Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

معبر رفح... حكايات على هامش الانتظار والتطوع

فضل المتطوعون البقاء أمام البوابات في الخيم على الرجوع من دون تقديم المساعدات لأهالي غزة

يعد معبر رفح شريان حياة لقطاع غزة (أ ف ب)

عداد الضحايا لا يتوقف، كما لا تتوقف عقارب الساعة. والتأخر يعني مضاعفة الكارثة الإنسانية، وأصوات القصف المخيفة تقلق يوسف سيد، الشاب الذي يحاول النوم إلى جوار شاحنة تقف أمام معبر رفح البري، الفاصل بين مصر وغزة، إذ مضت عليه ساعات من دون نوم، وفيما كانت نسمات الهواء الباردة في ليالي أكتوبر (تشرين الأول) تلفح وجهه كانت النيران تشتعل في غير مكان داخل قطاع غزة.

يترقب الشاب ذو 24 سنة مكالمة أو إشارة أو جملة تفيد بفتح معبر رفح، لإدخال المساعدات الإنسانية إلى القطاع البالغ أهله 2.3 مليون مواطن يعيشون في ظروف بالغة الصعوبة بلا ماء أو كهرباء، وسط قصف إسرائيلي مستمر منذ الثامن من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري، وبينما تنادي دول ومنظمات أممية بضرورة إدخال المساعدات إلى قطاع غزة فإن المعبر لم يفتح بعد، وهي لحظة ينتظرها يوسف وغيره من المتطوعين في كثير من المؤسسات الخيرية، داخل إطار التحالف الوطني للعمل الأهلي المصري.

مسافة السكة

كانت شاحنات المساعدات تحمل عبارة "مسافة السكة"، لكن الطريق من القاهرة إلى محافظة العريش لم يستغرق وقتاً طويلاً، فيما تكلف وقتاً أطول للوصول إلى معبر رفح، وهناك استمرت عملية الانتظار، التي يعتبرها يوسف، الذي تطوع منذ 11 عاماً في العمل الخيري، "من أصعب وأقسى ما يكون".

 

في صباه تطوع يوسف، الذي أصبح في ما بعد مهندساً مدنياً، للعمل بإحدى الجمعيات الخيرية المصرية، وسافر إلى أكثر من محافظة مصرية، لكن كانت هذه المرة الأولى له التي يذهب فيها إلى معبر رفح، لكن ما بين الصورة التي التقطها لنفسه أمام المعبر وهو سعيد بما فعل، وبين اللحظة التي بدأ فيها ضمن آلاف آخرين تجهيز الشاحنات والمواد الإغاثية كثير من التفاصيل.

"الخميس الـ12 من أكتوبر (تشرين الأول) أخبرنا بأن نجهز مساعدات إنسانية لقطاع غزة، وكان موعد التحرك بها في السبت" يحكي يوسف، مسترجعاً تلك التفاصيل وهو يقف إلى جوار إحدى الشاحنات أمام معبر رفح، وكان يرى أن الوقت ضيق لتجهيز كل شيء، لكن العمل استمر على مدار الساعة، حتى باتت الشاحنات جاهزة للتحرك "نحو 600 شخص في مكان واحد تابعين لجمعية رسالة يجهزون كل شيء، كل الأعمار كانت تشارك".

أكفان ضمن القوافل

كان ضمن ما جهزه الشاب المسؤول عن قوافل القاهرة والجيزة في جمعيته أكفان تدخل ضمن المساعدات، وكان المشهد قاسياً عليه، إذ إن المساعدات التي جهزها من قبل اقتصرت على الأحياء من دون الأموات "جهزنا أيضاً مواد غذائية وبطاطين ومياهاً وأشياء أخرى ضرورية".

السبت الماضي تحركت الشاحنات ووصلت إلى العريش بمحافظة شمال سيناء خلال اليوم نفسه في بضع ساعات، وكان عدد المتحركين مع شاحنات الجمعية الخيرية التي يعمل فيها يوسف كبيراً، لكنهم حين وصلوا طلب من بعضهم العودة، باعتبار أن وجودهم لن يكون له قيمة، فلم يتبق شيء سوى انتظار فتح المعبر، ليقرر الشاب البقاء من دون الرجوع هو واثنان معه.

شريان حياة

في تلك الأثناء كانت طائرات تصل من دول أخرى ومنظمات إغاثية، لتقديم مساعدات إنسانية إلى قطاع غزة، ولا تزال تصل حتى تلك اللحظة إلى مطار العريش، ثم توضع في شاحنات وتدخل في اصطفاف طويل أمام المعبر، الذي لا يزال مغلقاً بعد قصف إسرائيلي متكرر على المعبر من ناحية الجانب الفلسطيني.

 

ويعد معبر رفح شريان حياة لغزة، إذ ليس للقطاع معبر آخر سوى معبر إيريز وكرم أبو سالم، وتسيطر عليهما إسرائيل، فيما يعد معبر رفح الوحيد لقطاع غزة للعالم مع مصر، ويقع في أقصى جنوب قطاع غزة.

وفي الـ12 من أكتوبر الجاري، طالبت مصر بوقف شن غارات على المعبر، ليكون شريان حياة مسانداً للمواطنين الفلسطينيين في غزة، فيما كانت تصريحات وتلميحات إسرائيلية بأن المساعدات لن تدخل.

ورديات عمل

في غير مرة أخبر الشاب وكل المتطوعين بأنهم سيتحركون للمعبر، فيتجهزون ثم يخبرون بأن ينتظروا من جديد، وكانت تلك اللحظات صعبة وقاسية عليه ومن معه، "كنا ننام إلى جانب الشاحنات، والبعض الآخر في استراحات، نعمل في ما يشبه وردية عمل" يحكي يوسف لـ"اندبدنت عربية".

في الـ15 من أكتوبر الجاري قال منسق الأمم المتحدة للإغاثة الطارئة مارتن غريفيث إن شبح الموت يخيم على غزة، ومن دون ماء وكهرباء وغذاء ودواء فإن آلافاً سيموتون. فيما قال فيليب لازاريني المفوض العام للأونروا في مؤتمر صحافي "إن غزة تخنق، ويبدو أن العالم فقد إنسانيته".

وفي الوقت نفسه حذرت منظمة الصحة العالمية من أن "أي تأخير في بقاء الإمدادات على الجانب المصري من الحدود يؤدي إلى موت مزيد من الفتيات والفتيان والنساء والرجال"، لكن وحتى الآن لم تصل المساعدات بعد.

ملحمة المتطوعين

الإثنين الماضي جاءت أنباء بالتحرك، لكن كانت هناك مشكلة أن كل المواد والمساعدات عليها أن توضع في معلبات خشبية كبيرة وتغلف قبل التحرك، يصف يوسف ذلك العمل بـ"المرهق"، لكنه من ناحية أخرى يعتبر أن ذلك العمل كان من أجمل ما مر عليه "كان الجميع يساعد، لا فرق بين مؤسسة وأخرى، كلنا نعمل لهدف واحد، حتى إن القطع الخشبية أخذت حيزاً أكبر، ولم نجد لها مكاناً في الشاحنات الخاصة بمؤسستنا فوضعناها مع مؤسسة أخرى وهكذا".

 

في هذه الأثناء كانت هناك مناشدات عبر مواقع التواصل الاجتماعي لسكان العريش، بأن عليهم إحضار بعض المواد اللازمة للتجهيز، وفوجئ الشاب بمئات من أهالي العريش، الذين تولوا الأمر، وكانوا أحياناً يسهرون إلى جانب الشاحنات، ليوفروا وقتاً للقادمين من القاهرة إلى النوم، أو الاستحمام "حين أقول أن ما حدث كان ملحمة فأنا لا أبالغ، الجميع هنا يود المساعدة".

شباب العريش

ما يقوله يوسف في شأن مشاركة شباب العريش، يتفق مع ما تقوله مديرة العلاقات العامة والاتصال بمؤسسة "صناع الحياة" هبة محمد قطب، التي انضم إليها عشرات الشباب من العريش من بينهم فتيات للعمل بشكل طوعي، "كان مشهداً مختلفاً، حين أتى بعضهم من منازلهم وهم يحملون طعاماً سبق أن أعدوه في منازلهم".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تقول هبة في حديثها لـ"اندبندنت عربية" إن العمل على تجهيز الشاحنات كان مكثفاً، وما بدأ بالتبرع بالدم، تحول إلى تعبئة مواد إغاثية وإعاشية، ليشارك نحو 5 آلاف متطوع في التجهيزات، ويتمكنوا من إعداد أربع شاحنات كبيرة بكل الاحتياجات في يومين، قبل التحرك إلى العريش ومنها إلى معبر رفح.

لم يكن كثير من المتطوعين على معرفة بأن الانتظار سيطول، لذا كانت ملابسهم التي قدموا بها قليلة، وتبقى هناك 10 متطوعين من الجمعية التي تعمل بها هبة، لكن ومع رغبة كثيرين في تقديم تبرعات مختلفة كانت شاحنة أخرى يجري تجهيزها في القاهرة، ليتواصل المتطوعون الذين وصلوا العريش مع أسرهم، ويخبرونهم أن يحضروا لهم ملابس ويضعونها في الشاحنة "رفض المتطوعون الذهاب إلى منازلهم، قالوا إنهم لن يغادروا حتى تدخل المساعدات".

مواقف لا تنسى

تتذكر هبة حديث أحد سائقي الشاحنات وهو يعلن أنه لن يحصل على مبالغ نظير أيام عمله، بعدما كان الاتفاق على أجرة يوم واحد لنقل المساعدات "قال إنه سيفعل ذلك بشكل تطوعي، وإن هذا أقل ما قد يقدمه، وهذا المشهد كان متكرراً بالنسبة إلى كثيرين، الجميع يود أن يفعل شيئاً ما لإغاثة المواطنين في غزة".

 

تعود الشابة بذاكرتها لأيام مضت حين كان يجري تجهيز المواد، فكان بعضهم يستدعي بعض أفراد أسرته للمشاركة بين كبار وصغار، بعضهم لم يتم خمس سنوات بعد، لكنهم اعتبروا أن ذلك حدث استثنائي، يتطلب المشاركة من الجميع "الكل على قلب رجل واحد، الكل يرغب في مساعدة الكل".

دونت الشيماء الإمام، وهي من مؤسسة "أبشر" وهي بالعريش، عبر حسابها على موقع "فيسبوك" احتياجها إلى مواد معينة كانت تنقص الشاحنات، ولم تمض ساعات حتى وصل إليها ما تريد، فدونت "حين كتبت أنني كنت في حاجة إلى مواد لوضع المساعدات عليها، وجدت أكثر من 100 شخص يقدمون العون خلال دقائق (...) شكراً لأهل العريش والشيخ زويد على كرمكم"، ثم طلبت بعد ذلك سيارة نقل كبيرة، ثم في أقل من دقائق أعلنت أن السيارة وصلت.

مساعدات وأجانب

حديث المساعدات والمواد الإغاثية التي تتضمن أدوية لازمة بات على كثير من الألسنة، شعبياً عبر العالم الافتراضي، ورسمياً في بيانات تطالب بضرورة إدخال المساعدات لقطاع غزة، ومن جانب آخر فقد بدا الأمر كقطعة شطرنج متحركة على رقعة عالم الدبلوماسية.

الموقف المصري من المساعدات واضح، كما الحال مع عبور الأجانب، إذ نقلت قناة "القاهرة الإخبارية" (شبه رسمية) عن مصادر مطلعة أن مصر تشترط تسهيل وصول وعبور المساعدات لقطاع غزة، إضافة إلى أن المعبر لن يكون مخصصاً لعبور الأجانب فقط. فيما قال وزير الخارجية المصري سامح شكري في تصريحات منذ أيام إن الحكومة الإسرائيلية لم تتخذ بعد موقفاً يسمح بفتح معبر رفح الحدودي بين مصر وقطاع غزة، مضيفاً أن مصر تهدف منذ بداية الصراع إلى استمرار تشغيل معبر رفح، واصفاً الوضع الذي يواجهه الفلسطينيون في غزة بأنه خطر.

مرابطو الإغاثة

كذلك نشر متطوعون مواقف وصور ومقاطع فيديو لهم خلال تلك الأيام والساعات من الانتظار، كانت تلقى رواجاً كبيراً، وأمنيات بأن ينتهي الأمر بإدخال المساعدات من دون تأخير إضافي. لينتهي الأمر بوسم (هاشتاغ) حمل اسم "مرابطون حتى الإغاثة"، بعدما اعتصم متطوعون أمام معبر رفح اعتراضاً على الرفض الإسرائيلي لفتح معبر رفح، وبحسب ما أعلن حساب مبادرة "حياة كريمة" على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" فإن "الاعتصام مستمر لحين توصيل المساعدات الإنسانية لأشقائنا في غزة" فيما ارتدى المتطوعون ملابس سوداء، وحملوا لافتة تحمل كلمات الوسم "مرابطون حتى الإغاثة".

وبعدما صرح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حول عدم فتح معبر رفح، نقلت قناة "القاهرة الإخبارية" عن مصدر سيادي مصري قوله إن "مصر لن تسمح بإجلاء الأجانب من غزة والتصعيد سيقابل بتصعيد"، ليعود بعدها مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بأن تل أبيب لن تمنع دخول مساعدات إلى قطاع غزة من مصر، وأن القرار جاء استجابة لطلب الرئيس الأميركي جو بايدن.

20 شاحنة

كان الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي أوضح أمس أن مصر لم تغلق معبر رفح الحدودي منذ بداية الحرب بين حركة "حماس" وإسرائيل، واتهم القصف الإسرائيلي بالتسبب في الأمر. كان ذلك قبل أن يعلن المتحدث الرسمي لرئاسة مصر بأن الرئيس المصري تلقى اتصالاً هاتفياً من نظيره الأميركي، وجرى الاتفاق على إدخال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، عبر معبر رفح وبشكل مستدام.

 

فيما قال بايدن إنه جرت الموافقة على إدخال دفعة أولى من الشاحنات، التي تحمل مساعدات إنسانية إلى قطاع غزة، وذلك في حديث مع صحافيين، على متن طائرته الرئاسية في أثناء عودته من إسرائيل، وقال إنه جرى السماح بمرور ما يصل إلى 20 شاحنة مساعدات كبداية. وسبق لمنسق الأمم المتحدة للإغاثة الطارئة، مارتن غريفيث أن صرح خلال أمس بأن قطاع غزة في حاجات إلى مساعدات تصل إلى 100 شاحنة في اليوم.

وبحسب تصريحات لرئيس الإدارة المركزية لشؤون مكتب محافظ شمال سيناء اللواء مصطفى محمد فإن قافلة التحالف الوطني برفح تضم 106 شاحنات محملة بنحو 1500 طن من المواد، بين أغذية وأدوية ومستلزمات طبية، وتنسق المحافظة مع جهات مختلفة استقبال المساعدات المتنوعة التي تصل إلى المحافظة ثم يجري نقلها وتخزينها، تمهيداً إلى إدخالها من معبر رفح إلى غزة.

خلية عمل

وفيما ينتظر مئات المتطوعين إدخال قوافل الشحن إلى غزة من معبر رفح البري، فإن رئيس مجلس القبائل العربية في مصر كامل مطر يقول في حديثه لـ"اندبندنت عربية" إن المتطوعين مع شاحنات المساعدات لديهم إصرار كبير على إدخال قوافل المساعدات، ولديهم حماسة كبيرة للعمل تحت أي ظرف "لدينا ألم كبير في شأن ما يحدث لأهلنا في فلسطين، بالتالي كانت استجابتنا لجمع التبرعات سريعة، هناك خلية عمل تعمل في كل أنحاء الجمهورية، لكننا جميعاً في انتظار فتح المعبر".

يقول متطوعون تحدثوا إلى "اندبندنت عربية" إنهم لن يغادروا من أمام معبر رفح، حتى تدخل المساعدات لسكان غزة، يستنكرون طوال وقت الانتظار، والصمت العالمي أمام إدخال شربة ماء نظيفة وطعام صحي وأدوية لمدنيين وأبرياء لا ذنب لهم سوى أنهم محاصرون، وتقصف منازلهم ومستشفياتهم بشكل يشبه عقاباً جماعياً، في انتهاك لأحكام القانون الدولي وللقيم الإنسانية.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات