Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أين اختفت فئتا الـ20 و50 جنيها السودانيتان؟

انزلاق تاريخي جديد للعملة إلى 1110 أمام الدولار ونصائح بإلغاء بعض فئاتها وتجميد أخرى لحصار الأموال المنهوبة

دعوات إلى معالجة خلل هيكل الفئات النقدية الأدنى للجنيه السوداني بحذف بعض الأصفار (أ ب)

ملخص

فقد الجنيه السوداني أكثر من نصف قيمته منذ بداية الحرب مسجلاً في السوق الموازية 1110 للدولار الواحد

تغولت السوق الموازية صوب تعميق أزمة الجنيه السوداني ليفقد منذ بداية الحرب في أبريل (نيسان) الماضي، مما يزيد على نصف قيمته، تاركاً آثاراً لا يحمد عقباها من تضخم مستشر وغلاء فاحش وعجز مستدام وأخيراً اختفاء لفئاته الأدنى في ظل قيمة لا تذكر.

وبينما سجل اليوم مستوى قياسي جديد عند 1110 للدولار الواحد من 450 جنيهاً للدولار قبل الحرب، فإن تعاملات السودانيين تكاد تخلو من فئات النقد المحلي الأدنى، 20 جنيهاً (0.033 دولار) و50 جنيهاً (0.083 دولار)، وسط دعوات إلى وقف نزف العملة السودانية ومنعها من الانزلاق إلى مستويات صرف أدنى مما هي عليه حالياً، مع إيجاد حلول لعديد من المشكلات الأخرى المرتبطة بها، من قبيل حصار الأموال المنهوبة من المصارف ومنازل المدنيين، وعلاج خلل فئاتها النقدية الأدنى التي اختفت من الأسواق، وسط دعوات إلى حذف بعض أصفار العملة السودانية.

واستقبل السودانيون 2024 بآمال في أن تضع الحرب أوزارها قبل حلول ذكراها الأولى بعد أسابيع، وأن يستعيد الاقتصاد تعافيه من جديد، لكن اشتعال ساحات القتال وتمددها في عديد من المناطق على رأسها العاصمة الخرطوم، وسط تصعيد جوي وبري متبادل ومكثف بين طرفي الصراع، الجيش وقوات "الدعم السريع"، سرعان ما بدد تلك الآمال فبدت بعيدة من التحقق.

ما وراء خفض الجنيه السوداني؟

الاقتصاديون السودانيون ينظرون اليوم إلى مشكلات اقتصادية أعمق تتجاوز حتى حدود فكرة تدهور الجنيه السوداني، إلى الخلل في هيكل فئات العملة السودانية واختفاء الفئات الأقل منها، وأعمال النهب التي طاولت أموال المدنيين والنازحين، وقالوا إنه يتعين على بنك السودان المركزي أن يواصل العمل على وضع حلول جذرية لتلك المشكلات، ومن بين تلك الحلول ما تحدثوا به عن إلغاء بعض الفئات النقدية الأقل عبر إلغاء بعض أصفارها، إلى جانب فرض حصار محكم على الأموال المنهوبة.

جذور المشكلة أقدم عهداً من تاريخ الحرب، وفق ما يقوله المحلل الاقتصادي السوداني محمد الناير لـ"اندبندنت عربية"، إذ إن ثقافة السودانيين وتفضيلهم الاحتفاظ بالأموال دون إيداعها في المصارف جعلتها في مرمى أعمال النهب التي طاولت منازلهم، وقبل ذلك حرمت تلك الثقافة القطاع المصرفي من استغلال هذه الأموال، فكانت الكتلة النقدية الأكبر قبل الحرب وتقدر بنسبة 90 في المئة من الأموال خارج القطاع المصرفي، في حين احتفظت المصارف بـ10 في المئة فقط، وعليه يتوقع أن تكون الأموال المنهوبة كبيرة للغاية، سواء من العملات المحلية أو حتى الأجنبية، وإن لم تحصر هذه الأموال حتى الآن.

حصار الأموال المنهوبة

ويقترح الناير في قضية الأموال المنهوبة، فرض حصار عليها، عبر إلغاء التعامل بفئتي الـ500 و1000 جنيه في النشاط الاقتصادي، على أن تقبلا من جانب المصارف بعد التحقق من مصدرها، وما إذا كانت مملوكة للشخص المودع أم لا، من ثم تقييد حركة هذه الأموال التي نهبت، مع تفعيل الأنظمة الإلكترونية عبر التطبيقات، عبر التعامل الإلكترونية للبيع والشراء اعتماداً على الأرصدة في البنوك، وهو برأيي ما يضع حلاً لتلك الإشكالية، مع إعادة الكتلة النقدية الأضخم في البلاد إلى القطاع المصرفي، إذ سيتعين على المواطن أن يأتي إلى البنك لحفظ هذه الفئات دون أن تضيع عليه، ويمكنه التعامل بها بيعاً وشراءً في السوق بكل حرية.

 

وأقر "المركزي السوداني" في وقت سابق العام الماضي، بتعرض مصارف لعمليات سلب ونهب وتخريب وسرقة للأموال، متعهداً صون أموال المودعين، والعمل على الخروج بأقل الأضرار والخسائر، عبر معالجة الخفض في قيمة الجنيه وضمان استقرار سعر الصرف، مشيراً إلى أن "أموال المودعين وأصحاب الحسابات في الجهاز المصرفي بأمان"، وأن عمليات النهب في بعض فروع البنوك التجارية لا تؤثر في الودائع.

اختفاء "الجنيه السوداني"

وتحدث الناير، عن خلل في ما سماها "التركيبة الفئوية للعملات". وقال إن الفئات النقدية الأدنى مثل الجنيه والـ20 و50 جنيهاً اختفت من السوق لضعفها وعدم واقعيتها، فقيمتها لا تشتري حتى أقل السلع قيمة في ظل معدلات التضخم المرتفعة حالياً، وهو ما يتعين معه دراسة إلغاء هذه الفئات من البنك المركزي السوداني ومنعها من التداول عبر تبديل العملة وإلغاء الأصفار كأن تصبح الـ50 جنيه خمسة جنيهات، لكن هذا الإلغاء كما يقول واجه مشكلة في المجتمع السوداني الذي لا يزال ينطق الفئات القديمة ولا ينطق الفئات الجديدة محذوفة الأصفار، وهذا الأمر إن تحقق فسيحتاج إلى نقد أجنبي من أجل تمويله وطباعة فئاته الجديدة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعرج المحلل الاقتصادي السوداني في حديثه إلى سعر الدولار في السوق الموازية الذي تجاوز 1000 جنيه، ويرى في ذلك تدهور كبير في قيمة العملة المحلية، في ظل ما يفترض أنه اتخذ من قرارات بنك السودان للحد من عملية تدهور الجنيه السوداني، معرباً عن التمنيات بنجاح سياسات "المركزي السوداني" في ضبط إيقاع العملة الفترة المقبلة، ووقف تراجعها عند هذا الحد إلى حين انتهاء الحرب، ومن ثم يمكن للجنيه السوداني أن يستعيد عافيته مرة أخرى، وفق ما يقول.

قرارات "المركزي السوداني"

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، خفض بنك السودان، سقف التحويلات عبر بنك الخرطوم الأكبر في البلاد، في مسعى لضبط الجنيه السوداني، ليصبح سقف التحويل اليومي ستة ملايين جنيه سوداني (10 آلاف دولار) بدلاً من 25 مليوناً (41.5 ألف دولار)، وبحد أقصى 100 مليون جنيه (166 ألف دولار) شهرياً، و10 ملايين (16.6 ألف دولار) يومياً للعملاء المميزين، على ألا تزيد تحويلاتهم الشهرية عن 200 مليون (332 ألف دولار).

لكن الحديث عن استقرار سعر الصرف يكاد يستحيل من دون بيئة سياسية مستقرة، وفق ما يقول المحلل الاقتصادي عبدالمنعم السيد، فلا تلقى قرارات بنك السودان المركزي الرامية إلى السيطرة على سوق الصرف وضبط العملة نجاعة أكبر بعد الحرب المندلعة منذ أكثر من سبعة أشهر، من ثم فإن المشهد السياسي المرتبك حالياً وما يصحبه من اقتتال مستعر يلقي بتركة ثقيلة على الاقتصاد بصورة عامة وسعر الصرف خصوصاً.

انتهاء الحرب أولاً

ويضيف المحلل الاقتصادي أن التضخم أكثر ارتباطاً بسعر الصرف وقيمة العملة السودانية وتفاقم فاتورة الاستيراد والموقف من احتياط النقد الأجنبي لدى "المركزي السوداني" ويشير إلى أن حصيلة الاحتياط الأجنبي لدى البلاد قد تتأثر سلباً في ضوء تعطل القطاعات المدرة للعملة الأجنبية مثل صادرات البلاد النفطية والاستثمار الأجنبي وتحويلات العاملين بالخارج، وعليه فإن مصير الجنيه السوداني سيكون أكثر ارتباطاً بهذه العوامل، فمتى استعادت البلاد الهدوء وتمكنت قطاعاتها الاقتصادية من العمل بصورة طبيعية يمكن حينئذ للعملة السودانية أن تتماسك أمام نظيرتها الأميركية على نحو لافت.

وعانى السودان موجة أكبر موجة نزوح داخلي في العالم، وفق تقديرات منظمة الأمم المتحدة ووكالاتها، ففي تقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق المساعدات الإنسانية (أوتشا) تجدر الإشارة إلى نزوح قرابة سبعة ملايين سوداني داخل وخارج البلاد منذ اندلاع الحرب منتصف أبريل الماضي، في حين يتهدد الجوع 18 مليوناً آخرين بحسب برنامج الغذاء العالمي، في وقت جددت منظمة الصحة العالمية من تفشي أمراض الكوليرا وحمى الضنك والملاريا.

وكان بنك السودان المركزي في مرمى الصراع السوداني منذ الأيام الأولى للحرب، إذ أطاح رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبدالفتاح البرهان في مايو (أيار) الماضي، بمحافظ "البنك المركزي" حسين يحيى جنقول، وعين بدلاً منه يرعي الصديق علي أحمد، في مسعى لمنع صرف أي استحقاقات أو موازنات لقوات "الدعم السريع" مع تجميد حساباتها وشركاتها داخل وخارج البلاد.

الأرجح تقديراً أن مصير الجنيه السوداني من مصير الحرب التي ما إن ستخمد نيرانها حتى سيتوقف عن النزف، ويبدأ دورة التعافي ارتباطاً باستقرار الأوضاع في البلاد، وقدرة القطاعات الاقتصادية على دوران عجلة الإنتاج من جديد، واستئناف دورة عمل القطاع المصرفي من جديد ومنح بنك السودان المركزي الفرصة لممارسة أوسع للسياسات النقدية اللازمة لضبط سعر الصرف من جديد.