Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"العدالة المعطلة"... أحكام القضاء لا تعرف طريق حكومة لبنان

المسؤولون لا ينفذون 60 في المئة من قرارات "شورى الدولة"

لبنان لا يزال يواجه أزمة في تنفيذ قرارات مجلس شورى الدولة على الأرض (أ ف ب)

ملخص

فرض مجلس شورى الدولة "القضاء الإداري" في لبنان نفسه فاعلاً في "النقاش العام" حول أسباب الانهيار المالي من خلال سلسلة من القرارات القضائية التي تلزم الدولة حماية حقوق المودعين.

تحول مجلس شورى الدولة في لبنان إلى "ملجأ" وملاذ لكل الباحثين عن الإنصاف في مواجهة الحكومة، وجاءت مجموعة القرارات المتصلة بإسقاط السرية عن تقرير التدقيق الجنائي، ومنع المس بالاحتياطي الإلزامي لتثبت الدور المهم للقضاء الإداري في تصويب مسار الدولة، لكن في غياب الإرادة والآليات التنفيذية تسود "العدالة المعطلة".

اقتبس لبنان نظام القضاء الإداري من مجلس الشورى في فرنسا، الذي نشأ في ظل دستور العام الثامن للثورة، قبل أن يتطور ليصبح محكمة بالمعنى الصحيح. وأسهم في سمو مبادئه القانونية التي استندت إلى الأصول العامة للقانون، وأخذت طابعاً اجتهادياً علاجياً بحسب الفقيه القانوني زهدي يكن.

ففي هذا البلد العربي نشأ مجلس الشورى لأول مرة بموجب قرار من المفوض السامي في 16 سبتمبر (أيلول) 1924، الذي منح المجلس سلطة القضاء في جميع المنازعات التي تنتج من تنفيذ أعمال المصالح العامة أي الأعمال الإدارية. وبعد ذلك بأربع سنوات ألغي المجلس، وحولت وظائفه إلى غرفة في محكمة التمييز سميت غرفة "القضايا التمييزية"، لكن أعيد تأليفه في 12 يونيو (حزيران) 1959.

بحسب المادة 51 من نظام المجلس هو "المحكمة العادية للقضايا الإدارية، والمرجع الاستئنافي للمحكمة الإدارية الخاصة، والتمييزي في القضايا الإدارية التي عين لها القانون محكمة خاصة".

ويتولى المجلس نوعين من القضاء، "الشامل" الذي يتناول تمحيص النقاط القانونية والوقائع، وتمتد إلى الحكم بالتعويض تارة، وإلى تقويم القرار الإداري تارة أخرى، ثم "قضاء الإلغاء" الذي ينحصر في تمحيص مدى مطابقة العمل الإداري مع القانون من دون النظر إلى الوقائع وحقوق أصحاب المصلحة، كما ينظر مجلس الشورى في طلبات التفسير للنصوص أو تقدير صحة الأعمال الإدارية.

سلسلة قرارات لافتة

أخيراً أصدر مجلس شورى الدولة سلسلة من القرارات التي وضعته في قلب اللعبة المالية والاقتصادية بالبلاد، فقد أسقط القاضي كارل عيراني في قرارين منفصلين السرية عن التقرير الأولي لعملية التدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان.

جاء القرار الأول بموجب المراجعة التي تقدمت بها المفكرة القانونية، وبناء لمراجعة النائب سامي الجميل. واستندت المراجعات إلى قانون الحق في الوصول إلى المعلومات، إذ طالب المدعون وزير المال يوسف خليل بإطلاع الرأي العام على مضمون التقرير الذي قدمته شركة "ألفاريز أند مارسال"، لكن جوبهوا بالرفض، فكانت الخطوة التالية "اللجوء إلى مجلس شورى الدولة" الذي طلب من الوزارة نشر التقرير وإعلام اللبنانيين بمضمونه، رافضاً حجة الحفاظ على "الأمن القومي المالي".

أما القرار الآخر فألزم وزارة الطاقة والمياه اللبنانية الكشف عن المستندات المتعلقة بسد المسيلحة، وفرض غرامة إكراهية تبلغ ثلاثة ملايين ليرة لبنانية (200 دولار أميركي) عن كل يوم تأخير من تاريخ صدور القرار. جاء ذلك بعد المراجعة التي تقدم بها المحامي علي عباس، والصحافي أدمون ساسين.

هنا يقول المحامي علي عباس إنه "في فبراير (شباط) 2022 تقدم بطلب الوصول إلى المعلومات، لكن لم تتجاوب الإدارة فأعاد تقديم الطلب في يونيو (حزيران) من العام نفسه، ولم يأت الجواب. فما كان منا إلا أن تقدمنا إلى مجلس شورى الدولة لإلزامهم تقديم المستندات، لأنه ما زال المرجع المتخصص للنظر بهذه الطلبات بسبب عدم اكتمال ملاك الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد".

ويضيف "أصدر القاضي عيراني بالصفة المستعجلة قراراً يلزم وزارة الطاقة تقديم المستندات بموجب قانون الوصول للمعلومات"، كما تضمن القرار الصادر في أبريل (نيسان) الماضي "تضمين المستدعى ضدها الدولة اللبنانية- وزارة الطاقة والمياه، الرسوم كافة".

يلفت المحامي اللبناني الانتباه إلى أنه "بعد الحصول على صورة صالحة للتنفيذ توجهنا إلى قلم وزارة الطاقة وسجلنا، لكن لم يتم التجاوب مع الطلب". فما كان من المدعي إلا أن توجه مجدداً إلى مجلس شورى الدولة، وطلب فرض غرامة إكراهية على الوزارة عن كل يوم، وهذا ما حصل بالفعل.

ويشكل هذا القرار نقلة نوعية في عمل المجلس، وبحسب عباس "نحن أمام سوابق قانونية وفرض الحق في الوصول إلى المعلومات، وفي حال أصرت الوزارة على عدم تقديم المستندات، سنتجه إلى ديوان المحاسبة لتغريم الموظف أو الوزير الذي يعرقل تنفيذ تسليم المعلومات من خلال حسم ستة أشهر من معاشه بموجب قانون شورى الدولة".

من جهته أعلن الصحافي أدمون، في تغريدة عبر "تويتر"، تلقيه اتصالاً من وزارة الطاقة للحضور إليها غداً الإثنين للحصول على المستندات المطلوبة المتعلقة بسد المسيلحة، مضيفاً "ننتظر لمعرفة إذا كانت الاستجابة لطلبنا ستكون كاملة من دون نقصان".

الاحتياطي الإلزامي

في المسار نفسه الذي يفرض مجلس شورى الدولة شريكاً فاعلاً في القضايا المالية، أصدر قراراً يرفض مس الحكومة بالاحتياطي الإلزامي (النقد الأجنبي) لدى مصرف لبنان.

وترى الأكاديمية اللبنانية سابين الكك أن "القرار الذي صدر عن مجلس الشورى بهذا الشأن هو قرار استشاري"، مشيرة إلى أنه "بعد إصرار نواب حاكم مصرف لبنان على إصدار تشريع يسمح باللجوء إلى الاحتياطي الإلزامي، تقدمت الحكومة بطلب استشارة من مجلس شورى الدولة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبحسب الكك فإن "هذا الرأي الاستشاري غير ملزم، لكنه يمتلك قوة معنوية في ظل الظروف الراهنة"، التي تشير إلى أن "الاحتياطي الإلزامي هو مفهوم ملتبس، وربما هناك مصلحة لمصرف لبنان في ذلك خلال مرحلة الانهيار، حيث يحصل الخلط في الأرقام بين احتياطي العملات الأجنبية، والتوظيفات الإلزامية، وتغطية الليرة، والاحتياطي النظامي للمصارف".

وأضافت "ليس صحيحاً أن الاحتياطي الإلزامي هو لضمان أموال المودعين"، لأنه "بموجب قانون النقد والتسليف يفهم من هذا المصطلح الاحتياطي الذي يكونه المصرف المركزي عبر اقتطاع نسبة مئوية من السيولة التي تصل المصارف والودائع لا تتعدى 20 في المئة في حدها الأقصى، كما يمكن للمصرف المركزي إعفاء المصارف منها، من أجل وضع سياسة مصرفية تراعي متطلبات الاقتصاد، إذ يعاد للمصارف عند الحاجة إلى القيام ببعض المشاريع والتوظيفات والتسليفات، ودعم بعض القطاعات".

سؤال القوة الملزمة

تشير كتب القانون الإداري في لبنان إلى أن "الحكم ملزم للإدارة كما هو ملزم للأفراد فيجب عليها تنفيذه"، لكن هذه الإلزامية تصطدم بقبول الإدارة، ومن ثم "التنفيذ لا يتم إلا بطوع الإدارة (أي الجهة الحكومية) ولا سبيل إليه بالطرق الجبرية لعدم جواز التنفيذ جبراً عليها بوصفها صاحبة السلطات".

وأجاز الاجتهاد مقاضاة الإدارة عن الأضرار الحاصلة عن امتناعها عن التنفيذ الطوعي للحكم، كما أتاح مقاضاة الموظف المسؤول عن ذلك بصفة شخصية، وفق كتاب القضاء الإداري لزهدي يكن.

لكن الأكاديمية اللبنانية تأسف لعدم التزام الإدارة العامة قرارات مجلس شورى الدولة، مضيفة "في كثير من الأحيان تفتقد الصيغة التنفيذية، لأنه لا توجد طرق تنفيذية على المرافق العامة والإدارات العامة، لذلك تغلب عليها القوة المعنوية"، وتعطي الكك مثالاً على ذلك "عدم التزام القرار الإعدادي الذي أوقف التعميم 151 الصادر عن مصرف لبنان، والذي جاء ليؤكد أن العلاقة بين المصارف والمودعين محكومة بالعقود، وقانون الموجبات العقود، وترك الحرية للمودع وعدم إلزامه سحب وديعته وفق شروط الإذعان التي تفرضها المصارف ومصرف لبنان".

يصب في الاتجاه نفسه الموقف الذي يدلي به مصدر قضائي رفيع لـ"اندبندنت عربية"، رداً على سؤال حول كيفية إلزام الإدارة العامة التي تمتنع عن تنفيذ قرارات مجلس الدولة، إذ أشار إلى أنه "حسب المادة 93 من نظام مجلس شورى الدولة، يستطيع القاضي فرض الغرامة الإكراهية على من يتخلف عن تنفيذ حكم قضائي، وتترجم بدفع مبلغ من المال عن كل يوم تأخير".

واختتم "لكن التجارب الماضية علمتنا أن أكثرية الأحكام القضائية، ونحو 60 في المئة لا تنفذها الدولة"، و"هذا مؤسف في دولة القانون، إذ نحتاج إلى إرادة صريحة وواضحة لبناء دولة الحق والقانون، وليس النصوص وما أكثرها".

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات