Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"ما بعد العلمانية" ما قبل الدولة المدنية

المستقبل للتوازن بين الدين والدولة

العالم العربي لا يزال دون مرحلة الدولة المدنية (مواقع التواصل)

مسار الزمن دائري، ولعلنا في حاجة إلى "الإتيان بالماضي ليتحدث في ميكروفون الحاضر"، بحسب المؤرخ لويس لافام، لأن الماضي يعلم ويضيء الحاضر، وأبسط مثال هو العبارة المكتوبة على معبد في تدمر السورية قبل 2500 عام "لا تشتم إلهاً لا تعبده".

وفي هذا كثير من الرقي في التفكير والسلوك خلافاً لما نراه في أيامنا من صراعات عنيفة باسم الأديان إلى حد تدمير المعابد على المصلين فيها إذا كانوا من دين مختلف، فكل فكرة يتم الذهاب فيها إلى أقصى التطرف تقود إلى عكسها، وكل أيديولوجيا تتجاهل الحقيقة الواقعة من أجل حقيقة تريد صنعها.

في "أيام النبي جرى رفض فكرة الدولة الدينية"، كما قال البروفسور محمد أركون، وفي القرن الماضي اندفعت أوروبا إلى الحد الأقصى في العلمانية بما يتجاوز الفصل بين الدين والدولة، واليوم يزداد عدد الفصائل التي تصر على إقامة دول دينية بقوة السلاح، كما عدد الأنظمة التي تستخدم الدين كسلاح سياسي ضد شعوبها قبل أي شعب آخر.

"الإخوان المسلمون" حاولوا بعد وصولهم إلى الحكم في مصر أسلمة الدولة والمجتمع، فأسقطهم الجيش الوطني ضمن ثورة شعبية، و"داعش" أقام "خلافته" في أجزاء من العراق وسوريا قبل أن تهزمه جغرافياً وتنهي دولته القوى التي تحارب الإرهاب، والإمام الخميني الذي أقام الجمهورية الإسلامية في إيران قال "إن الحكومة الإسلامية هي توأم الإيمان بالولاية، وهي حكومة القانون الإلهي والحاكم فيها هو الله وحده، والمشرع فيها هو الله وحده"، لكن من يحكم عملياً هو الولي الفقيه ومن حوله الملالي والحرس الثوري.

لكن أوروبا تشهد حالياً نوعاً من المراجعة بعد التشدد في العلمانية والسماح لأفراد متشددين أو جماعات هستيرية متطرفة بإحراق كتب مقدسة في الساحات العامة، بالادعاء أن هذا جزء من "حرية التعبير".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

المفكر يورغن هايرماس دعا إلى مرحلة "ما بعد العلمانية"، مرحلة التوقف عن "الفصل التاريخي الكامل للدين عن الدولة، وإعادة الدين إلى ساحة الشأن العام من باب القيم والمشاركة في تحقيق الخير العام"، وليس واضحاً إلى أين تصل هذه الدعوة، لكن العامل الديني لا يزال له موقع في أميركا، والكنيسة الأرثوذكسية إلى جانب الوطنية الروسية من أسلحة الرئيس فلاديمير بوتين، وحتى الصين الشيوعية فإنها وضعت "الكتاب الأحمر" لماوتسي تونغ في الأرشيف، وأعادت الاعتبار إلى تعاليم كونفوشيوس وأقامت مراكز ثقافية باسمه في الخارج.

أما العالم العربي فإنه لا يزال دون مرحلة الدولة المدنية، ولم يكن سلوك راشد الغنوشي زعيم "النهضة الإسلامية" حين وصل إلى الحكم في تونس منسجماً مع الأفكار التي أعلنها من باب المرونة، وقوامها "التمييز بين السياسة والدعوة"، ولا كان في المقابل انتقاد الباحثة التونسية ناجية الوريمي لمشروع التحديث في العالم العربي إلا لأنه "ليس جذرياً"، فالمشروع الذي نشأ منذ القرن الـ 19 "حمل بذور فشله أو محدوديته"، كما قالت، لماذا؟ لأنه" لم يكسر روابط الاستبداد، استبداد السائس، استبداد رجل الدين، واستبداد القيم التقليدية".

وحتى آراء ابن خلدون وتصوراته التي هي محل تقدير في الأوساط الأكاديمية العربية والأجنبية، فإنها "نتاج لفعل فقهي تحكم بعمق في عمليات إنتاج المعنى، مثل تكفيره للمشتغلين بالفلسفة"، في رأي الوريمي التي تريد "مراجعات جذرية تبحث في شروط البناء العميق والدائم" وترفض "منطق الإصلاح البراغماتي الذي يبحث عن نتيجة عاجلة وبناء سريع، وإن كانت أسسه هشة".

أما القوى الإقليمية في المنطقة فإنها في مسارات مختلفة، فالنظام العلماني في تركيا الذي أقامه أتاتورك ينهيه بالتدرج حزب "العدالة والتنمية" الإسلامية بزعامة الرئيس رجب طيب أردوغان الذي يقول "ديننا منظومة قواعد ومحظورات تطاول كل مجالات حياتنا"، والنظام العلماني في إسرائيل تزداد سطوة الأحزاب الدينية المتطرفة عليه بحيث يقترب شيئاً فشيئاً من الحكم الديني، والنظام في جمهورية الخميني هو بالطبع سلطة دينية كاملة.

لكن المستقبل هو للتوازن بين الدين والدولة، فالوسطية هي أعلى مراحل الدين في تهذيب السلوك وحماية الأخلاق، والمدنية هي النظام الذي يعمل ويرتاح ويتساوى فيه كل المواطنين في الدولة الوطنية.

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل