بطل ويليام بويد يهرب من سأم ادنبرة...  ليقع في متاهة حب باريسي

 روايته حصدت جائزة فيتزجيرالد لهذا العام... وترجمت الى الفرنسية

الكاتب البريطاني ويليام بويد (غيتي)

لم يفاجئنا نيل الكاتب البريطاني ويليام بويد جائزة "فيتزجيرالد" الأدبية العريقة لهذا العام، على روايته الأخيرة "الحب أعمى"، التي صدرت ترجمتها الفرنسية حديثاً عن دار "أكت سود"، بعد أقل من عام على صدورها في لندن. فسواء في طبيعة قصّتها أو في مناخها أو في كتابتها الأنيقة التي تشكّل خير ركيزة لاحتفاء بويد فيها بفنّ الحياة في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن الماضي، تستحضر هذه الرواية بقوة أعمال الكاتب الأميركي الكبير فرنسيس سكوت فيتزجيرالد.

تنطلق أحداث "الحب أعمى" عام 1894 في مدينة إدنبرة الاسكتلندية حيث وُلد وترعرع بطلها برودي مونكور، وهو شاب يتميّز باكراً عن أخوته وأخواته العشرة بعدم انصياعه لسلطة والده القسيس، وأيضاً بأذنه الموسيقية التي سمحت له في طفولته بدراسة الموسيقى، وفي سن الرشد، باللمعان كمدوزِن بارع لآلة البيانو. في مطلع الرواية، نراه يمارس هذه الموهبة في مؤسسة "شانون" التي تصنّع وتبيع آلات البيانو التي تحمل هذا الاسم، حين يقترح صاحبها عليه منصباً مهماً في فرعها الباريسي. اقتراح يقبله برودي فوراً للفرار من ملل العيش في مدينة إدنبرة الريفية، وأيضاً من سطوة والده الذي يحضر جمهورٌ غفير كل صباح أحد إلى كنيسته لسماع عظاته، لكنه لا يتردد في مدّ يده إلى صندوق الكنيسة لإشباع ملذاته المشبوهة. والد يكنّ لابنه كراهية شديدة يبقى سببها خفيّاً حتى نهاية الرواية.

نجم باريس

في باريس، يلمع نجم برودي كمدوزِن، وحين يتعرّف إلى عازف البيانو الشهير جون كيلبارون، لا يعود هذا الأخير قادراً على الاستغناء عن خدماته. فلأن "ليست الإيرلندي" (لقب كيلبارون) يعاني التهاباً في المفاصل، يتمكّن برودي من تلطيف ألمه أثناء عزفه من خلال دوزنة مفاتيح البيانو بطريقة تجعلها أخفّ وزناً عند اللمس. لكن حين يلتقي بعشيقة كيلبارون الجميلة، ليكا بلوم، وهي مغنية سوبرانو روسية، يقع فوراً في غرامها ويعرف نشوة مشاعر الحب ما أن يقع نظره عليها: "حين رفعت يدها، لاحظ حركة نهديها المرئية تحت قميصها الحريري، فشعر برعشة تسري في جسده كله، ما اضطرّه إلى ابتلاع ريقه لترطيب حلقه الجاف".

وكما في جميع القصص العاطفية الرومنطيقية، يختبر برودي الضياع والقلق الناتج من أي علاقة حب سرّية، قبل أن يعرف الخيانة والانتقام وألم الفراق. وكما لو أن ذلك لا يكفي، ستتدهور صحّته ويبصق جسده الدم من جرّاء مرض السلّ الذي يُصاب باكراً به. وفعلاً، لا تلبث علاقته بليكا أن تنكشف على يد شقيق كيلبارون الشرير ومدير أعماله، مالاشي، الذي يبرع في تدبير مكائده في الظل، ما يدفع برودي إلى الفرار، فيتنقّل في مختلف أنحاء أوروبا ــ باريس، نيس، جنيف، تريستي، فيينا ــ مع ليكا في البداية، ثم من دونها، قبل أن يعرف قدره خاتمة حزينة في جزر أندمان التي تقع في خليج البنغال.

رواية طبيعية 

وتجدر الإشارة هنا إلى أن بطل بويد الشاب مرسوم بشفافية تجعله، مثل شخصيات الكاتب الفرنسي ستاندال، مجرّد انعكاس يفلت من أي محاولة لمحاصرة طبيعة شخصيته. فقط حبّه غير المشروط لليكا، الذي يبقى وفياً له حتى النهاية، يجسّده ويجعله أسِراً ومؤثّراً، إلى جانب مدّه بما يلزم للتغلّب على مصاعب حياته، لكنه يمنعه في الوقت نفسه من رؤية الجانب المعتم من حبيبته. ومثل سائر شخصيات الرواية، برودي هو أيضاً شخصية تنتمي إلى عصرها الذي يمعن بويد في تعريته إلى حد يبدو فيه وكأنه آخر ممثّليه. فمثل كبار روائيي النصف الثاني من القرن التاسع عشر، نراه يسترجع جغرافية تلك الحقبة وديكورها ببراعة ومعرفة فريدتين. ولا شك في أن وصفه الحيّ والدقيق للمدن والأحياء والفنادق، وأيضاً للأزياء والعادات والأجواء التي كانت سائدة بين عامَي 1894 و1906 ــ زمن الرواية ــ هو الذي يفسّر المتعة الكبيرة التي نستشعرها لدى مرافقتنا شخصيته الرئيسة في سفرها إلى تلك المدن الأوروبية التي سبق ذكرها.

لكن قيمة هذه الرواية الضخمة (487 صفحة من القطع الكبير) لا تقتصر على ذلك، بل تكمن أيضاً وخصوصاً، في مهارة صاحبها في التلاعب بالكليشيهات والأنواع الأدبية داخلها. فبينما تبدو القصّة التي يرويها فيها وكأنها تنتمي إلى المدرسة الطبيعية الإنكليزية، في بدايتها، إلا أنها سرعان ما تتّسم بطابع متوقٍّد على الطريقة الفرنسية، وعبثي على الطريقة الروسية، وتشويقي على طريقة روايات التجسّس التي وضعها غراهام غرين.

وهذا تحديداً ما يجعلنا نشعر، في كل سطر من سطورها، أننا داخل رواية لويليام بويد. شعورٌ تعزّزه قدرة هذا الكاتب الفريدة على جرّ قارئه إلى داخل زوبعة من المغامرات المثيرة بأسلوبه المتألّق والرشيق وتلك النبرة الساخرة التي تشكّل بصمته، وبراعته اللافتة في رسم شخصياته ومدّها بواقعية مدهشة ضمن حبكة روائية محكَمة.

باختصار، رواية غنية بالألوان والتطوّرات تختلط فيها الأهواء الفردية بأحداث التاريخ الكبرى عشيّة الاضطرابات والتغييرات التي سيشهدها القرن العشرين، وتشكّل فرصة نادرة لولوج كواليس عالم الموسيقى الكلاسيكية آنذاك والتعرّف عن كثب إلى أبرز عباقرته.

المزيد من ثقافة