رسالة مفتوحة عن أسباب صفير جمهور ليفربول أثناء عزف النشيد الوطني

أسباب الاحتجاج المعلن في " كأس الدرع الخيرية للاتحاد الإنجليزي"

ليس مجرد احتجاج على النشيد الوطني، بل تاريخ اجتماعي وثقافي وسياسي متشابك دفع جمهور ليفربول إلى الصفير أثناء إداء "ليحفظ اللـه الملكة"! (وكالة الصحافة الفرنسية)

إلى حضرة النائب الموقر جاكوب ريس- موغ

نسخة إلى: مشجعي فريق ليفربول الوطنيين/ المحافظين

الموضوع: عن التصفير للنشيد وعن أبنائك والمدينة

النائب الموقر العزيز جاكوب ريس- موغ،

على الأرجح أنّك لم تتابع مباراة "كأس الدرع الخيرية" بين فريقي ليفربول ومانشستر سيتي. كانت نتيجة المباراة التعادل الإيجابي بهدف واحد لمثله بين الفريقين، قبل أن يفوز فريق "مانشستر سيتي" بركلات الترجيح، لكني متأكد من أنك لا تكترث لتلك المسألة تماماً مثل عدم اكتراثك بمفهوم المجتمع.

في المقابل، ربما شدّ انتباهك ما وقع قبل المباراة، حين صفّر جمهور ليفربول أثناء عزف النشيد الوطني. وبما أنّ صغيريك يشجعان فريق يورغن كلوب (ليفربول)، لا بدّ أنك استأتَ من ذلك التصرف الذي يبدو أنه أثار استياء كثيرين في أنحاء البلاد، وفق ما ظهر في وسائل التواصل الاجتماعي. وربما طلبتْ مربية الأطفال من ولديك حتى أن يغلقا أذنيهما، لكنها لم تستطع حمايتهما من التعرّض لذلك الموقف المتمرّد.

لا بد أنه يصعب عليك أن تستوعب ما يدفع بتلك الكميّة من الناس إلى التشويش على النشيد الوطني ("ليحفظ الله الملكة"). تذكيراً، مالت مارغريت تاتشر إلى صنع "أعداء في الداخل"، وكانت تضع كل مشجعي كرة القدم في تلك الخانة. تلك كانت غلطتها. إذ يحب معظم مشجعي كرة القدم وطنهم بقدر ما تحبه أنت. إن مشجعي ليفربول ليسوا عاديّين، وربما يستحق موقفهم حيال النشيد الوطني بحثاً في أسبابه.  

ربما يجب أن تصطحب ابنيك لمشاهدة إحدى المباريات في ملعب الـ"آنفيلد". ولكن يجب ألا تضعهما في غرفة خاصة بل أن تدعهما يجلسان في مقاعد عادية في المدرّج، جنباً إلى جنب مع بقية سكان ليفربول ومشجعي الفريق الأوفياء. يسعدني أن أكون دليلكم وأشرح لهما تاريخ الفريق والمدينة.

إذاً، لنبدأ من الفريق. إنّ السياسة متداخلة مع ثقافة الفريق لأن الرجل الذي نَقَلَهُ من فريق قديم ومملّ إلى أحد أهم الفرق الأوروبية، كان يؤمن بأنّ اللعبة تمثّل شيئاً يتعدى الرياضة. وأثناء مراهقته، عمل ذلك الرجل، بيل شانكلي، في المناجم. واستطراداً، حمل معه أخلاقيات المناجم إلى الملاعب. ولطالما ردّد شانكلي "أؤمن بمذهب من الاشتراكية يعمل الجميع بموجبه لمصلحة بعضهم بعضاً، ويتشاركون المكافآت. تلك نظرتي إلى الحياة وكرة القدم".

تلقى تلك الكلمات صدى في مقاطعة "ميرسيسايد" (التي يمثّلها موغ) حيث ما زال السكان يشعرون بالإقصاء عن المكافآت التي يمكن لهذه البلاد أن تعطيها. لم يمض كثير من الوقت على النقاش الذي خاضته حكومة المحافظين بشأن "التضاؤل المدروس" للمنطقة. وبلغة إنجليزيّة واضحة، تُرجِمَ ذلك الكلام بسحب كل المصادر من المنطقة كي يضطر سكانها إلى الرحيل عنها. وفعلياً، جرى تجويعهم. إنّ مجرد التفكير في ذلك الاقتراح يمثّل أمراً لا يتصوّره العقل. لا بد أنك تتذكر ذلك الوقت. آنذاك، كنتَ تدور على الصحف وبرامج التلفزيون باعتبارك فتىً في الثانية عشر من عمره، يمارس لعبة الـ"مونوكل" الذكوريّة والعدوانية، ويرتدي بزة رسمية وربطة عنق ويقدّم نفسه على أنه "تلميذ مدرسة وخبير مالي" ويتباهى بامتيازاته في الحياة.

يبدو إبناك أقرب إلى الأطفال العاديين، في الأقل لجهة خياراتهما في الملابس.  

ولذا، أظن أنهما سيستمتعان بزيارة الـ"آنفيلد". إذ يقصد الناس ذلك المكان المضياف كي يسترخوا. لطالما رغب شانكلي في أن يستمتع الجميع بأوقاتهم. ثمة تمثال له خارج مدرج الـ"كوب" (= أحد مكوّنات ملعب "آنفليد") كُتِبَتْ تحته الجملة التالية، "أسْعَدَ قلوب الناس". لا شكّ أن الطفلين سيحبان الغناء والتلويح بالأعلام وطريقة لعب الفريق. إذ جمع كلوب فريقاً من مختلف الجنسيّات والثقافات، يلعب الكرة بفرحٍ مفرط.

في المقابل، ربما يطرحان عليك بعض الأسئلة. إذ قد يستفسران مثلاً عن سبب وجود الرقم "96" في الأمكنة كلّها، بدءاً باللافتات التي يحملها الجمهور ووصولاً إلى القمصان التي يرتديها. ما زال الصبيّان صغيرين كي يطّلعا على كل التفاصيل، لكن عمرهما يسمح لهما بالاستماع إلى شرح موجز عن الحوادث التي وقعت في ملعب "هيلزبوروه" في 1989 والأعوام التالية. ربما يكفي أن يعرفا أنّ 96 شخصاً قُتلوا بشكل غير قانوني خلال مباراة كرة القدم على أثر سلسلة من الأخطاء ارتكبتها الحكومة، وأن اللوم أُلقي على مشجعي كرة القدم بدلاً من المسؤولين الفعليين عن ذلك الحادث. سيُصابان بالصدمة إذا علما أنّ النائب عن حزب المحافظين إرفاين باتنيك كان أحد الأشخاص الذي لعبوا دوراً أساسياً في نشر الأكاذيب (عن ذلك الحادث)، وعائلات القتلى ما زالت تسعى إلى تحقيق العدالة بعد مرور 40 عاماً على الحادث. ربما يتفاجأن أيضاً بأنّ حليفك السياسي المقرّب بوريس جونسون نشر عدد من تلك الافتراءات عندما كان محرراً في مجلة "سبيكتايتور"، وأسوأ من ذلك أنه لم يسحب ذلك الكلام لدى استجوابه في البرلمان الشهر الماضي بعد أن تولى منصب رئاسة الوزراء.

ربما تعتقد أنهما لم ينضجا بما يكفي كي يستمعا إلى تلك الرواية، لكن جون بول جيلهولي أصغر ضحايا "هيلزبوروه"، كان في عمرٍ يسمح بأن تخضع جثته إلى فحص الكحول، مع أنّ سنوات عُمْره لم تكن تتعدّى العشرة آنذاك.

في المقابل، لا يقدم كل ما سبق شرحاً وافياً عن الأسباب التي تدفعنا إلى التشويش على النشيد الوطني. ترجع تلك الممارسة إلى وقت بعيد جداً، وقد انتشرت بشكل خاص في ثمانينيات القرن العشرين. وحتى قبل أن التعوّد على الصّفير، درج عديد من مشجعي ليفربول على إداء نشيد "ليحفظ الله فريقنا" بدلاً من "ليحفظ الله الملكة"، وقد فعلوا ذلك في نهائي مباريات "كأس الاتحاد الإنجليزي" في 1965. ويعود السبب  إلى الطبيعة الخاصة للمكان.

تمثّل ليفربول مدينة مختلفة، وكثير من سكانها لا يعتبرون أنفسهم مواطنين إنجليز. وسبب ذلك أنّ ليفربول مدينة مهاجرين، تقطن فيها أقدم الجاليات الأفريقية والصينية واستقطب ميناؤها الناس من جميع أنحاء العالم.

تطبّعت المدينة بشكل خاص بالإيرلنديين. وتركت "مجاعة البطاطا" التي نجمت عن وباء ضرب محاصيلها، تأثيراً ضخماً على مقاطعة ميرسيسايد. وإذ عبرت جموع الإيرلنديين المحرومين والجائعين البحر في منتصف القرن التاسع عشر، أصبحت الجالية الإيرلندية الأضخم في المدينة. وعانت تلك الجالية من خطاب مناهض للمهاجرين شبيه بالخطاب الذي برز خلال السنوات القليلة الماضية (على الرغم من كون إيرلندا آنذاك جزءاً من المملكة المتحدة). وطوال عقود من الزمن، لم يعتبر كثيرون من الإنجليز شرائح كبيرة من المجتمع في ليفربول، مواطنين مثلهم. وكان ذلك الموضوع  متبادلاً. إذ ظلّ الناخبون في المناطق الأكثر فقراً يختارون نائباً من الإيرلنديين القوميين حتى العام 1929. نمت هوية سكان ليفربول حول الإنتماء الإيرلندي (بما في ذلك اللـهجة)، وما زالت الأفكار الخاطئة المُعادية للـ"كيلت" أساساً لعدد من الأفكار النمطية التي استمرت إلى يومنا ذلك. إذا تصفحت الجرائد التي نشرت خلال الأعوام المئة والثمانين الماضية تستطيع أن تتبين أنماطاً تتكرر اليوم ضد جاليات اخرى. زليس نايجل فاراج سوى صدى لأفكار مبتذلة متوارثة.

ويقودني ذلك إلى نقطة أخرى. تتباهى عائلتك كثيراً بانتمائها إلى المذهب الكاثوليكي. وينتمي عديد من سكان ليفربول إلى الكاثوليكيّة. في المقابل، لا ينتمي كاثوليك ليفربول إلى النسخة ذاتها من الكاثوليكية السائدة في أبناء الطبقات العليا الذين يولمون مآدب العشاء ويلقون الخطابات لحشد الدعم. بالأحرى، ينتمي كاثوليك ليفربول إلى طبقة الفقراء. ومن ناحية اخرى، تضم المدينة أيضاً عدداً متضائلاً من أتباع جماعة "أورانج أوردر" البروتستانتية. أنا متأكد أنك وابنيك ستهتمون باختبار شعور المكان الذي يسمح فيه للناس بالتجوّل في الشوارع والتعبير عن مشاعرهم المناهضة للكاثوليك. ربما يقدّم المشهد لكم لمحة خاطفة عن التطرف البروتستانتي الموجود في شمال إيرلندا وبعض أنحاء اسكتلندا حيث يُعتبر أتباع طائفتك مواطنون من الدرجة الثانية بالنسبة لبعض الناس وضمنهم "الحزب الديمقراطي الاتحادي" الذي يدعم حكومتك. ويعي كل من تسنى له النظر عن كثب إلى ذلك الانقسام، مخاطر الألعاب السياسيّة حول الحدود الإيرلندية. 

ومع تلك الكلمات، نصل إلى موضوع الاتحاد الأوروبي. لقد موّلت أوروبا جزءاً كبيراً من أعمال النهوض بمقاطعة ميرسيسايد. واستفاد من الأموال الأوروبية عدد من الأماكن التي تشكل رموزاً للنهضة في المدينة من بينها ملعب "إيكو آرينا" ومطار "جون لينون" ومحطة السفن السياحية. واستناداً إلى ذلك، صوتت غالبية في المدينة لصالح البقاء في الاتحاد الأوروبي. لم يظهر ويستمنستر (مقر الحكومة) القدر نفسه من الكرم تجاه ليفربول، بالمقارنة مع الاتحاد الأوروبي.

أتأمل أن يكون شرحي كافياً لتبرير الصفير. إذ لا تُعزى تلك الحركة إلى سبب واحد، بل تعود إلى مجموعة معقدة من الدوافع الثقافية والتاريخية.

زاد حسّ الضيافة لدينا كثيراً بسبب شعورنا بأننا غرباء ونحن نرحّب بزيارتك مع ولديك. التقيت على مرّ السنين بأشخاص يدّعون حب الفريق لكنهم في الوقت نفسه ينفرون من المدينة وسكانها. وسيكون من المريع أن يصبح أبناك من ذلك النوع من مشجعي فريق ليفربول. لا بد أنهما سيستمتعان كثيراً إن انضما إلينا، حتى أنهما ليسا مضطرين إلى الصفير خلال النشيد الوطني.

في المقابل، سيكون أمراً رائعاً أن يترعرعا على حبّ الفريق. سيكون من المضحك أن يعودا إلى مقاطعة سوميرسيت بعد زيارة إلى ملعب آنفيلد، وهما يردّدان مقولة لشانكلي حول الاشتراكية ويعّبران عن سخطهما إزاء أحوادث "هيلزبوروه، ويمجّدان الآثار الإيجابية للهجرة وأوروبا. ما عليك سوى أن تشير إلى المباراة التي تفضّلها وسنتفق على التفاصيل.

مع خالص تحياتي،

توني.  

© The Independent

المزيد من تحلیل