Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

قلوب المصريين في غزة... غضب واحتجاج ودعم متواصل

القنوات الإخبارية تتصدر الشاشات والعلم الفلسطيني حاضر في الشوارع والقضية تشعل وجدان الصغار

جانب من تظاهرة للمحامين المصريين تضامناً مع غزة (رويترز)

ملخص

يقول عامل في مقهى إن الزبائن هم من يطلبون بأنفسهم تشغيل قنوات الأخبار على التلفاز، وليس الأفلام أو المسلسلات، لمتابعة ما يحدث في غزة.

منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، والمجتمع المصري، يراقب ما يحدث في قطاع غزة، بداية من هجوم مباغت، شنته "حماس" على بلدات ومعسكرات في جنوب إسرائيل، وصولاً إلى قصف وصف بغير المسبوق على القطاع المحاصر، لا تزال تداعياته مستمرة، وسط "دبلوماسية الرهائن" والتجهيز لاجتياح بري إسرائيلي متوقع على غزة.

في الحرب العالمية الأولى، صارت غزة جزءاً من فلسطين، التي كانت تخضع آنذاك للانتداب البريطاني، وحينما أصدرت الأمم المتحدة خطتها لتقسيم الأراضي إلى عربية ويهودية في عام 1947، أضيفت غزة إلى الجزء الفلسطيني.

لكن في عام 1948 دخلت القوات المصرية غزة، ثم وقعت هدنة صارت بمقتضاها مدينة غزة تحت الحكم المصري حتى عام 1967، بعد أن احتلتها إسرائيل والقدس الشرقية والضفة الغربية ومعظم مرتفعات الجولان السورية وشبه جزيرة سيناء المصرية، في ما عرف بحرب الأيام الستة. وعلى رغم سحب إسرائيل قواتها من غزة عام 2005، فإنها تفرض على القطاع حصاراً خانقاً.

ترابط قديم

هذا الترابط المصري بقطاع غزة، وبقية فلسطين، يفسر الاهتمام الشعبي المصري بالقضية الفلسطينية، إذ في كثير من البيوت والأسر المصرية، تجد أحد أفرادها وقد شارك من قبل في حرب مع إسرائيل، منذ 1948 انتهاء بحرب أكتوبر 1973 ولا تزال حكايات أبطال تلك الحروب تروى حتى الآن.

ليلة السابع من أكتوبر الجاري، كان جمال الدين محمد يتابع عبر شاشة تلفاز منزله، ما يدور في قطاع غزة وما حولها في غلاف غزة، كانت زوجته تجلس إلى جواره، يغيران من قناة إلى أخرى، بحثاً عن معلومة جديدة، آملين في أن تستقر الأوضاع سريعاً، ولا يصاب أهل غزة بأذى، خلال الساعات المقبلة.

تبخرت آمال الرجل وزوجته مع استمرار القصف الإسرائيلي على القطاع، ووصول عدد الضحايا إلى أكثر من 4500، ولا تزال الأعداد تتزايد. يقول جمال الدين، الذي خرج على سن المعاش وتزوج جميع أبنائه، إن ما يحدث في غزة مؤلم له ولزوجته "لقد عاصرت حروباً وشاهدت وقرأت كثيراً عن الجرائم الإسرائيلية في حق المدنيين، لكن هذا الوضع غير مسبوق، ما بيدي حيلة سوى المتابعة والدعاء بأن تتوقف أنهار الدم".

ما يحكيه جمال الدين، حول المتابعة عبر شاشات التلفاز، وربما المواقع الإخبارية، والصحف، ومواقع التواصل الاجتماعي، لا يحدث فقط في البيوت، بل باتت القنوات الإخبارية في كثير من الأماكن مفتوحة على شاشات التلفاز، لا سيما في المقاهي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يقول أحد العاملين في مقهى، بشارع شبرا في القاهرة، إن الزبائن أنفسهم من يطلبون أن تعمل قنوات الأخبار على التلفاز، وليس الأفلام أو المسلسلات، لرغبة منهم في مزيد من المتابعة لما يحدث في غزة، لكن الأمر قد يختلف مع مباراة مهمة يشارك فيها المنتخب المصري، أو قطبا الكرة في مصر، الأهلي والزمالك.

ويستدرك، "لكن بعد المباريات تعود الأخبار للتلفاز مرة أخرى، لا أتذكر أن هذا قد حدث منذ أعوام" يشير العامل في المقهى إلى أن ذلك الاهتمام بالأخبار داخل المقاهي، لم يكن موجوداً منذ ثورتي 2011 ثم 2013، ومن بعد ذلك لم يعد هناك اهتمام بتشغيل القنوات الإخبارية على شاشات التلفاز.

عالم افتراضي

هذه المتابعة من خلال شاشات التلفاز، كانت موجودة أيضاً لكن بشكل مختلف على مواقع التواصل الاجتماعي، فمنذ السابع من أكتوبر الجاري، وقوائم الأكثر رواجاً في مصر، على بعض المنصات الافتراضية، مرتبطة بما يحدث في غزة، بتغير الأحداث والمواقف، فتارة تكون المساعدات جزءاً منها، وآثار القصف الإسرائيلي تارة أخرى، كما حدث مع مستشفى المعمداني.

تقول سلمى سمير، وهي شابة مصرية تعيش في محافظة الجيزة، إنه "على رغم التضييق والحصار الافتراضي على بعض المنشورات المتعلقة بفلسطين، فإنها تحرص على أن تكون أخبار غزة على واجهة تصفحها لحسابات أصدقائها بمواقع التواصل"، مضيفة، "ما يحدث صعب على جميع النواحي، هناك مشاهد مؤلمة، وإذا كنا لا نملك شيئاً فربما نخرج غضبنا في هيئة منشورات تدين أفعال إسرائيل".

التضييق الافتراضي من بعض المنصات الذي تقول عنه سلمى، دفع البعض لبرمجة تطبيقات للهرب من خوارزميات بعض مواقع التواصل، واستبدال بعض الحروف بأخرى أجنبية أو نقاط، هرباً من رقابة "فيسبوك" مثلاً، الذي قد يوقف الحساب أو يدفع صاحبه لحذف بعض المنشورات التي تخرج عن سياساته.

جيل جديد

وفيما دون مؤثرون (بلوغرز) عبر منصاتهم، إدانتهم للتصعيد الإسرائيلي، ورفضهم المذابح التي ترتكب بفعل القصف غير المسبوق، فإن كثيراً من أبناء الجيل "زد" نشروا عبر منصات مختلفة، كان أبرزها "تيك توك"، مواقفهم، سواء في مقاطع فيديو تجمع مشاهد للقصف، أو لضحايا ومصابين، مرفقين معها عبارات إدانة واستياء، وكان المشهد لافتاً لأجيال أكبر، حسبت أن القضية الفلسطينية ليست داخل اهتمامات ذلك الجيل.

يقول عمر محمود، الذي ولد عام 2005، إنه كثيراً ما قرأ عن القضية الفلسطينية، ويتابع تفاصيلها، سواء من كبار أفراد عائلته أو مواقع التواصل الاجتماعي، وبعض الكتب والأفلام الوثائقية، معتبراً أن "ما يحدث الآن جريمة تستدعي تدخلاً من المنظمات الأممية، التي طالما نادت باحترام المدنيين"، مضيفاً، "بشكل شخصي، توقفت عن شراء منتجات تتبع إسرائيل بشكل مباشر أو غير مباشر، واستبدلتها بمنتجات محلية، هذا أقل ما أقدمه".

مقاطعة وبدائل

يشارك عمر ضمن آلاف آخرين في مصر بالتعريف بمنتجات أعلنت شركاتها دعم إسرائيل، وينشر بديل المنتج محلياً أو عربياً، آملاً أن تؤثر حملات المقاطعة. يقول، "لم أكن قد ولدت بعد حين قتل محمد الدرة، لكنني اليوم أرى مئات الأطفال يقتلون بوحشية، وأتمنى أن يتوقف ذلك الأمر".

القضية الفلسطينية أثارت مشاعر الأجيال الأقل سناً من عمر، من ذوي الـ18 عاماً فأقل، حيث انتشرت مشاهد على مواقع التواصل الاجتماعي، لأطفال يخرجون في تظاهرات محدودة وغير مسبقة الترتيب، يهتفون ضد إسرائيل، وحظيت بتفاعل كبير، وإعجاب أكبر بوجود حيز للقضية الفلسطينية وما يعانيه الشعب الفلسطيني، داخل وجدان هؤلاء الصغار.

وخرجت تظاهرات مختلفة في عدد من الأماكن في مصر، كان أولها الجمعة 13 أكتوبر الجاري، أمام الجامع الأزهر في القاهرة، وشارك فيها أجيال مختلفة، وكانت كريمة الروبي، واحدة من هؤلاء المشاركين، وانتشرت لها صورة وهي تعتلي كشكاً خشبياً وتقود الهتاف، وقد تجاوزت 40 سنة.

 

تقول كريمة، إنها ومنذ طفولتها وفترة دراستها في الجامعة، اعتادت الخروج في تظاهرات لدعم القضية الفلسطينية، ولم تتوقف حتى الآن، ولن تتوقف بحسب تصريحها "الأطفال والكبار يعرفون تاريخ تلك القضية، نتوارثها من الأجداد وحتى الأحفاد".

لكن الجمعة الماضية، ضمت أعداداً أكبر من المتظاهرين في مصر، والمحتجين على ما تفعله إسرائيل في غزة والأراضي المحتلة، رافضين لتهجير الفلسطينيين من قطاع غزة.

وكان الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، قد قال في مؤتمر صحافي، مع المستشار الألماني أولاف شولتز، إن فكرة تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة إلى مصر مرفوضة، معتبراً إياها تقوض القضية الفلسطينية وتصفيها. وخلال ذلك المؤتمر قال السيسي إنه "إذا طلبت من المصريين الخروج للتعبير عن رفض الفكرة (تهجير الفلسطينيين إلى سيناء) فسترون الملايين في الشارع".

علم فلسطين

خلال، الجمعة الماضي، كان مصطفى علي، وستة من أصدقائه، يجلسون معاً في أحد مقاهي وسط القاهرة، قادمين من تظاهرة احتجاجية عبروا فيها عن رفضهم لفكرة التهجير، وكانت إسرائيل قد أنذرت نحو 1.1 مليون شخص في شمال غزة، بوجوب إخلاء ذلك الجزء، باتجاه الجنوب، وهو أمر اعتبرته الأمم المتحدة مستحيلاً.

كان مصطفى يرتدي علم فلسطين على ظهره، كذلك فعل اثنان من أصدقائه، واشترى الشاب العلم الواحد بـ100 جنيه (3.25 دولار)، وكانت المرة الأولى له في حياته أن يشتري علماً غير علم بلاده، وخلال تنقله كان يضع العلم الفلسطيني على ظهره، فيما كان البعض يستأذنون منه لالتقاط صور لأنفسهم بالعلم. يقول "لا أعرف مآل ما يحدث، لكن أعرف أنني أرفضه كله، فهناك شباب في عمري تزهق أرواحهم، وهناك دماء في كل الأسر، هذا يجب أن يتوقف".

وإلى جانب العلم، فإن الشال أو الوشاح الفلسطيني بات يباع في غير مكان بالقاهرة ومحافظات أخرى، وبات هناك طلب عليه، حتى إن أحد باعة الجوارب في محافظة القليوبية، وضعه إلى جانب ما يبيع، وينادي المارة بصوت مرتفع للشراء منه، معلناً أنه بسعر زهيد لا يتجاوز 50 جنيهاً (1.6 دولار).

يقول البائع، إنه يشتري ذلك الشال من أماكن مختلفة في القاهرة، ويبيع منها العشرات، من بعد القصف الإسرائيلي المتواصل على غزة، حيث بات البعض يرتديه على سبيل التضامن مع الفلسطينيين وما يتعرضون له، لا سيما في قطاع غزة. ويضيف "قد أبيع يومياً نحو سبعة أو تسعة من هذا الشال، للكبار والصغار، الصبية والفتيات فهو مطلوب الآن وبشكل كبير".

دعم مختلف

حديث الأعلام والوشاح، قاد إلى مبيعات أخرى كان أبرزها "حظاظة" وهو سوار لليد، يحمل العلم الفلسطيني، يرتديه الرجال والنساء على حد سواء، ويباع الواحد منها بأسعار مختلفة بحسب تفاصيله وخامته، لكن جمال محمود، يبيع الواحد منها بـ10 جنيهات (0.32 دولار) وقد يخفض السعر للأطفال "لأن هذا أحد أشكال الدعم، ولن أوقفه لبعض جنيهات، أعطيه مجاناً أحياناً للأطفال الذين يتساءلون عن سعره".

مظاهر الدعم سواء بالأعلام أو الكوفية أو الأساور، انتقل إلى ملصقات السيارات، وعلى رغم أن الأمر قد يحمل مخالفة وفقاً لقواعد المرور، فإن البعض اتجه إلى وضع ملصقات كبيرة على سياراتهم، تحمل قبة الصخرة، وعبارات دعم غزة، وكان محمد فريد أحد المصريين الذين تولوا أمر تلك الملصقات، بتخفيض في الأسعار، فبالنسبة إلى جانب العربة يصبح السعر 250 جنيهاً (8.10 دولار)، وإذا كان الأمر يتعلق بالزجاج الخلفي فتصبح القيمة 60 جنيهاً (1.9 دولار).

كذلك كان الأمر ملحوظاً في أعراس مصرية، حيث يرفع العلم الفلسطيني، كما يتم تشغيل بعض الأغاني، على رأسها أغنية "أنا دمي فلسطيني" التي طرحت في عام 2015، للفنان الفلسطيني محمد عساف، وهي من كلمات سليمان العساف، وألحان وتوزيع وائل الشرقاوي، وتمت مشاهدتها على موقع "يوتيوب" في إحدى القنوات أكثر من 35 مليون مشاهدة، لكن لها مشاهدات أخرى بالملايين على قنوات أخرى.

نجوم الفن والكرة

من ناحية أخرى فإن كثيراً من نجوم المجتمع المصري، تحدثوا في منشورات أو مقاطع مصورة، حول دعمهم القضية الفلسطينية، وينشرون ذلك عبر صفحاتهم وحساباتهم الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي، من بينهم أحمد السقا ومنى زكي وشريف منير، وأحمد حلمي وأحمد فهمي والمطربة أنغام وروبي، كذلك حرص بعض الفنانين على زيارة معبر رفح البري، الجمعة الماضي، ومتابعة تقديم المساعدات إلى قطاع غزة، كان منهم أشرف زكى، نقيب المهن التمثيلية، والفنانون محمد محمود ومحمد عبدالجواد، وعزوز عادل، وأحمد عيد وميدو عادل وسامح حسين وغيرهم.

هذا الدعم من فنانين مصريين، كان موجوداً لدى لاعبين احتفلوا بطرق مختلفة بعد إحراز أهداف في شباك الخصم، أو ارتدوا ما يشير إلى فلسطين، وتكون الاحتفالات عادة، كما جرى أخيراً على طريقة "حنظلة" الرسمة الشهيرة للرسام الفلسطيني ناجي العلي، فصار لتلك الشخصية وجود كبير على المستطيل الأخضر.

لا حديث سوى غزة

كل هذا يلقي بظلاله على الشارع المصري، واقعياً وافتراضياً، فيتفاعل كثيرون مع ما نشر من مواد مصورة لمثقفين ومشاهير، ويتناولونه في أحاديثهم، بين رفض وقبول، وإعجاب وربما سخط من مواقف البعض. "أخيراً لا حديث في العمل أو المقهى أو حتى بين الزملاء سوى عما يحدث في غزة" قالها محمود جاد، الذي يعمل مترجماً في أحد المكاتب بالقاهرة.

يقول محمود ذو الـ33 سنة، إنه يبدأ يومه بتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، ومتابعة مقاطع الفيديو والصور القادمة من غزة، قبل أن يشاهد التلفاز وهو يتناول فطوره، وفي مكتب العمل، باتت شاشة التلفاز مفتوحة على عدد من القنوات الإخبارية التي يتابعها وغيره من العاملين في المكتب.

ويضيف، "حتى حين أعود إلى المنزل، ندخل في نقاشات موسعة، أنا وأخي ووالدتي، أما والدي فلا ينفك يتابع القنوات الإخبارية ولا ينخرط في ذلك الحديث" لدى الشاب قلق كبير مما ستؤول إليه الأحداث، لكنه يأمل في أن تتوقف عمليات القصف عما قريب، وأن يكون للدبلوماسية قوة وقدرة على احتواء الموقف.

يمر محمود أثناء ذهابه إلى عمله على عدد من الشوارع، وبات معتاداً لديه رؤية العلم الإسرائيلي وهو مرسوم على الأرض. ويرى أن ذلك التصرف، نابع من غضب شعبي يترجم في أشكال مختلفة، منها وضع العلم الفلسطيني على بعض واجهات المحال التجارية أيضاً.

وما بين غضب وقلق، ومحاولة لقراءة مستقبل غامض للمنطقة، يأمل كثير من المصريين، أن ينتهي الأمر من دون مزيد من الدماء، لينعم الأطفال في غزة بحياة فيها بعض الهدوء، وأن يكون هناك حل دائم لا موقت لتلك الأزمة التي انفجرت بشكل كبير بعد عقود من انفجارات صغيرة وحلول موقتة.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات