علي عبدالله صالح (23)

أجزم أن تحقيق الطموح كان وما زال مرتبطاً بمعايير وترتيبات لم تكن لتنطبق علي في ظل ما كان يدور

الرئيس اليمني الراحل علي عبد الله صالح (أ.ف.ب)

بعد عودة الرئيس صالح من زيارته إلى الولايات المتحدة تصدر صحيفة (الثورة) الرسمية خبر يقول إن الرئيس طالب بإسقاط اسم الزنداني من قائمة العقوبات، وفوجئت باتصال من الزنداني يقول إن صالح أوفى بوعده وطرح الموضوع. الواقع أني استغربت الأمر لأني أعلم أن صالح ليس حريصاً على إغلاق الملف، كما أن الرد الأميركي معروف سلفاً، وقدرت أنه أراد أن يتخلص من الإلحاح حول هذا الموضوع، لم تمر أربع وعشرين ساعة حتى أصدر البيت الأبيض بياناً يؤكد أن الموضوع لم يكن ضمن القضايا التي ناقشها صالح خلال زيارته، فبادرت بالاتصال بالزنداني وأرسلت له نسخة من التصريح... تعمدت ذلك لأني كنت متأثراً من عدم دفاع صالح عني كموظف في الدولة، وزاد أن تركني أعالج الأمر بمفردي.

في 17 يوليو (تموز) 2005 وخلال اجتماع في مناسبة الذكرى 27 لتوليه الحكم، أعلن الرئيس الراحل أنه قرر عدم ترشيح نفسه، وأن على المؤتمر الشعبي البحث عن مرشح بديل، وقال إنه مل ولم يعد قادراً على تقديم المزيد. كان القرار مفاجئاً وصادماً واحتار الناس في مدى جديته إذ لم يعهدوا في العالم العربي أن يخرج الرؤساء من السلطة إلا بالموت أو القتل عدا من رحم ربي.

بعد إعلان صالح قراره بأيام أعلن شقيقي عبدالله ترشيح نفسه للرئاسة على الرغم من أنه مقيم خارج اليمن من عقود طويلة، فأتصل بي الرئيس الراحل وقال لي إنه سعيد بقرار عبدالله وسيدعمه ويعمل معه في حملته الانتخابية، وطلب مني إبلاغه بهذا. اعتذرت وقلت إن الأنسب أن يتصل به شخصياً ليبلغه. ألح علي فقلت "لا قرارك ولا قرار عبدالله جادين"، فأغلق السماعة منهياً المكالمة.

مرت الأشهر التالية ثقيلة على الذين يعرفون مزاج الرئيس صالح، ولم يكن واضحاً في الحال التيقن من جدية قراره، إنما المؤكد أنه حرص خلال سنوات حكمه على تشكيل وخلق طبقة بلا طموحات سياسية للسلطة قدر نهمها للمال والنفوذ تحت ظله، جعل البحث عن بديل ضمن الشخصيات التي صنعها ورعاها، غير آمن وغير محتمل... فأغلب السياسيين وأصحاب المناصب العليا أنتجهم الرجل واختارهم بمعايير كان يضبط موازينها ويعيد ضبطها بحسب حاجته... كما لم يكن وقتها يرى أن نجله الأكبر أحمد علي صار جاهزاً بما فيه الكفاية لعملية التوريث، وإن كان البعض تصور أن قرار صالح كان تهيئة للساحة أثناء حياته.

جاء إعلان صالح مربكاً، خصوصاً للذين كانوا حوله ممن لا يراهم ولا يعرفهم الناس إلا من خلاله ومن ارتباطهم به، وأضحى هؤلاء هم الأكثر قلقاً وخشية على مصالحهم من قراره، وأنه يعرضهم ويعرضها لمخاطر زوال الحماية التي كان يمنحها لهم التصاقهم به... ثم كانت تعز كعهدها مع صالح منذ يوليو (تموز) 1978 هي المبادرة بدخول المزاد في إخراج المسيرات الشعبية المدبرة، والمطالبة بعودته عن القرار وضرورة إعادة ترشيح نفسه، وارتفعت أصوات من داخلها تدعو ليس فقط لتصفير فترة الرئاسة بل إلى إلغاء فتراتها وهو ما صار يعرف بقلع العداد.

بدا واضحاً أن انتخابات سبتمبر (أيلول) 2006 ستكون مختلفة عن سابقاتها وأن أحزاب اللقاء المشترك المعارض ستخوضها بجدية وبمرشح واحد، وبقي أمر المرشح معلقاً حتى الإعلان عن فتح باب الترشيح، وجرى تداول أسماء كثيرة، وبقي القرار الأخير متأرجحاً لخوف العديد من الأسماء التي تم تسريبها أو التشاور معها... وسأعود إلى هذه القضية التي شكلت بدايات مشهد سياسي جديد قاد متغيرات جذرية في العلاقات السياسية بين الرئيس صالح والمعارضة.

في وقت متأخر من إحدى أمسيات منتصف شهر أغسطس (آب) 2005 اتصل بي الرئيس ليبلغني أنه قرر ابتعاثي سفيراً، وأنه منحني فرصة اختيار أحد موقعين (الهند أو المغرب)، فقلت له "ليش مش لندن أو باريس، موسكو أو واشنطن"، فرد "أنت الوحيد من ضمن قائمة السفراء المرشحين الذي أعطي حق الاختيار بين موقعين بينما الآخرين تم إرغامهم على المواقع التي تم ترشيحهم إليها". قلت له (الهند)... بدا كما لو أن ردي لم يكن متوقعاً بالنسبة له فكرر العرض، وكررت الإجابة. بعد انتهاء المكالمة اتصلت بالدكتور الأرياني وأخبرته بفحوى الاتصال، فقال نتكلم غداً، وذهبت إليه صباح اليوم التالي، فقال إن اختياري كان الأفضل، على الرغم من أن صالح كان يتوقع أن أطلب المغرب باعتبارها وجهة أقل انشغالاً والعمل فيها أخف... ثم زاد أن بقائي في صنعاء لن يكون مريحاً بسبب كثرة ما ينقل إلى صالح عن انتقاداتي التي لم تتوقف، ولقاءاتي مع معارضيه.

أُرسِلت أوراق الترشيح إلى الهند، وانقطع تواصلي مع صالح، إلى أن جاءت الموافقة لي ولغيري من السفراء الذين تم ترشيحهم لعواصم أخرى، ثم اتصلوا بنا جميعاً للحضور لأداء اليمين في القصر الجمهوري. تمت مناداة الأسماء بحسب الترتيب، وحين جاء دوري ظهر البرود عند السلام واختفت الابتسامة التي تعبر عن سرور السفير بـ"شرف السلام" على رئيس الدولة.

بقيت في صنعاء بعد أداء اليمين وماطلت في تحديد موعد السفر بمبرر عدم وجود اعتمادات كافية لتحسين وضع السفارة هناك بعدما اتصلت بصديقي السفير المغادر المرحوم محمد سعد علي، الذي أعطاني صورة عن الوضع المالي وأنه بائس ولا يمكن الاعتماد عليه، وأكد أن اليأس أصابه من كثرة المطالبات التي تقدم بها خلال سنوات خدمته الأربع في نيودلهي... ونصحني بعدم المغادرة قبل تحقيق المطالبات المالية السابقة.

في 29 ديسمبر (كانون الأول) 2005 اتصل بي رئيس التشريفات الرئاسية صديقي العزيز الأستاذ فضل عبد الخالق من عدن، ونصحني بالوصول إلى عدن وأنها ستكون فرصة للقاء الرئيس هناك... سافرت صباح اليوم التالي واتصلت بالقصر وبعد دقائق طلبوا مني الحضور إلى المقيل... وجدت عنده عدداً من كبار المسـؤولين، وكان الحديث كله في العموميات وأتذكر أنه كان حاضراً كل من الأساتذة سالم صالح محمد ومحمد سعيد عبدالله وناصر منصور (شقيق الرئيس هادي).

بعد انتهاء المقيل طلب مني الرئيس الانتظار بعد خروج الجميع، وبقينا لأقل من نصف ساعة... سألته "ايش قصة الهند أو المغرب؟"، فرد "كنت أريد أن تبقى لتصبح وزيراً للخارجية ورئيساً للحكومة، لكنك لم تتوقف من نصيحة الأميركيين بالرسائل التي يبلغوني إياها. ما قدرت أثق فيك". كان ردي على الرئيس مقتضباً إذ قلت له "أنا لا أصلح للعمل معك"، ولم أحاول الدخول في جدل حول مواقفي، ثم دار حديث عن الشأن العام، وقبل مغادرتي طلبت منه التوجيه إلى وزير المالية لاعتماد المبالغ المطلوبة لتحسين وضع السفارة بحسب المطالبات السابقة... قال "عندما تصل إلى صنعاء اتصل بي حين تلتقي وزير المالية" الذي كان حينها الأستاذ علوي السلامي. قبل توديعه ذكرني بلقاء رتبته مع السفير الأميركي بعد الهجوم على القنصلية الأميركية في جدة شهر ديسمبر 2004، وظل اللقاء عالقاً في ذهنه.

عندما أعود بذاكرتي إلى تلك الفترة أجد نفسي مرتاح الضمير، وأني حاولت أن أعمل بكل جهدي وبحسب قناعاتي لأخدم البلد، وكان البعض يقول إنني كنت طامحاً لموقع أعلى، وهو أمر لا أنفيه ولا أراه عيباً ولا مذمة، وكان البعض يعبر عنه باللهجة الشعبية اليمنية (مصطفى مِشَعبْ) أي طامح زيادة! وأجزم أن تحقيق الطموح كان وما زال مرتبطاً بمعايير وترتيبات لم تكن لتنطبق علي في ظل ما كان يدور.

وغادرت إلى الهند نهاية يناير (كانون الثاني) 2006.

(للحديث بقية).

المزيد من آراء