Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الطاقة النووية "تتفاعل" في "مطابخ" السياسة الدولية

بعدما ظهرت حتمية اللجوء إليها في "كوب 28" هل تستطيع أن تسهم في معالجة المناخ المختل ولماذا يهول البعض من أضرارها؟

مؤيدو الطاقة النووية يعتبرونها نموذجية (أ ب)

هل جاءت فعاليات مؤتمر الأطراف الخاص بالمناخ "كوب 28" الأخير لتمثل دفعة وإحياءً جديداً لعودة الحديث وبقوة عن الطاقة النووية، وكيف باتت تشكل أهمية خاصة بالنسبة إلى دول العالم، لا سيما في ظل حالة التدهور المناخي، التي تجعل الكرة الأرضية عرضة لخطر داهم؟

نهار السبت الماضي دعت أكثر من 20 دولة في بيان مشترك إلى زيادة مصادر الطاقة النووية في العالم ثلاثة أضعاف بحلول عام 2050، مقارنة بعام 2020، لتقليل الاعتماد على الفحم والغاز.

الذين وقعوا على هذا البيان اعترفوا رسمياً بالدور الرئيس للطاقة النووية في تحقيق الحياد الكربوني بحلول عام 2050، والحفاظ على إمكانية تحقيق هدف "حصر الاحترار المناخي" بـ1.5 درجة مئوية.

بدت الولايات المتحدة الأميركية بنوع خاص داعماً رئيساً لفكرة تعزيز الانتقال إلى الطاقة النووية، مما تجلى في تصريحات المبعوث الأميركي للمناخ جون كيري. وأشار فيها إلى "إننا ندرك من العلم وحقيقة الوقائع والأدلة أننا لا نستطيع تحقيق الحياد الكربوني بحلول عام 2050 من دون الطاقة النووية".

لم يكن الأمر مجرد بيان أو إعلان دعائي، بل تبعته خطوات لتحويل الأمر إلى واقع من خلال دعوة الموقعين على الإعلان المؤسسات المالية الدولية على غرار البنك الدولي إلى إدراج الطاقة النووية في تمويلها.

ما الجديد الذي طرأ على ساحة أسواق الطاقة العالمية، ودعا إلى مثل هذا التحول العميق؟

يرى مؤيدو الطاقة النووية التي تعتبر نموذجية، ولا تسبب أية انبعاثات لغازات الدفيئة تقريباً، أنها وسيلة لا تضاهى لإنتاج الكهرباء النظيفة والوفيرة.

تطرح تطورات الحديث عن العودة إلى الطاقة النووية مرة جديدة كثيراً من علامات الاستفهام، بين من يدعم ويعضد بل يقطع عن يقين بالدور المهم الذي يمكن أن تكون عليه المحطات المولدة للطاقة النووية خلال العقدين ونصف العقد المقبلة، ودورها في معالجة الاحتباس الحراري، ومجموعات مقابلة مثل جماعة "org.350"، المهتمة بشؤون البيئة، التي لا تلبث تذكر العالم بكارثة فوكوشيما النووية باليابان عام 2011، وربما قبلها الكارثة النووية الأشد ضراوة في القرن الـ20 تشيرنوبيل في أوكرانيا عام 1986 زمن الاتحاد السوفياتي.

يقول أعضاء هذه المجموعة إنهم بينما يقدرون أن سعي الرئيس الأميركي إلى الاستثمار في بدائل الوقود الأحفوري لكنهم لا يريدون أن يضيعوا وقتهم في أي "انحراف خطر"، مثل الطاقة النووية.

الوكالة الدولية وتشجيع الطاقة النووية

من الواضح أن هناك شبه إجماع تجاه طرح العودة إلى الطاقة النووية، لا سيما أننا وجدنا الوكالة الدولية للطاقة النووية تمضي مسافات بعيدة في دعم عالم خال من الانبعاثات، وذلك عبر بيان تاريخي أيدته عشرات البلدان المشاركة في "كوب 28".

البيان المشار إليه أعلن عنه المدير العام للوكالة رافائيل ماريو غروسي في فعالية رفيعة المستوى ضمن فعاليات الحدث المناخي الكبير، جاء كدليل إضافي على الزخم الجديد في ما يتعلق بالقوى النووية كمصدر للطاقة الموثوقة المنخفضة الكربون، اللازمة لتلبية الطلب المتزايد على الكهرباء، وتحقيق تنمية اقتصادية مستدامة.

بعض ما جاء في البيان يفتح الأعين على تطورات مهمة في سوق الطاقة العالمية، وما يمكن أن تشهده من تغيرات وتبدلات خلال العقود المقبلة، ومن هذا البعض "إن الوكالة الدولية ودولها الأعضاء التي تنتج الطاقة النووية والجهات التي تعمل معها من أجل تعزيز فوائد الاستخدامات السلمية للطاقة النووية تقر بضرورة الاعتراف بأهمية جميع التكنولوجيات المتاحة المنخفضة الانبعاث ودعمها بهمة ونشاط".

أكثر من ذلك يمضي الإعلان بالقول إنه "لا غنى عن القوى النووية للانتقال إلى عالم خال من الانبعاثات".

المثير في لغة الوكالة هذه المرة، وربما ما يفتح مجالاً للتحقيق والتدقيق في ماورائيات المشهد، أنه يقطع بأن "القوى النووية لا تؤدي عند إنتاجها إلى انبعاث غازات الدفيئة، بل تسهم على العكس في تحقيق أمن الطاقة وفي استقرار الشبكة الكهربائية، وتيسر في الوقت ذاته استخدام الطاقة الشمسية وطاقة الرياح على نطاق واسع".

ما وضع المحطات النووية في العالم حتى تاريخه؟

بحسب الأرقام المتاحة من جانب الوكالة الدولية هناك نحو 412 مفاعلاً للقوى النووية تعمل في 31 بلداً وتشكل أكثر من 370 غيغاواط من القدرة المركبة. وهناك بلدان عدة منها بنغلاديش ومصر وتركيا تعمل على تشييد أولى محطاتها للقوى النووية، وفي الوقت ذاته هناك عديد من البلدان الأخرى التي قررت أيضاً إدخال الطاقة النووية، وإضافة إلى ذلك تخطط بلدان القوى النووية الحالية، ومنها السويد والصين وفرنسا والهند على سبيل المثال لا الحصر، لتوسيع برامجها النووية.

هل حديث الوكالة فيه من الصحة العلمية ما يكفي للتصديق بدور المفاعلات النووية في خدمة معالجة التغيرات المناخية، والوصول إلى مرحلة انبعاثات صفر كربون؟

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تجنب الانبعاثات الكربونية وفوائد أخر

في قراءة معمقة لأستاذ الفيزياء النووية في هيئة الطاقة المصرية البروفيسور عمر دسوقي، نطالع التجربة الأميركية على وجه التحديد مع محطات الطاقة النووية.

يخبرنا البروفيسور دسوقي أنه وفقاً لمعهد الطاقة النووية الأميركي NEI تجنبت الولايات المتحدة أكثر من 476 مليون طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في عام 2019، وهذا يعادل إزالة 100 مليون سيارة من الطريق وأكثر من جميع مصادر الطاقة النظيفة الأخرى مجتمعة، كما أنه يحافظ على نظافة الهواء من طريق إزالة آلاف الأطنان من ملوثات الهواء الضارة كل عام التي تسهم في هطول الأمطار الحمضية والضباب الدخاني وسرطان الرئة وأمراض القلب والأوعية الدموية.

أمر آخر يلفت إليه البروفيسور المصري، وهو أن الطاقة النووية تنتج مزيداً من الكهرباء على مساحة أقل من أي مصدر آخر للهواء النظيف. تحتاج المنشأة النووية النموذجية التي تبلغ طاقتها 1000 ميغاواط في الولايات المتحدة إلى ما يزيد قليلاً على ميل مربع واحد لتشغيلها، بينما مزارع الرياح تتطلب مساحة أرض أكبر بمقدار 360 مرة لإنتاج الكمية نفسها من الكهرباء، وتتطلب محطات الطاقة الشمسية الكهروضوئية 75 مرة مساحة أكبر.

وفي كل الأحوال فإنه من البديهي القطع بأن الطاقة النووية يمكنها أن تقود ثورة إنتاجية واسعة النطاق، إذ يمكنها أن تنتج حرارة عالية لصناعات مثل الأسمنت والصلب والهيدروجين النظيف للنقل والاستخدامات الأخرى، عطفاً على تدفئة المباني.

هل يدخل ضمن إطار استخدام الطاقة النووية أمر في غاية الأهمية، كفيل بأن يحل أزمة تكاد تتسبب في حروب قاتلة في قادم الأيام؟

تبدو أزمة المياه العذبة واحدة من القضايا المقلقة نهاراً والمؤرقة ليلاً لدى كثير من دول العالم، وهنا تظهر أهمية الطاقة النووية في المساعدة على تلبية الحاجات العالمية المتزايدة لمياه الشرب من طريق تقليل البصمة الكربونية الناتجة من تحلية المياه.

ولعله من نافلة القول أن الطاقة النووية هي التكنولوجيا الوحيدة التي يمكنها إنتاج الطاقات الثلاث المنخفضة الكربون اللازمة للوصول إلى صافي صفر انبعاثات: الكهرباء والحرارة والهيدروجين.

حقيقة المساهمة في تغيير المناخ

لا يمكن التشكيك في الحقائق العلمية، وفي مقدمها كون الطاقة النووية مصدراً للطاقة المنخفضة الكربون، وبالرجوع إلى عام 2018 نجد أن الطاقة النووية قامت على إنتاج نحو 10 في المئة من كهرباء العالم.

أما حال العودة إلى مشارف العقد الأول من القرن الحالي وحتى الساعة فنجد أن الطاقة النووية، والعهدة هنا على الوكالة الدولية، قدر لها أن تتجنب ما يصل إلى 30 غيغاطن تقريباً من انبعاثات غازات الدفيئة.

ومن شأن محطات القوى النووية القادرة على الصمود التي تتمتع بنسب أمان ومتانة عالية، أن تؤدي دوراً أوسع نطاقاً في مسعى خفض صافي انبعاثات الكربون إلى مستوى الصفر، مع تأمين أعلى مستويات الأمان والأمن النوويين في الوقت ذاته.

وحتى يتم توليد الطاقة النووية في المفاعلات غير العسكرية تقصف ذرات اليورانيوم بجزيئات نيوترونات أصغر بكثير، ويؤدي هذا إلى تحلل الذرات وإطلاق كميات هائلة من الطاقة على هيئة حرارة، وتستخدم تلك الحرارة لغلي الماء منتجة بخاراً يدفع التوربينات ويولد الكهرباء.

والثابت أن بناء محطات نووية جديدة يؤدي إلى إنتاج انبعاثات من خلال تصنيع الفولاذ ومواد أخرى ضرورية، لكن بصمة الانبعاثات وهي إجمالي الانبعاثات المنتجة خلال دورة حياة المحطة النووية لا تزال منخفضة للغاية.

وعلى رغم أن كلفة إنشاء المحطات النووية للطاقة باهظة جداً، فإن الكلفة الإجمالية لإنتاج الطاقة النووية قابلة للمقارنة مع أشكال أخرى من الطاقة.

على أن الجزئية السلبية بدرجة ما في مسار المحطات النووية تتمثل في طول الوقت المطلوب من أجل إنشاء مفاعل نووي، مما يعني أنه لو بدأت دول العالم اليوم في طريق ثورة لبناء تلك المحطات، فإن الطبيعة الغاضبة ربما ستكون قد استبقت بمزيد من الآثار المناخية السيئة، ما يعني أن السباق ليس في صالح إنقاذ الكوكب الأزرق.

هل من مخاوف من إنشاء محطات الطاقة النووية من جهة الأمن والمتانة بنوع خاص؟

مخاوف من تشيرنوبيل إلى فوكوشيما

على أنه وعلى رغم هذا الانبعاث الجديد للطاقة النووية فلا تزال هناك مخاوف عميقة لدى الملايين من العوام، والمئات من النخب العلمية والفكرية تجاه فكرة بناء مزيد من محطات الطاقة النووية.

في هذا الإطار لا تزال هناك الملايين ممن عاصروا أكبر مأساة نووية مدنية، بعد هيروشيما ونغازاكي، تلك التي جرت وقائعها في مدينة تشيرنوبيل بأوكرانيا التي كانت واحدة من الجمهوريات السوفياتية عام 1986.

كان ولا يزال مشهد الضحايا في عيون من عاصروا الحدث مخيفاً إلى حد الرعب، ومرعباً إلى درجة الهول فقد انصهرت الأجساد مع الحديد، وحملت السحب المحملة بالإشعاع النووي الموت إلى غرب أوروبا، أما أراضي المنطقة فستظل موبوءة لعدة مئات مقبلة من السنين.

الحدث الثاني الذي يدعو إلى إعادة التفكير في قصة المحطات النووية السلمية موصول بما جرى عام 2011 في اليابان، وتحديداً في مدينة فوكوشيما، فقد تسبب زلزال هائل في حدوث تسونامي، غمر المحطة النووية في تلك المدينة، مما أدى إلى انصهار جزئي لقلب المفاعل في المحطة.

لكن البحث العلمي قاد لاحقاً إلى ابتكارات في تصميمات المفاعلات النووية مما جعلها أكثر أماناً.

في مايو (أيار) من عام 2022 نشرت مجلة "لايف ساينس" الأميركية تقريراً في هذا السياق، أشارت فيه إلى أن صناع المفاعلات الحديثة باتوا أخيراً قادرين على تجنب أخطاء تصميمات المفاعلات السابقة، وذلك بالاعتماد على الماء لكونه "مبرداً"، و"وسيطاً" في الوقت نفسه وقد أطلق العلماء على تلك المفاعلات اسم "مفاعلات الماء الخفيف"... ما التقنيات التي تسير بها الأمور في مثل هذه المفاعلات؟

من دون الإغراق في التفصيلات الفيزيائية أو الكيماوية، يضم ذلك النوع من المفاعلات وعاءً ضخماً يحتوي على نواة المفاعل مصدر الطاقة، ويحيط بها ماء جار لتبريدها، وكما كان الحال داخل مفاعلات "أر بي أم كيه 1000"، تؤدي حرارة التفاعلات المتسلسلة إلى تبخير الماء، ويعمل البخار على تشغيل التوربينات التي تولد الكهرباء.

التفكير والابتكار العلمي يوماً تلو الآخر قاد الفيزيائيين والكيمائيين وعلماء الرياضيات إلى آليات محدثة في عالم الطاقة النووية السلمية.

على سبيل المثال، بدلاً من الاعتماد على الغرافيت في تنظيم التفاعل المتسلسل استخدم العلماء الماء لتأدية ذلك الدور، فالمياه تبطئ سرعة النيوترونات الحرة الناتجة من الانشطار النووي، فتستقر التفاعلات، وعند ارتفاع درجة حرارة المفاعل يزداد تبخر الماء، وتنقص كمية المياه فلا تلعب دوراً في تنظيم النيوترونات، من ثم يزداد بطء التفاعل المتسلسل بما يمنع المفاعل من الانفجار الناتج من زيادة الحرارة، ويعرف هذا النوع من العمليات باسم "دائرة التأثيرات السلبية".

هل التهويل من شأن المفاعلات النووية السلمية إذاً أمر خارج دائرة الصواب، ويحتاج إلى قراءة علمية من علماء متخصصين في هذا المجال بنوع خاص؟

التهويل من شر المفاعلات النووية

في كتابه الشيق "وجه غايا المتلاشي" يوضح المؤلف جيمس لفلوك، العالم الإنجليزي البيئي الشهير صاحب "نظرية غايا" عن الأرض، كيف تظهر المراجعات الأخيرة الخاصة بالطاقة النووية أن "هناك فشلاً كبيراً حدث على صعيد الترحيب بهذا النوع من أنواع الطاقة الجيد والموثوق به، أما السبب فهو أننا ضللنا مسبقاً بشكل خطر بسلسلة من الأكاذيب، لقد بني الخطأ على خطأ، وتكرر من دون تفكير من قبل وسائل الإعلام حتى أصبح الاعتقاد في الشر الملازم لكل ما هو نووي جزءاً من رد فعلنا الغريزي".

هل من أمثلة على الأكاذيب التي تروج في مواجهة الطاقة النووية؟

بعض من هذه يتعلق بالقول إن "الطاقة النووية تصدر كميات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون ومن ثم فهي ملوثة مثل حرق الوقود الأحفوري".

غير أن هذا في نظر لفلوك مجرد هراء لا علاقة له بالواقع والحقائق، فمحطة الطاقة النووية وهي تعمل لا تصدر ثاني أكسيد الكربون على الإطلاق، بل تصدر كمية قليلة جداً في أثناء نقل الوقود إلى المحطة، وترجيل النفايات منها.

ومقارنة مع الطرق الأخرى فمن النادر أن تكون الطاقة النووية ذات أثر بيئي سيئ.

وغالباً ما يقال إن النفايات النووية مميتة بشكل لا مثيل له، وإنها تبقى لملايين السنين وتسمم البيئة العالمية. غير أن ما لا يقال هو أن أنواع التلوث تحدث من عناصر كيماوية أخرى وجميعها تبقى.

على سبيل المثال التلوث بالرصاص من منجم أو فرن صهر أو مصنع حيث تصنع الأشياء للتجارة يبقى للأبد. والشيء نفسه صحيح بالنسبة إلى الزئبق والزرنيخ والكادميوم والثاليوم، هذه العناصر السامة باقية معنا إلى الأبد.

إن الشيء المهم بالنسبة إلى النفايات النووية هو أنها تتحلل. وخلال 600 عام تصبح النفايات ذات المستوى العالي الناتجة من محطة طاقة نووية ليست أكثر إشعاعاً أو خطراً من خام اليورانيوم الذي أتت منه. والأهم من ذلك بكثير هو أنه لا توجد كمية مهمة من النفايات لتبعث على القلق. فالإنتاج السنوي من النفايات من محطة طاقة نووية يقدر بـ1000 ميغاواط وهو كاف لملء سيارة متوسطة الحجم.

والزعم الباطل الآخر هو الادعاء بأن الانبعاثات من محطات الطاقة النووية تمثل خطراً على الحياة والصحة. فالإشعاع النووي جزء طبيعي وعادي من بيئتنا. لقد نشأنا وأنواع الحياة جميعها معه. إن الانبعاثات التي نستنشقها من الصناعة النووية في العالم كله أقل بمئات المرات من غاز الرادون الذي نستنشقه كل يوم من أيام حياتنا، ويأتي الرادون بشكل طبيعي من الصخور والتربة.

هذه الأخطاء لن تكون مؤذية لولا أنها تنتشر باستمرار وتضخم من فروع وسائط الإعلام جميعها.

خلال 50 عاماً من عمل محطات الطاقة النووية في العالم لم يمت أكثر من 100 شخص من حوادثها. قارن بين هؤلاء وعشرات الآلاف الذين ماتوا في صناعة النفط والفحم الحجري ومئات الآلاف الذين ماتوا جراء صنع الطاقات المتجددة أو من عواقب استخدامها.

هنا ربما يعن لنا أن نطرح التساؤل ذاته الحاضر على مائدة النقاش أبداً ودوماً، من زمن الحضارة الرومانية إلى حاضرات أيامنا "من المستفيد"؟

من المستفيد من الدعاية ضد النووي؟

أحد التساؤلات المهمة: من له مصلحة ما في تخويف العالم من الطاقة النووية؟

يدلل البعض بالحادثة المخيفة التي جرت في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2006، وفيها تم اغتيال عنصر الاستخبارات الروسية المنشق ألكسندر ليتفينينكو في لندن، من طريق بعض "مئات من النانو غرامات" من العنصر المشع "بولونيوم 210".

كانت هذه الحادثة واحدة من الوسائل السياسية التي بعثت من خلالها روسيا رسالة إلى الدوائر الغربية عامة، والأوروبية بخاصة... ترى ماذا كانت أبعاد تلك الرسالة؟

المؤكد أن العمل لم يكن معاقبة مجرد عميل خائن أو منشق، لكن الأهم هو إبقاء الغرب خائفاً من كل شيء نووي.

يقول أحدهم إن الروس لديهم قناعة بأن الخوف من المحطات النووية عند الأوروبيين يدفعهم نحو التوقف عن استعمال تلك المحطات، والاستمرار في استيراد النفط والغاز من الروس.

فلسفة الروس في هذا الإطار تقول "إن مستقبلنا كقوة عالمية يعتمد على قدرتنا على جعلهم يعتمدون علينا كلياً لتزويدهم بالنفط والغاز. إن استخدامهم الطاقة النووية سيحررهم من هذا الاعتماد، ويمكن أن نفقد قدرتنا على جعل العالم يسير بالاتجاه الذي نريد".

لقد باتت صناعة الخوف من الطاقة النووية عمل محترفين، وبات مترسخاً بقوة بحيث إنه لو سقط مفتاح على قدم مهندس في محطة طاقة نووية يابانية واحتاج إلى إسعافات أولية فسيعلن عن ذلك في العناوين الرئيسة في صحف الغرب على أنه "حادثة خطرة في محطة نووية يابانية، بينما لن يشغل موت 100 أو أكثر من عمال المناجم الصينيين في انفجار منجم فحم تحت الأرض أكثر من فقرة صغيرة وسط الصحيفة نفسها".

عام 2007 ضربت هزة أرضية في اليابان محطة طاقة نووية بقوة تكفي لإيقافها آلياً. كانت الهزة بقوة كافية - أكبر من ست على مقياس ريختر - لتحدث تخريباً بنيوياً في بلدة متوسطة الحجم. كانت النتيجة "النووية" الوحيدة هي سقوط برميل من حزمة من براميل نفايات منخفضة المستوى مما أدى إلى تسريب 90 ألف "بيكريل" من الإشعاع.

شكل هذا عنواناً بارزاً على الصفحة الرئيسة لصحيفة أسترالية، زعمت أن التسرب سيؤدي إلى خطر التلوث الإشعاعي في بحر اليابان برمته.

هل كانت هذه هي الحقيقة؟ بالقطع لا، ذلك أن 90 ألف "بيكريل" هي ضعف كمية الإشعاع الطبيعي فقط، وعلى الأغلب على شكل بوتاسيوم، الذي نحمله في أجسامنا. وبعبارات أخرى لو قبلنا بهذا الاستنتاج الهستيري فسيشكل رجلان يسبحان في بحر اليابان التهديد الإشعاعي ذاته.

وفي الخلاصة، فمن المؤكد أن هناك من نفخ في ملف الطاقة النووية نسمة حياة جديدة، وربما تكشف قادمات الأيام عن خلفيات المشهد، إن سلباً أو إيجاباً.

المزيد من تقارير