Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما أسباب اندثار شركات الإنتاج الغنائية؟

لم يستطع معظمها مواجهة القرصنة التي رافقت انتشار شبكة الإنترنت

اندثرت شركات الإنتاج أو تقلص عددها وتحديداً في مصر ولبنان ومنطقة الخليج، وحل مكانها الإنتاج الشخصي للفنان ذاته (أ ف ب)

ملخص

الوطن العربي الذي يبلغ عدد سكانه نحو نصف مليار نسمة، لا يتعدى عدد شركات الإنتاج فيه الثماني

منذ سنوات طويلة كان لشركات الإنتاج الغنائية في العالم العربي تأثير كبير في عالم صناعة الفن، وأسهمت هذه الشركات في اكتشاف عشرات المواهب التي أصبحت في ما بعد كبار النجوم الذين انتشرت أعمالهم في كل مكان. ومع مرور الزمن والتطور التكنولوجي اندثرت شركات الإنتاج أو تقلص عددها وتحديداً في مصر ولبنان ومنطقة الخليج، وحل مكانها الإنتاج الشخصي للفنان ذاته. لكن مع انطلاق الإنتاج الرقمي "الديجيتال" تبدل الحال، وأنشئت شركات خاصة بهذا المجال لأن المردود المادي للمنتج انحسر عبر المنصات والمواقع الموسيقية وأبرزها "يوتيوب".
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل أن التسويق من خلال "الرقمي" يعطي للأغنية وصاحبها نجاحاً حقيقياً؟ أم أن المشاهدات المزيفة تضيع "الطاسة"؟
ومن أجل فهم هذه المعضلة حاورنا شخصيتين بارزتين في المجال للوقوف على تداعيات هذا الموضوع، وهما المنتج المصري محسن جابر صاحب شركة "عالم الفن" التي أنتجت عشرات الأغنيات لكبار النجوم في العالم العربي منذ بداية الثمانينيات وحتى اليوم. أما المنتج الثاني فهو غسان الشرتوني صاحب شركتي "وتري" و"ميوزيك إذ ماي لايف" المتخصصتين في التسويق الرقمي.
والبداية مع محسن جابر الذي قال "يهمني أن أوضح للجمهور ما الفرق بين وجود شركات الإنتاج من عدمها، وأنا أتحدث ليس بصفتي منتجاً وصاحب مجموعة تضم شركات عدة ومنها الشركة الأساسية ’عالم الفن‘، إنما لأنني رئيس اتحاد المنتجين للصوتيات في المنطقة العربية، وهذه الجمعية كانت تضم أكثر من 70 شركة في الوطن العربي، إنما اليوم تقلص العدد إلى ثماني شركات لا أكثر. في السابق كان في السعودية عدد من شركات الإنتاج ومنها ’ميغا ستار‘، و’ميوزيك ماستر‘ وفي لبنان، وكان هناك عدد كبير من الشركات، وأبرزها ’كايرو فون‘ و’صوت لبنان‘.
 أما في مصر فكان العدد أكبر مثل ’صوت الحب‘ و’الأندلس‘ و’نفرتيتي‘ وغيرهم". وتابع جابر "هذه الشركات في نهاية التسعينيات ومع دخول الإنترنت لم تستطع أن تتعامل مع مشكلة انتشاره وتفشي القرصنة عبره، فكان المنتج يفاجأ أن الأعمال الغنائية لشركته توزعت على كل المواقع الإلكترونية، وكان التنزيل ’download‘ متاحاً للجميع ومجاناً، مما أثر سلباً في معظم المنتجين الذين أقفلوا شركاتهم أو باعوها بسبب عدم قدرتهم على تعويض خسارتهم المادية في الإنتاج، وخصوصاً نتيجة التزوير الذي كان من دون حسيب أو رقيب".
وعن اختلاف الواقع بين الماضي والحاضر أكد جابر أن "المنتجين في السبيعنيات كانوا ينتجون الأغاني التي تباع عبر الإسطوانات السوداء وحينها لم تكن السرقة سهلة، وبعد دخول شرائط الكاسيت حصل نوع من الطفرة في القرصنة لأن أصحاب شركات الإنتاج في ذلك الوقت لم يتمكنوا من التعامل مع طباعة الشرائط المزورة فخرجوا من السوق. أما الشركة التي كان لديها تطلعات للمستقبل، ومنها شركتي فاشترت ماكينات الطبع السريع وتعاملت مع الصناعة الجديدة لتضمن حقوقها المادية، واستمرت فترة الكاسيت المتعثرة لسنوات طويلة إلى أن تدخل الموسيقار الراحل محمد عبدالوهاب، وطلب من رئيس الجمهورية في مصر آنذاك أن ينشئ شرطة متخصصة أطلق عليها اسم شرطة المصنفات الفنية، وذلك في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات، وبإنشاء هذه الشرطة حصل نوع من الانضباط، وارتفع المنتج الإجمالي إلى نسبة 80 في المئة، وتقلص الفن المقرصن إلى نسبة 20 في المئة، وهذا ما ساعد في ازدهار الأغنية لأن شركات الإنتاج لا تستطيع أن تعمل في خضم سيطرة التزوير، لكن عندما تجد ممراً لدخول الإيرادات تعطي فرصة لاكتشاف الأصوات الجديدة وتدعم الأعمال الموجودة وتنتج بجودة عالية وتنفق مبالغ أكثر على التسويق، وبالتالي تظهر الأعمال الغنائية في شكل جيد".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)


ويكمل محسن جابر سرد تفاصيل رؤيته للأزمة التي أصابت شركات الإنتاج فذكر أنه "في فترة التسعينيات، ظهرت الأسطوانة اللايزر لكنها لم تصمد كثيراً أمام اجتياح الإنترنت، وهنا كانت الكارثة التي وقعت على الإنتاج الغنائي وصناعته، وفقدنا كثيراً من رونق الأغنية الجميلة لسنوات من دون تدخل الحكومات العربية التي اضطرت بعد ذلك عندما بدأت الأمور تتفلت في الواقع السياسي، وعندما أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي منبراً لكل من هب ودب، وضعت بعض الدول ضوابط على هذه المواقع لمنع انتشار الآراء السياسية المؤذية، وهذه التدخلات أسهمت في الحد من تفلت الوضع الفني، وبدأ المنتج يستفيد من الديجتال ويحصل مردوداً مادياً جيداً يساعده في الاستمرارية".

وكان لمحسن جابر في ظل هذه المعمعة استراتجيته الخاصة فكان يترقب السوق، مما جعله يشتري بعض الشركات العريقة. وأضاف "اشتريت 14 شركة ومنها ’صوت لبنان‘ التي تضم معظم أغاني الراحل فريد الأطرش وسميرة توفيق والراحلة صباح وغيرهم، ومن ثم حصلت على شركة ’فرسان‘ التي تضم أعمالاً لفنانين كثر مثل عبدالمجيد عبدالله وأصالة وعبدالله الرويشد، تلاهم شركة ’صوت الحب‘ في مصر و’غولدن كاسيت‘، وأخيراً ’صوت الفن‘ التي كان يملكها الموسيقار عبدالوهاب، وتحتوي على كل التراث الفني لعبدالحليم حافظ ووردة ونجاة وغيرهم، ثم اشتريت كل أعمال الراحلة أم كلثوم من الورثة".
وختم كلامه قائلاً "لا يوجد في السوق إلا عدد قليل من شركات الإنتاج، ومنها ’روتانا‘ التي أنشأها المهندس محمد هاشم ناقرو تحت مسمى ’سمراء‘، ثم تحولت إلى ’تارا‘، وبعدها أصبحت ’روتانا‘ التي ملكها الشيخ صالح كامل، ثم باعها إلى الأمير الوليد بن طلال. وعلى المستوى المصري لا يزال هناك عدد من شركات الإنتاج مثل ’فريي ميوزيك‘ لنصر محروس، و’هاي كواليتي‘ لطارق عبدالله، وشركات خاصة لأفراد مثل ’ناي‘ لعمرو دياب، واختفاء الشركات هو نقطة التحول التي أحدثت هزة في سوق الموسيقى".

من جهته شرح المنتج غسان الشرتوني وجهة نظره، وهو الذي كان أول من التفت إلى أهمية مواقع ومنصات الموسيقى الرقمية، فأنشأ شركة خاصة تعنى بهذا الجانب من الإنتاج والتسويق الغنائي، فقال "بالنسبة إلى المنطقة العربية لم يكن في السابق صناعة لإنتاج الأغنيات، بل كله كان مقرصناً، لذا تأثرت سلباً على مدار أكثر من 30 عاماً، لذا فإن معظم شركات الإنتاج في العالم العربي أقفلت أبوابها بعدما وجدت أن أموالها تهدر من دون أية فائدة." وأضاف "أما عن واقع الحال في الوطن العربي الذي يبلغ عدد سكانه نحو نصف مليار نسمة فإن شركات الإنتاج فيه لا تتعدى الثماني، بينما في أوروبا التي فيها عدد السكان نفسه، ففيها نحو 7600 شركة إنتاج بسبب الثقة في السوق البعيد من القرصنة والسرقات، وهذا الفرق شاسع جداً لكن مع التطور الحاصل في بعض الدول العربية، وتحديداً في السعودية، لا شك أننا في المستقبل سنشهد ولادة عدد لا بأس به من شركات الإنتاج الجديدة التي ستواكب العصر، علماً أن هذا التطور يحتاج إلى كفاءات وهذا ما ينقصنا في منطقتنا".
ومن وجهة نظر شرتوني "إن البزنس المربح سيفتح مجالاً للمستثمرين الجدد للخوض في مجال الإنتاج الغنائي، أما في ما يخص بعض الفنانين الذين أسهمت شركتي بمساعدتهم في إدارة قنواتهم الخاصة على ’يوتيوب‘، فأصبحوا منتجين منفردين لأغنياتهم وكليباتهم، وعرفوا كيف يحققون مكاسبهم المادية من دون مساعدة أية شركة، علماً أنهم في بعض الأحيان يستعينون بشركة توزيع ويحصلون على نسبة جيدة من انتشار أغنياتهم."
وبما أننا دخلنا في عصر الذكاء الاصطناعي، فهل يمكن الاستفادة من هذه التكنولوجيا؟ قال الشرتوني إن تطبيق "تشات جي بي تي" يتضمن نحو 100 مليون أغنية، وهذا أمر أسهم في انتشار أغنيات عدة بأصوات متنوعة.

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات