Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

متى تستعيد أفريقيا ماضيها المبعثر في الشمال؟

مئات القطع الأثرية المنهوبة منذ الاستعمار لا تزال بعيدة من مواطنها ومطالبات بالتعويض عن فترة استغلالها

تمثال نحاسي يصور ديكاً صغيراً سيعيده متحف هورنيمان لنيجيريا مما نهبه جنود بريطانيون منها عام 1897 (رويترز)

لا تزال مئات القطع الأثرية التي نهبت من أفريقيا بعيدة من موطنها الأصلي بعد أن تمت سرقتها خلال الفترة الاستعمارية وقبلها حين كانت القارة تعاني التشرذم والنهب الممنهج من قبل كل مستكشفي مناطقها البكر.

وخلال العامين الماضيين تزايدت مبادرات إعادة التراث الأفريقي المنهوب أثناء فترة الاستعمار، إذ أدى الضغط السياسي المتزايد على الحكومات الأوروبية إلى إرغامها على مواجهة جرائم الفترة الاستعمارية بإعادة القطع المنهوبة التي كانت تعرض في المتاحف الأوروبية على مدى عقود.

وتتنوع هذه الكنوز ما بين المخطوطات والقطع النقدية والأعمال الفنية مثل اللوحات والتماثيل والكتب، إضافة إلى الأواني الذهبية والنحاسية والمشغولات اليدوية والمنحوتات العاجية والمعدنية وحتى عظام الحيوانات المنقرضة.

مفاوضات على الآثار

وبعد أعوام من المفاوضات توجت جهود المنظمات وثلة من الأكاديميين والمهتمين بمجال التراث باسترداد قطع تراثية مهمة منها مئات القطع البرونزية المسروقة من قصر مملكة بنين السابقة، نيجيريا الآن، والتي أعادتها السلطات الألمانية ويقدر عددها بأكثر من 1100 قطعة أثرية.

وأبرمت ألمانيا اتفاقات مع دول أفريقية عدة لإعادة هذه الآثار وسط مطالب بتعويض دول القارة السمراء عن أعوام نهب واستغلال الفن الأفريقي، إذ بدأت المجموعة الأفريقية لمتحف الإثنولوجيا في برلين والتي تضم نحو 70 ألف قطعة تعد واحدة من أكبر مجموعات الفن الأفريقي في العالم، في إعادة كنوز وآثار مهمة للدول الأفريقية شأنها شأن مؤسسة التراث الثقافي البروسي، أهم مؤسسة ثقافية في ألمانيا، التي أعادت لكل من ناميبيا ونيجيريا والكاميرون الأشياء التي سرقت خلال الحقبة الاستعمارية.

 

كما سلمت برلين دولة ناميبيا مجموعة مكونة من 23 قطعة تشمل إناء مزيناً بثلاثة رؤوس ودمية ترتدي لباساً تقليدياً ومجوهرات ورماحاً قيمة، وكذا اتفقت برلين مع الكاميرون على إعادة تمثال الإلهة نغونسو المسروق منذ 120 عاماً، كما أعادت ألمانيا صليب كيب كروس الحجري، وهو نصب تذكاري يزيد ارتفاعه على ثلاثة أمتار إلى ناميبيا عام 2019، وكان الصليب تم شحنه خلال تسعينيات القرن الـ 19 إلى برلين أثناء الاستعمار الألماني.

وفي عام 2021 أعادت فرنسا 26 عملاً إلى بنين تم نهبها من قصر أبومي التاريخي عام 1892، كما تعهدت باريس بإعادة سيف الحاج عمر التل، وهو شخصية عسكرية ودينية عظيمة في غرب أفريقيا ذاع صيتها في القرن الـ 19، ويعرض هذا السيف حالياً في داكار بعد أن أعاره المتحف الفرنسي إلى نظيره السنغالي.

وفي نهاية عام 2020 سلمت فرنسا إلى مدغشقر تاجاً من المعدن المطلي بالذهب يعود للملكة رانافالونا الثالثة، وهي الملكة الأخيرة لمملكة مدغشقر وحكمت ما بين عامي 1883 و1897.

الأفارقة يستردون ماضيهم

ولا تزال دولة ساحل العاج تنتظر إعادة 148 عملاً تراثياً تم نهبها من قبل القوات الفرنسية خلال الحقبة الاستعمارية، ومن بينها طبول تم استخدامها كأداة اتصال بين المجموعات العرقية ونقلت إلى فرنسا عام 1916، حيث توجد حالياً في متحف برانلي بباريس.

وفي بريطانيا أعادت جامعة "كامبريدج" تمثالاً من البرونز على شكل ديك نهب قبل قرن من نيجيريا أثناء فترة الاستعمار، ويعتبر هذا التمثال واحداً من مئات المنحوتات التي نهبتها القوات البريطانية عام 1897 أثناء تدمير مدينة بنين التي كانت حينئذ عاصمة مملكة بنين الواقعة في نيجيريا الحالية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي اسكتلندا أعادت جامعة "أبردين" إلى نيجيريا برونزية تمثل الملك أوبا الذي حكم بنين وتم الحصول عليها في مزاد عام 1957.

ويقول الفنان التشكيلي الشيخ سيداوا "لو تمكن الأفارقة من الوصول إلى متاحف العالم لجمعوا كل الأعمال الفنية التي سرقت من أراضيهم خلال الحقبة الاستعمارية ثم إعادوها لموطنها الأصلي".

ويشير سيداوا لـ "اندبندنت عربية" إلى أن هناك مؤسسات وباحثين يسعون إلى إعادة الكنوز المسروقة ولو رقمياً بوضع سجل وطني في كل بلد للفن المسروق".

ويطالب سيداوا الدول والمؤسسات الغربية بإعادة الكنوز المسروقة مثنياً على المتاحف الأوروبية التي بادرت بإعادة بعضها، ومناشداً الدول التي ترفض حتى الآن إعادة الكنوز الأفريقية مساعدة الفنانين الأفارقة الذين يرغبون في الاطلاع على هذه الكنوز وإتاحة الفرصة أمامهم لزيارة المتاحف واستلهام هذه الأعمال القيمة.

ويضيف، "إذا كنت فناناً أفريقيا وتريد أن تستلهم الأعمال الفنية الخاصة بمجموعتك العرقية التي خلفها أجدادك وسرقت في غفلة من البقية فعليك أن تمر بمجموعة من المراحل الصعبة لطلب التأشيرة ثم شراء تذكرة الطائرة وحجز الفندق والإقامة، كل هذا من أجل أن تشاهد أعمالاً أنت تملكها، وليس هناك كثير من الأشخاص الذين سيكونون قادرين على القيام بذلك على رغم أنهم الملاك الأصليون لهذه القطع".

تعويض الدول المنهوبة

وبعد إعادة بعض الآثار وإعلان مؤسسات أخرى استعدادها لإعادة أخرى، يبقى السؤال الذي يشغل الباحثين هو دفع التعويضات للدول الأفريقية عن سرقة تراثها وأعوام استغلاله عبر عرضه في متاحف جنت من ورائه كثيراً من المال وبخاصة في أوروبا، وفي هذا الصدد يقول الباحث السنغالي في مجال التراث عبدلاوي سايري إنه "إضافة إلى إعادة الآثار التي سرقت بعد عرضها في المتاحف والتي جنت من ورائها أرباحاً كبيرة، يجب تعويض الدول الأفريقية عن الفترة التي استغلت فيها هذه الآثار، وتعويضها أيضاً عن أي تلف لحق بهذه الكنوز والمساعدة في إعادة ترميم القطع بالطريقة التي يجب أن تكون عليها، ومساعدة الدول الأفريقية على بناء متاحف يمكنها استيعاب هذه الآثار المستردة حتى تتمكن الأجيال الصاعدة من الاطلاع عليها".

 

ويوضح الباحث أن التوغو التي كانت مستعمرة ألمانية حتى عام 1914 قدمت طلباً رسمياً للتعويض عن سرقة آثارها، إذ يوجد حالياً أساتذة وباحثون في صالات العرض والمتاحف الألمانية لتحديد الأصول الثقافية العائدة لتوغو وتقييم مبلغ التعويض.

ويؤكد الباحث أن ألمانيا تعد أكثر الدول التي أبدت استعداداً لتسهيل إعادة الكنوز المنهوبة من أفريقيا، إذ تعتبر المبادرة الألمانية في هذا الصدد جزءاً من سلسلة إجراءات اتخذتها ألمانيا أخيراً للاعتراف بجرائم الفترة الاستعمارية، مثل الاعتراف الرسمي الأخير بالإبادة الجماعية في ناميبيا.

ويقول سايري لـ "اندبندنت عربية" إنه "شيء جيد ورائع أن تسترد أفريقيا كل تراثها، ومن الجيد تشجيع جميع الذين شاركوا من بعيد أو قريب في تحقيق هذا الإنجاز من أجل تكريس هذا النهج وتشجيع البقية على إعادة الكنوز الأفريقية إلى موطنها الأصلي".

اقرأ المزيد

المزيد من فنون