في الذكرى السادسة لفض اعتصام رابعة... غاب مرسي وبقي الدم

اقتصر الجدل على مرتادي مواقع التواصل الاجتماعي وبين وسائل الإعلام المواليّة والمناهضة... وانتهت المسيرات الشعبية

أفراد من القوات المسلحة المصرية يؤمّنون ميدان رابعة بعد فض الاعتصام (أ.ف.ب)

في يومها التالي كانت الأجواءُ بالعاصمة المصريَّة (القاهرة) ملبدةً بالقلق والترقُّب، فما حدث في اليوم السابق الـ14 من أغسطس (آب) 2013 من فضٍ لاعتصامي ميداني رابعة العدوية (شرقي القاهرة) والنهضة (بمحافظة الجيزة) ينذرُ بما بعدهِ من أحداث.

أرقامٌ متضاربةٌ في إحصاءات القتلى والمصابين، وهجمةٌ حقوقيَّةٌ دوليَّةٌ لعدم انتهاج السلطات وسائل تحافظ على الأرواح. في المقابل تمسَّكت القاهرة بـ"حرفيَّة التعامل وحتميّة القرار لما بات يمثله تجمُّع أنصار الرئيس الأسبق محمد مرسي من تهديدٍ للأمن القومي للبلاد والمواطنين على مدار نحو شهرين سابقين".

وسط تعدد الروايات تمرُّ الذكرى السادسة لفض اعتصامي رابعة العدويَّة والنهضة مغايرةً لما شهدته خلال السنوات السابقة، إذ اقتصر الجدلُ على مرتادي وسائل التواصل الاجتماعي، وبين وسائل الإعلام المواليَّة والمناهضة للدولة المصرية "كلٌّ يغني على ليلاه"، وفق تعبير الباحث السياسي إبراهيم عبد الحميد. فيما كان التغيُّر الأبرز هو رحيل الرئيس الأسبق محمد مرسي المنتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين، عن المشهد بعد أن وافته المنية خلال جلسة محاكمته يونيو (حزيران) الماضي، لتتلاشى نغمة أنصاره التي ظلوا متمسكين بها من أنه "راجع إلى السلطة عمَّا قريب".

ماذا حدث صبيحة الـ14 من أغسطس؟
وفق الرواية المصريَّة الرسميَّة والروايات الحقوقيَّة والدوليَّة وحتى ما حكاه أنصار تنظيم الإخوان، فإنه في صبيحة يوم الرابع عشر من أغسطس (أب) 2013 "تدخلت قوات الأمن المصريَّة مصحوبةً بوسائل إعلام أجنبية ومحلية لفض اعتصام أنصار مرسي، وهو ما استمرّ نحو 11 ساعة".

ورغم التطابق في شكل الحدث، فإن الاختلاف كان يكمنُ في التفاصيل، لا سيما في عدد القتلى والمصابين. إذ أحصى المجلس القومي لحقوق الإنسان (شبه حكومي) سقوط 632 قتيلاً، بينهم 8 من رجال الشرطة، بينما تمسَّك تنظيم الإخوان وموالوهم بأن عدد القتلى "تجاوز الألف بين المعتصمين"، الذين كانوا يحتجون على إطاحة الجيش الرئيس الأسبق مرسي، بعد احتجاجات شعبية عارمة في الـ3 من يوليو (تموز) 2013.

على الجانب الآخر أحصت منظمات حقوقيَّة، من بينها منظمة العفو الدولية، عدد القتلى بنحو "900 شخص"، واصفةً ما حدث في الذكرى السادسة أنه "سيظل يلقي بظلاله على المصريين، ومثَّل بداية تراجع حاد في وضع حقوق الإنسان بمصر".

 

لم يكن اعتصاما رابعة والنهضة وليد يومهما، إذ بدأ أنصار مرسي وجماعة الإخوان في الثالث والعشرين من يونيو (حزيران) 2013 التجمُّع بساحة مسجد "رابعة العدوية" (سُمّي لاحقاً بميدان الشهيد هشام بركات، وهو النائب العام الذي اُغتيل عام 2015)، بحي مدينة نصر، (شرقي القاهرة)، دعماً لما سمّوه "شرعيته"، في مواجهة دعوات كانت في ذورتها تطالب بخروج المصريين على حكم مرسي وجماعته بعد نحو عام من توليه الحكم.

ورغم بعض المناوشات والاشتباكات التي جرت على مدار الأسابيع القليلة التي تلت عزل مرسي من السلطة، مثل أحداث "الحرس الجمهوري" في الـ8 من يوليو (تموز) 2013، و"المنصة" في الـ27 من الشهر ذاته، فضلاً عن أحداث "بين السرايات"، (غربي القاهرة)، في الـ2 من يوليو (تموز) 2013، بالقرب من اعتصام "النهضة"، التي أسفر جميعها عن سقوط عشرات القتلى والمصابين، فإن بدايات الفضّ الفعلي لاعتصامي "رابعة" و"النهضة"، بدأت عملياً في الـ31 من يوليو (تموز) 2013، حين فوَّضت الحكومة وزير الداخلية آنذاك محمد إبراهيم، بإعداد الخطط اللازمة لفض الاعتصامين، دون تحديد موعد بذلك.

ومع مرور الأيام التالية، لم تتمكن مبادرات محليَّة ودوليَّة من حلّ الأزمة، قال عنها مصدر أمني رفيع إن "أغلب من كانوا قائمين على تلك المبادرات، لا سيما من خارج مصر لم يكونوا يتقبلون فكرة اعتصام دائم بالقاهرة يشلّ حركة العاصمة، ويهدد أمن المواطنين".

وفي السادسة صباحاً بتوقيت القاهرة من يوم الأربعاء، الـ14 من أغسطس (آب) 2013، توجَّهت قوات الأمن المصريَّة مصحوبةً بوسائل إعلام محليَّة وأجنبيَّة لتنفيذ قرار فض اعتصامي أنصار مرسي. وعلى الرغم من فتح قوات الأمن ممرات، وفق شهود عيان، لخروج المعتصمين بشكل آمن، فإن الأخبار توالت عن سقوط قتلى وجرحى على مدار الساعات الـ11 لفض الاعتصامين.

وفي اليوم ذاته، شهدت مصر أعمال عنف على امتداد البلاد، طالت كنائس وأقسام شرطة، ومنشآت حكومية، وأسفرت عن مقتل العشرات من رجال الشرطة والجيش، وألقت السلطات بالمسؤولية على جماعة الإخوان، وحاكمت فيما بعد قادتها على إثرها، إلا أن الأخيرة نفت تلك الاتهامات.

تضاربٌ مستمرٌ في الروايات
على مدار ساعات الفض وما بعده من أيام لاحقة، ظلَّت الروايات متضاربة بشأن عدد القتلى والمصابين، ففي اليوم التالي أعلنت وزارة الصحة "سقوط 333 قتيلاً مدنياً، و7 ضباط، و1492 مصاباً خلال فض الاعتصامات". بينما قال "تحالف دعم الشرعية" المؤيد مرسي، إن ضحايا الفض "تجاوزوا 2600 قتيل، فضلاً عن آلاف المصابين والمعتقلين".

 

بدورها ذكرت منظمة "العفو الدوليَّة" في أكتوبر (تشرين الأول) 2013، أنها "وثقت 600 حالة قتل".

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) من العام ذاته، قالت مصلحة الطب الشرعي إنها "حصرت 627 قتيلاً". لتشكّل الحكومة المصرية في الـ21 من ديسمبر (كانون الأول) 2013، "لجنة تقصي حقائق" حول أحداث الـ30 من يونيو (حزيران)، (يوم خروج مظاهرات عارمة ضد حكم مرسي)، للنظّر في حوادث القتل، والأحداث التي سبقتها وأعقبتها.

ماذا تبقى من رابعة؟
على مدار السنوات الست السابقة، تغيرت ذكرى ما حدث في الرابع عشر من أغسطس (آب) 2013، حتى على صعيد تفسير الحكومة المصريَّة ما حدث وكشف معلومات جديدة بشأنها، وكذلك في صفوف جماعة الإخوان، التي فرَّ عددٌ كبيرٌ من أعضائها إلى الخارج، بينما يحاكمُ قطاعٌ كبيرٌ منهم بتهم "الإرهاب" ونشر الفوضى والعنف بالبلاد. حتى وصلت ذكرى الحادث هذا العام دون "مرسي" نفسه، بعد أن وافته المنية خلال إحدى جلسات محاكمته، وهو من تصاعدت الأحداث بسبب جدل تنحيته عن السلطة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من زخم الذكرى الأولى إلى مناوشات الذكريات اللاحقة، وصولاً إلى خفوت المناسبة على الإطلاق، تباينت ردود فعل جماعة الإخوان وحتى السلطات المصريَّة في التعامل مع الذكرى السادسة، بعد أن كانت ترفع درجات الاستعداد الأمني والتأهب القصوى قبل وبعد تلك المناسبة من كل عام.

ففي الذكرى الأولى من العام 2014، خرج عددٌ من المظاهرات والمسيرات لإحيائها بأنحاء مختلفة، فيما واصل قيادات الجماعة الفارون إلى الخارج العمل على حشد دعم دولي، يبدو أنه تآكل مع السنين لتلك القضية، فيما لم يكن من السلطات المصريَّة سوى تشديد إجراءاتها الأمنيَّة، وتعرض البلاد لبعضٍ من الأعمال الإرهابية والهجمات التي تستهدف تمركزات قوات الشرطة والجيش.

وفي عام 2015، وقبل نهاية يونيو (حزيران) من ذلك العام، كان الحدث الأبرز في مصر، وهو اغتيال النائب العام المصري هشام بركات الذي كان صاحب الإذن القضائي في فض الاعتصامين، وفي الـ12 من أغسطس (آب) من العام ذاته سُمّي ميدان "رابعة" باسمه "ميدان هشام بركات" رسمياً.

كما أحيلت في اليوم ذاته إلى محكمة الجنايات قضية بعنوان "الفض المسلح لرابعة" تضم 739 متهماً، أبرزهم مرشد "الإخوان" محمد بديع، بتهم بينها القتل وارتكاب عنف، ولم يصدر حكمٌ فيها بعد. وفي الذكرى الثانية، خرج عددٌ قليلٌ من المسيرات الإخوانية.

وفي عام 2016، تراجعت آليات الحشد بشكلٍ لافتٍ مع قيود قانون التظاهر والمواجهات الأمنية للمخالفين، وتركَّزت عبر منصات التواصل الاجتماعي لنعي ضحايا الاعتصام. فيما حلَّت الذكرى الرابعة عام 2017 دون إعلان واضح لفعاليات من جماعة "الإخوان" أو أنصارهم.

ومن الذكرى الرابعة وصولاً إلى السادسة، انتهت فكرة المسيرات التي شهدتها بعض المناطق المصريَّة، كما لم تظهر التشديدات الأمنية في الساحات والميادين المصرية الرئيسية.

سجال باقٍ على مواقع التواصل
ومع خفوت الجدلَين العام والخاص بشأن ما حدث في فض الاعتصامين، وحتى في وسائل الإعلام المصريَّة الموالية أو المناهضة لها على الصعيدين المحلي والدولي، بقيت ساحة الجدل الرئيسة في مواقع التواصل، يتجاذبه المؤيدون والمناهضون لسلطات ما بعد الثالث من يوليو (تموز) 2013.

وخلال الساعات الماضية، عاد هاشتاغ "#رابعة" وما يتبعه، للظهور على مواقع التواصل مصاحباً بالجدل ذاته بين من يؤكّد عدم نسيان ما حدث، وبين من يرى في هذه الذكرى ما يدعو إلى عدم نسيان "جرائم الإخوان" التي "اضطرت معها الدولة المصرية إلى فض الاعتصام، بعد ما مثَّله من مصدر تهديدٍ للمواطنين والدولة ذاتها".

وبين هذا وذاك، فسَّر الباحث المتخصص في شؤون الإسلام السياسي إبراهيم عبد الحميد، تراجع زخم ذكرى فض الاعتصامين، إلى وفاة الرئيس الأسبق محمد مرسي، قائلاً "كان مناصرو رابعة والنهضة يتمنّون على أنفسهم طوال السنوات الأخيرة عودة مرسي إلى السلطة رغم محاكمته بتهم إرهابية وتخابر".

وذكر عبد الحميد، "لم يعد من يتمسَّك أو يدعو في ذكرى ذلك الحادث إلى عدم نسيان جرائم الإخوان التي ارتكبوها بحق الدولة المصرية طوال السنوات الأخيرة، سوى إعادة نشر صور أو مقاطع فيديو تؤيد رؤية كل منهم، إلا أنه على أرض الواقع تجاوزت الأحداث والتطورات التي تشهدها مصر حقبة حكم جماعة الإخوان المسلمين بمجملها"، موضحاً "يبقى الدم وحده هو أسوأ ذكرى لأصحابه والدولة".

المزيد من العالم العربي