ملخص
هل يمكن لروسيا أن تتراجع قانونياً عن صفقة بيع المنطقة القطبية بعد 150 عاماً على الصفقة؟ ولماذا تتمتع بهذه الأهمية بخاصة بالنسبة للأميركيين والروس معاً؟
مع أوائل العام الجديد وقع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مرسوماً يتعلق بممتلكات موسكو العقارية التاريخية في الخارج.
دفع القرار المراقبين لسياسات بوتين الخارجية للتساؤل: هل يسعى القيصر لرد الصفعات التي وجهت له من جانب الدول الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية، وتمثلت في صورة عقوبات مالية وربما في القريب مصادرة ممتلكات عقارية وأراض تخص روسيا الاتحادية حول العالم؟
مؤكد أن القوميين الروس رحبوا بهذا القرار، بل أكثر من ذلك اعتبروه نوعاً من أنواع التهديد المباشر للدول الجارة لروسيا، لا سيما الولايات المتحدة، الأمر الذي أثار زوبعة من الجدل في الدوائر الغربية، حيث توقع البعض أن يطالب بوتين بما يمكن أن نسميه "الحقوق التاريخية الروسية"، في أراض خارجية، وفي المقدمة من تلك المخاوف، طفت على السطح قضية ولاية ألاسكا الأميركية، والتي بدأت الهواجس تنتاب السياسيين الأميركيين، بشأن احتمالات مطالبة روسيا بها، بنفس الآلية التي تذرعت بها في استرداد شبه جزيرة القرم.
غير أنه لم يكن ليغيب عن أعين الروس أن الصراع مع أوكرانيا، واستعادة شبه جزيرة القرم هو شأن كان من الممكن حدوثه، أما محاولة السطو على ولاية ألاسكا الأميركية واستردادها بالقوة الجبرية، فهذا أمر آخر، يمكن أن يتسبب في أزمة دولية تقود إلى مواجهة عسكرية عالمية.
ولعل ما يعقد المشهد الروسي الخارجي، هو أن المرسوم الذي وقعه بوتين، يكرس جهوداً مادية ومعنوية وأموالاً كافية للبحث والتسجيل والحماية القانونية، للممتلكات الروسية في الخارج.
المرسوم مثير وخطير في الوقت ذاته، لأنه لا ينسحب على الوقت الحاضر فحسب، بل يمتد كذلك إلى زمن الإمبراطورية الروسية القيصرية، ولاحقاً الاتحاد السوفياتي.
يطاول هذا المرسوم في واقع الحال مساحات شاسعة من أوروبا الشرقية، وأوروبا الوسطى، وآسيا الوسطى، وبعض أجزاء من الدول الاسكندنافية، ويشمل كذلك ولاية ألاسكا الأميركية، تلك التي يؤمن بوتين إيماناً عميقاً، بأنه تم بيعها للأميركيين بشكل غير قانوني، قبل أكثر من 150 عاماً.
أين توجد ألاسكا، وماهيتها، ومن ثم أهميتها بالنسبة للولايات المتحدة، وهل يمكن أن ترجعها لروسيا بالفعل، أم أن الأمر أضغاث أحلام بالنسبة للقيصر، وحال التفكير جدياً في تحويلها لواقع، ستضحى من دون أدنى شك حافزاً لمواجهة عسكرية؟
ألاسكا عبقرية الموقع الجغرافي
تبدو الطبيعة وكأنها وهبت هذه المنطقة مذاقاً جغرافياً خاصاً، فهي تعد واحدة مما يعرف بولايات إقليم المحيط الهادئ، الذي يضم بالإضافة لها، أربع ولايات هي واشنطن، وأوريغون، وكاليفورنيا، وهاواي.
تعد ألاسكا أكبر ولاية أميركية من حيث الحجم، إذ تبلغ مساحتها 586.412 ميل مربع أي مليون ونصف كيلومتر مربع، وبذلك تفوق في المساحة ولاية تكساس التي تعد ثاني أكبر ولاية أميركية.
وعلى رغم تلك المساحة الجغرافية الواسعة الشاسعة، إلا أن عدد سكانها ضئيل جداً إذا تمت مقارنته بسكان ولايات أخرى لا تضارعها حجماً، ولا يزيد هذا العدد بحال من الأحوال على مليون نسمة.
تبدو ألاسكا جغرافياً، وكأنها قطعة من روسيا بالفعل، ذلك أن أقصى نقطة في غرب ألاسكا تبعد عن الحدود الروسية 51 ميلاً فقط، أي 82 كيلومتراً، في حين أن المسافة بين ألاسكا وتكساس في أقصى الجنوب، تزيد على 3 آلاف ميل.
من الناحية التقنية تعد ألاسكا جزءاً من "القارة الأميركية"، ولكنها مع ذلك ليست مدرجة في الاستخدام الجغرافي العام في أغلب الأحيان، ما يعني أنها ليست جزءاً من "الولايات المتحدة المتصلة"، التي غالباً ما يطلق عليها الولايات "التسعة وأربعون الأدنى".
كيف انتقلت ألاسكا من ملكية الإمبراطورية الروسية القيصرية إلى ملكية الولايات المتحدة الأميركية، ولماذا اليوم يتم التشكيك في ملكية أميركا لها؟
أحاديث عن صفقة ألاسكا
تعود الصلات بين روسيا القيصرية وألاسكا إلى القرن الثامن عشر، حين بدأ بالوصول إلى سواحلها تجار كبار بانتظام، لتتحول تدريجاً هذه المنطقة إلى ملكية خاصة لعدد من الأغنياء الروس، ثم انتقلت ملكيتها للدولة الروسية رسمياً عام 1799، بتأسيس الشركة الروسية- الأميركية التي احتكرت النشاط الاقتصادي في ألاسكا، المنطقة التي حملت منذ ذلك التاريخ اسم "أميركا الروسية".
هل كان العداء الروسي القيصري لبريطانيا، الإمبراطورية القوية في ذلك الوقت، هو السبب في تفكير القياصرة في بيعها لمن يناصب البريطانيين العداء، أي الأميركيين بنوع خاص؟
غالب الظن أن ذلك كذلك، لا سيما أن روسيا كانت في حاجة إلى المال بعد هزيمتها أمام فرنسا وبريطانيا في حرب القرم.
تخوف آخر دفع موسكو للتفكير جدياً في بيع ألاسكا، فقد كان ظهور الذهب في ولاية كاليفورنيا، وما صاحبه من فورة عرفت بـ"حمى الذهب"، عاملاً مزعجاً للروس، فقد استشرفوا اكتشاف ذهب في ألاسكا، ما يجعل المثلث الأميركي- البريطاني- الكندي، راغباً في الاستيلاء على المنطقة القطبية برمتها، ما يجعلهم يطغون على الروس.
وعلى رغم ذلك فإنه من الممكن القول إن هشاشة الموقف الدفاعي الروسي في ألاسكا، كان يجعل منها صيداً سهلاً إذا فكر البريطانيون في غزوها، كما لم تكن روسيا ترغب في رؤية منافسها اللدود أي بريطانيا بجوارها في الضفة المقابلة لبحر "بيرينغ".
من هذا المنطلق، قرر الامبراطور الروسي ألكسندر الثاني، بيع المنطقة، وقد أخذ التفكير والمشاورات بين أعضاء الحكومة القيصرية نحو عام كامل، أي ما بين 1857 و1858، إلى أن توصلوا لفكرة عرض بيع أراضي ألاسكا للولايات المتحدة، على أمل أن يسهم وجود الولايات المتحدة في المنطقة في إحباط خطط بريطانيا.
على رغم ذلك لم يصل الطرفان إلى اتفاق، لأن خطر الحرب الأهلية الأميركية، كان أشد أهمية في واشنطن.
بدأ الدوق الكبير قسطنطين، وهو الأخ الأصغر للقيصر، بالضغط من أجل تسليم "أميركا الروسية" أي "ألاسكا"، إلى الولايات المتحدة في عام 1857، وذكر الدوق في مذكرة أرسلها إلى وزير الخارجية ألكسندر غورتشاكوف أنه: "يجب ألا نغالط أنفسنا، وعلينا أن نتوقع أن الولايات المتحدة التي تهدف إلى توسيع أراضيها باطراد وترغب في السيطرة على أميركا الشمالية بشكل كامل، ستنتزع منا المستعمرات المذكورة أعلاه ولن نتمكن من استعادتها".
عرضت رسالة الدوق قسطنطين على أخيه القيصر ألكسندر الثاني، الذي كتب على صفحتها الأولى: "هذه الفكرة جديرة بالاعتبار".
في 30 مارس (آذار) من عام 1867، تم التوقيع على اتفاقية بيع ألاسكا وجزر "ألوشيان"، للولايات المتحدة مقابل مبلغ 7 ملايين و200 ألف دولار ذهبي.
بدأ حينها المواطنون الروس في النزوح عن ألاسكا وغادرت آخر مجموعة منهم المنطقة في 30 نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1868، في نفس اليوم الذي تسلمت فيه الولايات المتحدة ألاسكا.
تقودنا السطور السابقة إلى تساؤلين جوهريين: إذا كانت الصفقة قد جرت على هذا النحو، أي برغبة روسية عارمة في الخلاص من ألاسكا، فعلى أي مرتكز يتكئ بوتين اليوم في دعواه لاسترداد أراضي ألاسكا من جديد؟
والتساؤل الثاني: لماذا قبلت واشنطن شراء ألاسكا، بمعنى هل وجدت فيها مغريات غابت عن أعين القياصرة؟
ألاسكا... منافع مؤكدة لأميركا
اكتسبت الولايات المتحدة أول الأمر مساحة هائلة، أضافت إلى حضورها الجغرافي زخماً جيوسياسياً هائلاً، لا سيما من زاوية وقوع ألاسكا في منطقة القطب الشمالي، وملامسة قمة العالم في أقصى شمال الأرض.
كان معظم أراضي ألاسكا غير مأهول، وذلك لأن عدد السكان الروس آنذاك في سائر المنطقة لم يكن يتجاوز 25 ألف شخص، إضافة إلى 60 ألفاً من الهنود الحمر والأسكيمو.
أيقن الأميركيون أن الروس على خطأ في النظر إلى أراضي ألاسكا، فما رآه القياصرة محنة، اعتبره الأميركيون نعمة، ذلك أنه في بداية القرن التاسع عشر كانت ألاسكا ذات جدوى اقتصادية بفضل تجارة الفراء، إلا أن انطباعاً خاطئاً ساد بحلول منتصف القرن لدى أصحاب القرار في روسيا القيصرية بأن تكلفة تأمين وحماية هذه المنطقة النائية تفوق المكاسب الضخمة من التمسك بها.
اختار الأميركيون اسم ألاسكا من اللغة الأليوتية، لغة أهل الإقليم، وقد كان يشير إلى شبه جزيرة ألاسكا، التي أطلق عليها الروس اسم "ألياسكا".
رأى نفر من ثقات السياسيين والدبلوماسيين الأميركيين، عبر أعين استشرافية تقدمية، أن القارة الآسيوية، وبما تحتويه من عدد سكان هائل، سوف تصبح يوماً ما سوقاً رائجاً للسلع والمنتجات الأميركية، وقد رأوا أن ألاسكا، بدورها يمكنها أن تكون قاعدة للتجارة الأميركية مع آسيا والعالم ومركز القوة الأميركية في المحيط الهادئ.
البعض الآخر اعتبر أن ألاسكا في ذاتها تمثل قيمة كبرى، انطلاقاً من احتواء أراضيها على حيوانات وغابات غنية.
لم تكن الاكتشافات الحديثة قد أزاحت الثلوج عن سطح الأرض هناك، ليتم اكتشاف ثروات هائلة من الذهب والمعادن النفيسة، ثم ظهور النفط، والغاز.
وعلى رغم هذا كله، فلم يكن الجميع في الولايات المتحدة سعداء بهذه الصفقة، ولم ير البعض في ألاسكا أكثر من "صندوق من الثلج"، وهو انطباع تغير بالكلية في نهاية القرن التاسع عشر حين اكتشف الثروات الهائلة.
وفي كل الأحوال، ومهما تعددت الأسباب، فإن ألاسكا التي وضع الروس يدهم عليها قبل الجميع، خرجت نهائياً من سيطرة القياصرة، ثم البلاشفة، وصولاً إلى بوتين، أي منذ ستينيات القرن التاسع عشر.
ميدفيديف وحديث حرب ألاسكا
هل لعبت الأخبار الزائفة دوراً في تأجيج الخلافات بين الروس والأميركيين من حول ألاسكا، على غير أساس حقيقي لوجود أزمة؟ والأخطر هل انساق بعض كبار المسؤولين الروس لتيار الصدام وكأنه قدر مقدور؟
الشاهد أن المرسوم الذي وقعه بوتين نهار التاسع عشر من يناير (كانون الثاني) الجاري، لم يذكر ألاسكا في أي موقع أو موضع، ومع ذلك ظهرت إشاعات على شبكة الأخبار العنكبوتية، تزعم بأن الرئيس الروسي أعلن أن بيع ألاسكا عام 1867 كان "غير قانوني".
نشرت بعض المواقع مثل موقعEssa News ، تقريراً تحت عنوان: "بوتين يثير التوترات مع الولايات المتحدة، ويعلن أن بيع ألاسكا كان غير قانوني".
امتد الأمر إلى ما هو أبعد من ذلك فقد روج البعض على موقع التواصل "إكس"، ما قيل إنه وثيقة رسمية وقعها بوتين يلمح فيها إلى أن بيع ألاسكا كان غير شرعي.
علاوة على ذلك، كتبت قنوات أخرى على "تليغرام"، بعضها يضم بضعة مئات آلاف من المشتركين، تقول بأنه "يتوجب البدء باسترجاع ألاسكا، كمقدمة لعودة الأصول الروسية التي تم قضمها في عقود سابقة من التاريخ".
وبالنظر إلى الأصول المقترح استرجاعها، نجد أماكن مثل منطقة دنيبرو في أوكرانيا وأجزاء من فنلندا الكبرى، وكذلك أراض من أرمينيا وأذربيجان وجورجيا ودول آسيا الوسطى، لا سيما في تركستان الروسية، ومعظم مقاطعات البلطيق، وجزء كبير من بولندا، والعهدة هنا على مجلة "نيوزويك" الأميركية.
لكن هناك ما يدفع للقطع باستحالة تنفيذ هذه الأفكار، التي تعتبر بمثابة إعلان حرب كبرى على دول مستقلة أعضاء في الأمم المتحدة، وهو ما يفوق قدرات روسيا عسكرياً.
غير أن التصريح الأكثر إثارة الذي علا منصة "إكس" جاء على لسان الرئيس الروسي السابق، نائب مجلس الأمن القومي الروسي الحالي، ديمتري ميدفيديف، الذي اعتبر أن قصة ألاسكا قد تكون سبباً لحرب بين أميركا وروسيا...
لماذا هذا التصريح الجاف والقاسي جداً؟
واشنطن ورفض عودة ألاسكا
في مواجهة ما أثير عن وضع ألاسكا، وربما استباقاً لبناء قصص من قبيل "التنبؤات التي تسعى لتحقيق ذاتها بذاتها"، قالت الخارجية الأميركية، إن ولاية ألاسكا "ستبقى تحت سيطرة" واشنطن، وقال نائب المتحدث باسم الخارجية الأميركية، فيدانت باتيل، "حسناً أعتقد أنني أستطيع التحدث باسمنا جميعاً في الحكومة الأميركية لأقول إنه بالتأكيد لن يستعيدها"، الأمر الذي أثار ضحك الحاضرين.
هل لفتت تصريحات الخارجية الأميركية إلى أمر بعينه في توجهات السياسة الروسية البوتينية؟
الجواب نجده بشكل واضح لدى معهد دراسة الحرب ISW ومقره الرئيسي واشنطن، الذي اعتبر أن "المعايير الدقيقة لما يشكل الممتلكات الروسية الحالية أو التاريخية، غير واضحة".
وكتب المعهد في تقييمه: "ربما يستخدم الكرملين مسألة حماية ممتلكاته المزعومة في بلدان خارج حدوده المعترف بها دولياً لتوجيه آليات القوة الناعمة في دول ما بعد الاتحاد السوفياتي والدول المجاورة بهدف زعزعة الاستقرار في نهاية المطاف".
استخرج خبراء المعهد الذي تأسس في أميركا عام 2007 ويقدم أوراقاً بحثية وتحليلية عن قضايا الدفاع والشؤون الخارجية، تصريحاً قديماً لبوتين يعود إلى عام 2014، وصف فيه عملية البيع التي أجريت قبل 150 عاماً قال فيه إن "عملية البيع تلك لم تكن مكلفة"، وقال إنه يجب على الناس "ألا ينشغلوا بها".
وأضاف: "يمكننا حساب المبلغ المعادل، لكنه كان بالتأكيد غير مكلف. روسيا دولة شمالية تقع 70 في المئة من أراضيها في الشمال، وأقصى الشمال. ألاسكا تقع في نصف الكرة الآخر... أليس كذلك؟ الجو بارد هنا أيضاً. دعونا لا ننشغل بهذا الأمر".
وبالعودة إلى تغريدات ميدفيديف رداً على تصريحات وزارة الخارجية الأميركية، نجده يستخدم لغة مخيفة: "لقد كنا ننتظر إعادة ألاسكا في أي يوم من الأيام، الآن أصبحت الحرب لا مفر منها"، وأرفق تدوينته على منصة "إكس" برمز تعبيري ضاحك.
ماذا يعني هذا الديالكتيك العميق في الداخل الروسي حول تلك القارة شبه الجليدية؟
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الروس والندم على بيع ألاسكا
لا تبدو قصة المرسوم البوتيني الأخير، قصة سطحية وقتية، بل يبدو أن هناك تفكيراً عميقاً ومداولات أجريت وراء الستار خلال الأشهر الماضية، وفي محاولة لا تغيب عن أعين الخبراء من قبل روسيا، لإدخال الغرب الأوروبي والأميركي في دوامة من الأزمات، ربما كنوع من الدفاع عن الذات، ومحاولة تخفيف الضغوطات الواقعة على روسيا بسبب أوكرانيا.
في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أشار المشرع والسياسي الروسي الشهير سيرغي ميرونوف، الشخصية البارزة في حزب "روسيا العدالة"، إلى أن موسكو ستستعيد أراضيها السابقة في المستقبل.
كتب ميرونوف على منصة "إكس" يقول: "هل تريدون نظاماً عالمياً جديداً؟ فنزويلا ضمت الولاية الرابعة والعشرين، غويانا إيسيكوبيو، ويحدث هذا تحت أنظار القوة المهيمنة الكبرى الولايات المتحدة. كل ما تبقى هو أن تستعيد المكسيك تكساس، والباقي. لقد حان الوقت لكي يفكر الأميركيون في مستقبلهم. وأيضاً بشأن ألاسكا".
والثابت أن أزمة ألاسكا بالنسبة لروسيا، تتجاوز سياقات الولاية الأميركية الحالية، إلى أزمة أكبر وأعمق، متعلقة بالقطب الشمالي، وثرواته والمعارك الدائرة من حوله اليوم في سياق الحرب الباردة الجديدة، والقابلة للتحول إلى مواجهة عسكرية في أي وقت.
التفكير في إشكالية ألاسكا، ربما كانت بمثابة مدخل روسي لوضع القطب الشمالي برمته.
في أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2022، ذكر ألكسندر أبراموف، مدير مركز الشرق الأقصى لاقتصاديات التنمية والتكامل لروسيا في آسيا ومنطقة المحيط الهندي التابع لجامعة الشرق الأقصى الفيدرالية، أن المشكلات الحالية حول القطب الشمالي ما كانت لتكون حادة جداً لو لم تبع الإمبراطورية الروسية منطقة ألاسكا للولايات المتحدة قبل 150 عاماً.
ويضيف أبراموف: "إذا تحدثنا عن عواقب قرار البيع، فألاسكا لو بقيت تحت سلطة الإمبراطورية الروسية، ثم خضعت لولاية الاتحاد السوفياتي، فإن المشكلات التي تنشأ الآن حول القطب الشمالي ما كانت لتكون على النحو الحالي، كما أن موقف الولايات المتحدة كان سيضحى مختلفاً تماماً".
الخبير الأكاديمي الروسي، يفتح أعيننا على العديد من المفاجآت ومنها أنه إضافة إلى ألاسكا، كانت هناك مناطق أخرى تم نقلها وبيعها للولايات المتحدة في ذلك الوقت.
هل تتنكر واشنطن لموسكو بعد هذه السنوات الطوال وإن كان ذلك كذلك فلماذا تتنكر لها؟
أبراموف وضمن سياق هذه القصة التاريخية، يفتح أعيننا على مشاهد من بطون التاريخ، غالب الظن أنها ليست ظاهرة للعوام، لكن النخب الأميركية والروسية تعلم بها.
على سبيل المثال، لا ينفك الروس يتحدثون عن إمبراطوريتهم القيصرية التي كانت من أوائل الدول التي ساندت الولايات المتحدة خلال الحرب الأهلية، بل ومن قبلها في حرب التحرير ضد البريطانيين، وأرسلت فصيلاً لدعم الأميركيين، كما دعمت روسيا حركة الحريات في أميركا الشمالية.
توسيع الجرف القاري ومثلث ألاسكا
هل من جانب خفي في قصة ألاسكا، يجعل منها منطقة مهمة للغاية للولايات المتحدة، التي أجرت أخيراً مناورات عسكرية باستخدام أحدث الطائرات الحربية "أف – 35"؟
من الواضح أن واشنطن تعمد إلى توسيع حضورها في القطب الشمالي، وتمتد حول ألاسكا بصورة واضحة.
في 20 ديسمبر الفائت، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية، عن خطط للبدء في مطالبات الجرف القاري الموسعة في القطب الشمالي، وأصدرت الإحداثيات الجغرافية التي ترسم الحدود الخارجية للجرف القاري الأميركي في المناطق التي تتجاوز 200 ميل بحري من الساحل، والمعروفة باسم الجرف القاري الممتد.
المثير هنا، هو أن عملية توسيع الجرف القاري تشمل المناطق المحيطة بألاسكا، والمتاخمة للقطب الشمالي.
هل في ألاسكا ما يهم واشنطن بصورة خاصة، وموصول بقصص مثيرة عن سكان آخرين من كواكب أخرى يتعاملون مع الولايات المتحدة، بل يقودون صناعاتها العسكرية، وفق روايات غامضة؟
المؤكد أن هناك غموضاً حول منطقة تعرف بـ"مثلث ألاسكا"، الشبيه بمثلث برمودا، حيث اختفى هناك نحو عشرين ألف شخص منذ عام 1970، وحيث ظهرت أجسام طائرة مجهولة.
تم طرح نظريات مؤامرة مختلفة كتفسير لحالات الاختفاء الجماعي في المنطقة، وقال الباحث الميداني كين غيرهارد، لبعض وسائل الإعلام الأميركية: "إن المثلث هذا يمكن أن يكون "دوامة شريرة"، وهي منطقة على شكل معين ذات قوة كهرومغناطيسية متزايدة".
لكن عدداً كبيراً من سكان ألاسكا، لم ينفكوا يتحدثون عن ظهور أجسام غريبة من حولهم، تطير من دون إصدار أي صوت، الأمر الذي يفتح الطريق لقصص تواصل الأرضيين مع الفضائيين، أو قيام الأخيرين بالتنصت على الأولين.
وفي كل الأحوال فإن مرسوم بوتين الجديد، سلط الضوء وبقوة على أهمية ألاسكا الواقع والموقع، لحين إشعار آخر.