Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف حاول روبرت مردوخ القضاء على "اندبندنت"؟

في تسعينيات القرن الماضي أشعل مالك صحيفة "تايمز" حرباً شرسة على أسعار الصحف اللندنية في "فليت ستريت" ما زالت آثارها المدمرة قائمة حتى اليوم

قطب الإعلام الملياردير روبرت مردوخ يراقب طباعة صحفه في عام 1985 (غيتي)

ملخص

كيف سعى الملياردير وقطب الإعلام روبرت مردوخ للقضاء على إندبندنت؟

من بين مختلف الأسباب التي تدفعنا إلى ازدراء روبرت مردوخ (الملياردير وقطب الإعلام العالمي) - وهي كثيرة - يبرز أحدها على المستوى الشخصي بالنسبة إليّ: وهو محاولته القضاء على "اندبندنت".

لا بدّ من الإشارة إلى أن تأسيس "اندبندنت" - كان ممكناً جزئياً - بفضل تصرّفات مردوخ قبل نحو أربعة عقود من الزمن، حين عمل على تحطيم نقابات المطبوعات وإدخال تكنولوجيا جديدة إلى صناعة الصحف، الأمر الذي أوجد الظروف الملائمة كي تبصر صحيفتنا النور. ومع ذلك، فإن هذا السياق التاريخي لا يبرّر مساعيه للانقضاض عليها ومحاولته نحر "اندبندنت" أو Indy-cide - عذراً على التعبير.

لذا، نعم، أنا سعيدٌ للغاية لأنه خرج من الساحة الإعلامية. وعلى رغم الاستقالة الجريئة التي قدّمها يوم الخميس الفائت، فإن هذا الرجل (92 سنة) الأكثر خبثاً في العالم، كان بحسب تعبير كاتب سيرته الذاتية والمراقب المقرّب منه مايكل وولف، "بالكاد رئيساً فاعلاً" لشركته لفترةٍ من الزمن. وكما ترون من خلال الطبعة الرقمية التي هي بين أيديكم الآن، فقد نجونا من محاولات افتراسه لنا.

قبل نحو ثلاثة عقود، وفي الوقت الذي كان فيه شراء صحيفة) لم تكن تُسمّى آنذاك "مطبوعة" لأنه لم تكن هناك خيارات أخرى)، أمراً شائعاً أكثر منه مميّزاً، فقد اقتحمت "اندبندنت" سوق الصحف من الباب العريض، وأحدثت إطلاقاً مدوياً عام 1986: اتّسمت بالحداثة والابتكار والإلهام، وجسّدت القيم الاجتماعية والاقتصادية الليبرالية الجذّابة. وبحلول عام 1992، ارتفعت أرقام توزيعها إلى 440 ألف نسخة، وهي نسبة عالية بشكلٍ استثنائي، نظراً إلى المعايير المعاصرة ضمن قطاع "الجودة" في السوق البريطانية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وما جعل هذا الإنجاز أكثر رسوخاً ولا سيما بالنسبة إلى فريق عملنا الذي بذل نفسه من أجل نجاح هذه المسيرة منذ بداياتها الأولى، هو حقيقة أنه استطاع تجاوز صحيفة "تايمز" - المؤسّسة الأكثر أهميةً ونفوذاً في إمبراطورية روبرت مردوخ. ويكمن السبب خلف هذا النصر الجميل في ولاء "تايمز" الثابت والمضجر لحزب "المحافظين"، في حين أن الوافدة الجديدة ("اندبندنت")، كانت أكثر استقلاليةً ونجحت في جذب القرّاء وخطفهم منها.

في منتصف تسعينيّات القرن الماضي، أشعل مردوخ حرب أسعار بهدف الحصول على حصّة في السوق ربّما لم يكن يستحقّها. كان هدفه الأساسي هو إخراج المنافس الرئيسي لصحيفة "تايمز" وهي "ديلي تليغراف"، من سوق العمل. واعتبر أنه إذا أدّت تلك الاستراتيجية إلى زوال "اندبندنت" من الوجود أيضاً، فسيكون ذلك بمثابة مكافأةٍ إضافية.

بدأت المعركة في عام 1994 عندما خفّض مردوخ بشكل كبير سعر نسخة "تايمز" من 45 إلى 30 بنساً (55 إلى 37 سنتاً). وأطلقت تلك الخطوة حرب أسعارٍ عبر شارع الصحافة اللندني الشهير "فليت ستريت"Fleet Street   (المقرّ الرئيسي لأبرز الصحف البريطانية)، استمرت لنحو عامين مرهقين. بعد ذلك، كان هناك شيءٌ من الهدنة. لكن في عام 1996، عاود مردوخ إطلاق هجومٍ جديدٍ لتصعيد وتيرة الصراع، من خلال عرض صحيفة "تايمز" لقاء 10 بنسات فقط (12 سنتاً)، وكان أشبه بمحاولة التبرّع بنسخها للقرّاء. وفي نهاية المطاف، أصبحت محاولة مردوخ الصارخة لإضعاف منافسيه وإرغام الصحف الأخرى على الخروج من دائرة العمل واضحة، إلى درجة أن "مكتب التجارة العادلة"  Office for Fair Trading (الذي يعمل كمنظّم اقتصادي للبلاد، وهو مسؤول عن احترام مبادئ المنافسة وحماية المستهلك)، اضطُر إلى التدخّل لوضع حدٍّ لحرب الخنادق هذه.

أتذكّر بوضوح حروب الأسعار، على رغم أنني كنتُ خلال تلك الفترة مجرّد قارئٍ لـ "اندبندنت". وفي الواقع، كنت أستمتعُ بعرض شراء "تايمز" مقابل 10 بنسات. لقد كان سعرها معقولاً بحيث أتاح لي الحصول عليها بسهولة كصحيفة ثانوية (وبالطبع واصلتُ قراءة "اندبندنت" كالمعتاد). كانت هناك ميّزة إضافية تتمثّل في معرفة أنه في مقابل كلّ نسخة تُباع من صحيفة "تايمز"، كان مردوخ يخسر المال.

في تلك الفترة، إن لم يتسّم رد فعل إدارة "اندبندنت" بالذعر، فلقد شابه جو من عدم اليقين. في البداية، استجابت مجلة "ذي إندي" The Indy، التي لطالما كانت غير تقليدية، لمبادرة مردوخ لخفض الأسعار من خلال زيادة سعر عددها - وهي خطوةٌ جريئة بشكل مثير تستهدف إعادة تأكيد ولاء قاعدة قرّائها الفريدة ودعمها لجودة صحافتها. ومع ذلك، لم يحقّق هذا النهج نجاحاً تجارياً بارزاً، ما أدّى إلى خفض السعر في نهاية المطاف. وفي يومٍ واحد فقط، تمّ تخفيض سعر النسخة إلى 20 بنساً (25 سنتاً)، أيّ أقل بـ 5 بنسات (6 سنتات) عن سعر الإطلاق قبل بضعة أعوام.

قد يكون "التسعير المفترس" تكتيكاً قديماً لا يقتصر على الصحف فحسب، إلا أن حروب الأسعار داخل وسائل الإعلام، غالباً ما كانت تميل إلى تصدّر العناوين الرئيسية، بسبب تعاظم مكانتها وغرور أصحابها.

كان مردوخ قد انخرط سابقاً في معارك شرسة مع جوناثان هارمسويرث وهو لورد روذرمير (مالك صحيفة "ديلي ميل" وعضوٌ في "مجلس اللوردات") وروبرت ماكسويل (مالك مجموعة "ميرور") في سوق لندن قبل بضعة أعوام، مستخدماً الصحف الرخيصة أو المجّانية لتقويض منافسيه. وكان هذا الموقف هو المفضّل لدى مردوخ، بحيث صوّر نفسه على أنه شخص جريء، يتحدّى الوضع القائم المستّتب.

لكن في واقع الأمر، يشكّل التسعير الانتهازي أو المفترس ممارسةً تجارية فظّة وغير عادلة، لا علاقة لها بإنتاج منتَج تنافسي. إنها حرب استنزاف ترقى إلى صراع طويل الأمد بحيث تكون الغلبة فيه في نهاية المطاف، للاعب ذي الجيوب الأكبر. والشخص الذي يمكنه تحمّل الخسائر المالية لفترةٍ أطول يحقّق مكاسب وهيمنةً غير مبرّرة أو مستحقّة على السوق. تماماً كالسيناريو الذي ظهر في تسعينيّات القرن العشرين، في ما يتعلّق بالحافلات عندما رفعت الحكومة القيود عن وسائل النقل المحلّية.

في بيان استقالة روبرت مردوخ هذا الأسبوع، أكد أن "المعركة من أجل حرية التعبير، وفي النهاية حرية الفكر، لم تكن أكثر حدّةً من أي وقت مضى". ومع ذلك، يجدر بنا أن نلاحظ أن جهوده الحثيثة لإغلاق الصحف المربحة الأخرى والمنصّات التي توفّرها لحرية التعبير كانت مكثّفة أيضاً. وفي النهاية، لم يكن هناك منتصرون في تلك المعركة. خلال تلك الفترة، استطاعت "اندبندنت" أن تحدث اضطراباً بتقديم تحدّي صناعة نشر الصحف التقليدية، تماماً كما فعل مردوخ.

كثيراً ما يحب مردوخ أن يصوّر نفسه على أنه شخصٌ "يقدّم ما يرغب فيه الجمهور". لكن عندما دخلت "اندبندنت" الساحة، وتفوّقت في مجال تقديم ما يريده الجمهور على صحيفته "تايمز"، لم يتقبّل الأمر. وبدلاً من رفع معاييره لذلك التحدّي، سعى إلى شلّنا مالياً وإفلاسنا. وكما قال ويتام سميث على نحو مناسب في عام 1994 في خضمّ حرب الأسعار، فإن وجود "اندبندنت" يظل، وسوف يبقى يشكّل تحدّياً لشخصيات من أمثال مردوخ ورؤيته الساخرة والمتشائمة لدور وسائل الإعلام وأهدافها.

أخيراً لا بدّ من القول إنه على رغم الجهود الحثيثة التي بذلها روبرت مردوخ، فقد صمدنا وما زلنا.

© The Independent

المزيد من متابعات