بتنسيق المواقف في القضايا الدولية والإقليمية

وبجانب العلاقات الثنائية، استحوذت القضايا الإقليمية والدولية على حيز كبير من القمة المصرية الفرنسية، وقال الرئيس الفرنسي، خلال المؤتمر الصحفي، إنه بحث مع نظيره المصري عدة محاور هامة، وفي مقدمها المصالحة الليبية والتسوية السياسية في سوريا، إلى جانب القضية الفلسطينية.  وقال ماكرون: "لقد ناقشت مع السيسي الملف الليبي باعتبار المصالحة في ليبيا هي الأساس للحل"، وتابع إن "الرؤية المصرية الفرنسية مشتركة فيما يخص التوصل لحل في سوريا"، وأضاف: "لقد تناولنا أيضاً القضية الفلسطينية والتأكيد على أهمية المفاوضات والحوار لحلها".

من جانبه، أكد الرئيس السيسي استعراضه تطورات الأوضاع الإقليمية ذات الاهتمام المشترك، خاصة في ليبيا وسوريا والقضية الفلسطينية ومنطقة الساحل الإفريقي، وكذا ملف الهجرة غير الشرعية، فضلاً عن العلاقات بين مصر والاتحاد الأوروبي، وأولويات الرئاسة المصرية للاتحاد الإفريقي.

ووفق مصدر أمني مصري رفيع المستوي، فإن "التنسيق بين باريس والقاهرة في الملفات الإقليمية والدولية مهم للبلدين" موضحاً أن "الملفين الليبي والسوري يعدان أبرز الملفات التي تحظى باهتمام فرنسي للتنسيق بشأنه مع القاهرة".

المصدر الأمني، الذي طلب عدم ذكر اسمه، قال لـ"إندبندنت عربية" إن "الصراع الدائر بين روما وباريس حول ليبيا يدفع الطرفين باستمرار للتنسيق مع مصر"، موضحا أن "فرنسا بدأت مؤخرا دعم جبهة المشير خليفة حفتر قائد الجيش الليبي بعد رفض سابق لدعمه".

وخلال الأسابيع والأيام الأخيرة، تبادل مسؤولون إيطاليون وفرنسيون الاتهامات بشأن تأزيم الأوضاع في ليبيا وعدم السعي لحلها، ورفض الرئيس الفرنسي ماكرون، صباح اليوم، على هامش زيارته لمصر، التعليق على تصريحات نائبي رئيس وزراء إيطاليا بوصفها غير مهمة، وقال إنه لا يتعامل إلا مع رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي.

وفيما يتعلق بالملف السوري، قال المصدر الأمني "إن باريس بحاجة إلى التنسيق والتشاور مع مصر لمحورية الدور المصري في المنطقة وثقلها باعتبارها الدولة العربية الأكبر من حيث عدد السكان، فضلا عن ملف الهجرة غير الشرعية الذي يعد أحد أبرز الملفات إثارة للخلاف داخل دول الاتحاد الأوروبي".

المزيد من سياسة