Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بين عصبية القبيلة وطموح السياسة... كيف يتشكل حاضر إثيوبيا؟

كان للريف الإثيوبي استقلالية حياتية ونفسية صعبت الانقياد لسلطة المركز في أديس أبابا

حُكمت إثيوبيا التاريخية بالنظام الملكي لثلاثة أو أربعة آلاف سنة وكانت تعرف بمملكة الكوش (رويترز)

وصِفت شعوب إثيوبيا في التاريخ القديم بالانعزالية الفعلية عن الدولة الحديثة بحكم بعد المسافات عن العاصمة، والعوامل الجغرافية من حواجز طبيعية، واكتفاء محلي بما وفرته الأرض من مقومات حياة، لتجتمع كل تلك الظروف وتعطي الريف الإثيوبي استقلالية حياتية ونفسية ظل يصعب معها الجمع والانقياد السهل للمركز في أديس أبابا. فإلى أي مدى أثر الواقع البيئي في طبيعة إثيوبيا وأهلها؟ وأين موقع الطموح السياسي الشرعي ضمن التنافس الدولي والإقليمي من ظروف الواقع المحلي؟
وظلت إثيوبيا خلال قرون ماضية عبارة عن شعوب متباينة ضمن بيئات توفر الطبيعة فيها حياة ميسرة ما جعل كثيراً من البيئات تنغلق على أهلها، وأعطى ذلك أبعاداً من العادات والتقاليد لا تزال تفرض وجودها في كثير من المجتمعات.
ويقول المؤرخ الإثيوبي ساهيد اديجوموبي في كتابه (تاريخ إثيوبيا)، "وصف الإخباريون القدماء إثيوبيا بأنها أرض الجبال الباعثة للرعب والوديان السحيقة. وقد منح الإغريق البلد اسمه هذا الذي يقصد به السكان السود. ولجغرافية إثيوبيا تاريخ طويل، وهي حيوية مثل تاريخ شعبها، وذلك بفضل مناظرها الخلابة بتنوعها وعظمتها، التي تعد فريدةً من نوعها في أفريقيا كلها.

 للطبيعة فعل سياسي

ويضيف المؤرخ الإثيوبي، "فمرتفعات إثيوبيا شاهقة وأوديتها سحيقة بانخفاض ألف قدم، ولعل وادي أباي (النيل) هو أكثرها إدهاشاً. وفي ما عدا السلاسل الجبلية الشاهقة التي كونتها الحمم البركانية، تجد المناطق المتخللة متخذةً شكل هضاب مسطحة يسميها الإثيوبيون (أمباس)، وتبقى هذه الهضاب بمعظمها منعزلةً تماماً عن بعضها بعضاً، وإن اتصل بعضها بممرات بالغة الضيق بين المنحدرات الكبيرة". ويشير إلى أن "الطبيعة المتقطعة للمرتفعات الإثيوبية لعبت دوراً مهماً في تاريخها السياسي والثقافي، إذ برهنت هذه الكتل الجبلية العملاقة على كونها عقبات لا يمكن قهرها تقريباً أمام القادة السياسيين الطامحين بتوحيد البلاد، وأمام الغزاة الراغبين في فتحها، وأمام من حاولوا بشكل متقطع، تنمية مواردها الاقتصادية. وخلقت العزلة الجغرافية في كثير من المناطق روحاً من الاستقلال النسبي، حيث لم يتغير نمط الحياة منذ مئات السنين".  

المدنية واللا مدنية

هل تظل قصص الصراع ما بين المدنية واللامدنية مرتبطة بفرضيات الطبيعة في أشكالها المتباينة؟
مرت إثيوبيا بعهود من الحروب مثلت جزءاً مهماً من تاريخها الحديث، فعلى المستوى الإقليمي- الدولي لم يستطع الاستعمار الايطالي البقاء في إثيوبيا سوى خمس سنوات. وشكلت معركة عدوة في مارس (آذار) 1896، أعلى درجات التكامل بين الطبيعة وإرادة أهل البلاد.
وفي البعد المحلي، كان لقضية إريتريا أثر في مجمل الحياة في إثيوبيا خلال ما يزيد على  نصف قرن من الزمان، لا سيما بعد تأسيس "جبهة التحرير الإريترية" في عام 1958.
وبعد نيل إريتريا استقلالها في عام 1993، مرت الدولة الإثيوبية بظروف أفضل على رغم المعاناة الطويلة التي نتجت من عدم الاستقرار وتأثيره في مسيرة الدولة ونهضتها.
وضمن الحراك السياسي وما ينتج منه من إشكالات مجتمعية، تفجرت أزمة تيغراي، التي استطاعت الدولة الإثيوبية عبر جهود دولية وإقليمية من التغلب عليها مجددةً وحدة الصف الإثيوبي بعد عقد اتفاقية بريتوريا بين الحكومة الإثيوبية والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) 2022. ويصادف الشهر الحالي مرور عام على اتفاقية سلام تيغراي، ويشكل نجاحها دلالة على حرص قومي على وحدة إثيوبيا ضمن الطموح السياسي الشرعي ضد أي مسار لا يخدم وحدة الدولة.
وكان مكتب الاتصال الحكومي أصدر الإثنين السادس من نوفمبر الحالي، بياناً بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لتوقيع "اتفاقية السلام والوقف الدائم للأعمال العدائية"، جاء فيه "أن اتفاقية السلام كان لها دور فعال في إسكات البنادق، وتمهيد الطريق لعودة الحياة إلى طبيعتها تدريجاً في شمال إثيوبيا".
وذكر البيان أن "الحكومة الإثيوبية أظهرت التزامها الثابت تنفيذ الاتفاقية، إذ نفذت إجراءات جريئة وحاسمة لبناء الثقة وتوطيد السلام". ونوه البيان بعديد من تفاصيل الاتفاق، وما اتبعته الحكومة للوفاء بمختلف بنوده، وفي مقدمها وضع حد لجميع العمليات العسكرية والخطاب العدائي ضد "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي"، وتسريع وتسهيل تقديم المساعدات الإنسانية إلى جانب عديد من التفاصيل الأخرى ضمن الاتفاق. وأضاف أن "الحكومة ذهبت أبعد من التزاماتها بموجب اتفاقية السلام لتحقيق أهدافها النبيلة".
وتابع البيان الصادر عن مكتب الاتصال الحكومي أن "الحكومة امتنعت عن نشر فرقة كبيرة من القوات المسلحة وقوات الأمن في مدينة مقلي (عاصمة إقليم تيغراي)، على رغم صلاحياتها الدستورية التي تم التأكيد عليها في الاتفاقية. علاوةً على ذلك، في ما يتعلق بالمناطق المتنازع عليها، عمدت الحكومة الفيدرالية إلى جمع الولايات الإقليمية المتنازعة معاً للتوصل إلى حل سلمي وقانوني للمشكلة". وأضاف البيان، "أن ذلك أدى إلى مسار واضح لحل المشكلة وفقاً لدستور جمهورية إثيوبيا الفيدرالية الديمقراطية الذي يستلزم:

- عودة النازحين من هذه المناطق واستئناف أنشطتهم الزراعية.

- إنشاء إدارات محلية مختارة من السكان المحليين.

- نقل كافة المهمات الأمنية وإنفاذ القانون في هذه المناطق إلى القوات الفيدرالية.

- وإجراء استفتاء لتقرير مصير هذه المناطق".
وبحسب بيان مكتب الاتصال الحكومي فإن "السلام المستدام يستلزم المعاملة بالمثل من الجانبين"، مشيراً إلى أن "الإبقاء على المقاتلين الذين كان من الممكن أن يخدموا شعبهم في أدوار عامة مختلفة يمثل تحدياً، وبالمثل، فإن عملية نزع السلاح تتطلب جرداً للأسلحة الثقيلة التي تم تسليمها، وتسليماً كاملاً للأسلحة الصغيرة والخفيفة، التي لا تزال منتشرة في الإقليم".
وأضاف "لذلك من الضروري أن يواصل أصدقاء إثيوبيا وشركاؤها دعم وتشجيع جميع الجهات الفاعلة على الالتزام بالاتفاقية والامتناع عن السلوك الذي من شأنه أن يعرض السلام والأمن في إثيوبيا للخطر". وأكد البيان على أن "الحكومة الفيدرالية ستضاعف جهودها لتعزيز السلام وضمان التنفيذ الكامل لاتفاقية السلام".

السلام القومي

وبدأ مشروع السلام القومي الشامل بعد الدعوة التي وجهها رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في نوفمبر (تشرين ثاني) 2021 عندما "دعا كل من حمل السلاح للانضمام من جديد إلى المجتمع، والامتناع عن الانخراط في أنشطة مدمرة. وفي ديسمبر (كانون الأول) 2021 تبنى مجلس الوزراء تشكيل "لجنة للحوار الوطني" كمؤسسة مستقلة، تشمل نخباً سياسية واجتماعية توكل إليها مهمة تفعيل الحوار الوطني.
وكانت الحكومة الإثيوبية وظفت الظرف الجديد بعد "اتفاق بريتوريا" لأجل تسليم السلاح للدولة، بدعوتها الأطراف الأخرى إلى تسليم أسلحتها كمظهر من مظاهر استعادة مركزية الدولة وحصر استخدام السلاح بيدها، لكن ذلك أدى إلى أزمة جديدة بالدوافع ذاتها التي أشرنا إليها آنفاً، المتمثلة في صراع المركز واللامركز، لينتقل الصراع إلى إقليم أمهرا، في ما سمي بقضية "جماعة فانو" بعد رفض تسليم سلاحها مما خلق أزمة جديدة مع الحكومة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


ما بين العنف والقانون

ودخلت الحكومة الإثيوبية في دورة السلام الجديدة الحالية، لكن على رغم اجتهادها في تبني سلام قومي جامع حشدت له عدداً من الخطط والوسائل، إلا أنها تظل تصطدم بواقع محلي بما يحمل من ترسبات إثنية تعيق مسار الدولة. وضمن التجاذبات السياسية بعد تطورات أزمة "جماعة فانو"، وما تسببت فيه من ظروف، قال وزير مكتب خدمات الاتصال الحكومي في إثيوبيا، لغس تولو، وفق ما نقلته وكالة الأنباء الإثيوبية (فانا) في نوفمبر الحالي، "إن مركز قيادة حالة الطوارئ تمكن من حماية دستور البلاد"، في إشارة إلى عملية إنفاذ القانون التي نفذتها الحكومة وفرضها قانون الطوارئ في إقليم أمهرا الأشهر الماضية. وأوضح تولو، أن "الجماعة المتطرفة التي تطلق على نفسها اسم فانو حاولت تفكيك النظام الدستوري للحكومة الإقليمية والفيدرالية، بالعنف المسلح والفوضى وفرض دوافعها الاقتصادية والسياسية بطريقة غير دستورية".

  ميلاد الفيدرالية

يقول رئيس المعهد الإثيوبي للدبلوماسية الشعبية يس أحمد، إن "إثيوبيا التاريخية حُكمت بالنظام الملكي لثلاثة أو أربعة آلاف سنة وكانت تعرف بمملكة الكوش، ومملكة الحبشة، حيث امتدت إمبراطوريتها لتشمل منطقة القرن الأفريقي الحالي إلى جنوب أسوان في مصر، وكانت الأنظمة الملكية في إثيوبيا التاريخية تتسع أو تنكمش حدود إمبراطوريتها حسب قوتها وضعفها". ويضيف أن "فترة الملكية رسخت الهوية القبلية أو الإثنية على حساب الهوية الوطنية والمواطنة الإثيوبية كهوية جامعة لكل الإثيوبيين، وذلك بسبب النظام الملكي الذي انتهى في عام 1974، بسقوط الملك الراحل هيلي سيلاسي". ويلفت أحمد إلى أن "وصول الائتلاف الحاكم في إثيوبيا (الجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية الإثيوبية (EPRDF) بقيادة الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي إلى سدة الحكم في إثيوبيا في عام 1991، بعد نجاحها في إسقاط نظام منغستو هيلي ماريم، كانت لحظة ميلاد الجمهورية الثانية لإثيوبيا وميلاد نظام الفيدرالية الإثنية الإثيوبية الذي توج باعتماد الدستور الإثيوبي الجديد في عام 1995".
ويوضح المتحدث ذاته أن "النظام الفيدرالي الإثني لإثيوبيا كان بمثابة تسوية سياسية لضمان حقوق القوميات الإثيوبية بأن تتمتع بنظام حكم لامركزي يضمن لها حكماً ذاتياً لقوميتها في إطار إقليمها الإثني، ولكنها في ذات الوقت تخضع لدولة إثيوبيا الموحدة التي لها السلطة المركزية في حماية حدود البلاد الدولية وإدارة مصالح الشعب الإثيوبي الإقليمية والدولية".


الجمهورية الثالثة

ويعتبر أحمد أن "ميلاد الجمهورية الثالثة بدأ مع وصول آبي أحمد إلى رئاسة الوزراء في الثاني من أبريل (نيسان) 2018، حيث تبني مشروع الإصلاح الشامل لإثيوبيا سياسياً واقتصادياً وقانونياً وتعليمياً وثقافياً تلبيةً لمطالب الشعب الإثيوبي". ويضيف أن "من أهم سمات مسيرة الإصلاح الشامل للجمهورية الثالثة لإثيوبيا بقيادة آبي أحمد وحزب الازدهار الأثيوبي الحاكم يتمثل في قيادة عملية التحول الديمقراطي من خلال تطوير النظام السياسي الحالي من الفيدرالي الإثني إلى النظام الفيدرالي الديمقراطي على أساس المواطنة الإثيوبية والتقسيم الإداري والجغرافي للنظام الفيدرالي الديمقراطي، وليس على أساس المكون الإثني والعرقي واللغوي للقوميات الإثيوبية".
ويتابع "ومن أجل تحقيق دولة المواطنة الإثيوبية، لا بد أن تمر إثيوبيا بمخاض دولة المواطنة كهوية جامعة لكل الإثيوبيين في إطار احترام التنوع الثقافي والديني والإثني واللغوي مما يحقق التعايش السلمي لتعزيز المصالح المشتركة الداخلية والخارجية للإثيوبيين في ظل إثيوبيا الموحدة، وهذا الجانب يتطلب تقوية الجبهة الداخلية ومركزية السلطة، وهو ما تعمل الحكومة عليه بعد اتفاقية بريتوريا وسياسة جمعها للسلاح الذي نصت عليه الاتفاقية".

الفيدرالية- الاستقرار

من جهته، يرى الصحافي الإثيوبي أنور إبراهيم أن "للفيدرالية الإثنية دوراً كبيراً لتآلف الشعوب وتصاهرها خلال الأعوام الـ 27 الماضية للعهد السابق، التي قد يرى البعض أنها لم تكن جيدة، بل على العكس قدمت الفيدرالية استقراراً وأساساً تنموياً متيناً، وترابطاً، وخططاً اقتصادية وهو ما نراه الآن من تطور يحاول البعض أن ينسبه للآخرين، ودولة مثل إثيوبيا لا يمكن أن تحكم من دون نظام فيدرالي إثني يتساوى فيه الجميع، وأي محاولة لطمس الآلية الفيدرالية، وتعطيل الدستور قد يقود إلى ما لا تحمد عقباه".
ويوضح إبراهيم أنه "قد تكون هنالك بعض العقبات والتحديات للنظام  الفيدرالي، ولكن مهما بلغ من شوائب هناك معالجات ينبغي أن تكون متابعة للتطور، وتعديلات شفافة من وقت إلى آخر".
ويتابع "خلال التجربة الإثيوبية في الحكم منذ عهد الأباطرة والملوك القدماء، كانت هناك قوميات محددة هي التي تسيطر وتهيمن على السلطة، وأدى ذلك لفرض لغات وثقافات باعتبارها هي الأساس القومي وتجاهل أخرى، وكانت هناك مجموعات عرقية مهمشة وتنسب لها صفات لا يمكن أن تتخيلها، ولكن النظام الفيدرالي الذي جاء بعد الدستور الأخير لعام 1995، كان الأكثر نجاحاً وقدم الاستقرار الحقيقي لإثيوبيا لأكثر من عقدين ونصف العقد من الزمان، ولم تشهد إثيوبيا بعدها فترة استقرار مماثلة. وربما نواجه حراكاً تصحيحياً آخر تقوده كل الأطراف مهما طال الزمن، لكن ما يحدث الآن من تكتلات حديثة بسبب الأحداث والحروب، قد يؤدي إلى تراجع إثيوبيا مرة أخرى لعهود نرفضها".
ويعتبر أنور ابراهيم أن "من أهم التبعات التي ينبغي على الحكومة مراعاتها، هي البعد الإقليمي المؤثر الذي لا يقل عن التحدي الداخلي لما يشكله من مصدر خطر أمني على الدولة، وهذا يتطلب سياسة سلام إقليمي ترسي مع الدول المجاورة أسس علاقات قائمة على حسن الجوار، وعدم التدخل في الشأن الداخلي، وإرساء السلام الإقليمي الشامل، الذي يضمن الاستقرار الحقيقي الذي تحتاجه كل الدول لتحقيق غاياتها في النهضة والرفعة".

المزيد من تحقيقات ومطولات