اتفاق الإعلان الدستوري... بدايات مرحلة جديدة

السودان يشهد مرحلة من التفاؤل الحذر بعد الاتفاق على تشكيل حكومة مدنية مرتقبة خلال هذا الأسبوع

متظاهرون سودانيون يحتفلون في الخرطوم بعد إعلان الاتفاق على الإعلان الدستوري (أ.ف.ب)

بدخول مقالنا هذا حيز النشر، سيكون قد تم التوقيع على الوثيقة الدستورية، التي ظلت مدار تفاوض معقد، بين قوى إعلان الحرية والتغيير والمجلس العسكري. انتهى بخروج الوسيط الأفريقي البروفيسور محمد الحسن ولد لبات في ساعة مبكرة من صباح السبت الماضي 3 أغسطس (آب) معلناً ومبشراً بعبارات مقتضبة في مؤتمر صحافي قصير أنه قد تم الاتفاق الكامل على وثيقة الإعلان الدستوري بين قوى إعلان الحرية والتغيير والمجلس العسكري.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

فرحُ السودانيين بالإعلان عن الاتفاق في تلك الساعة المبكرة  من ليل السبت الماضي عكس حساً سياسياً عميقاً؛ فما إن أعلن الوسيط الأفريقي عن التوافق في الإعلان الدستوري حتى عمّت الفرحة جميع السودانيين وخرجوا إلى الشوارع والساحات في تلك الساعة المتأخرة من الليل معبرين عن فرحتهم.  

يمكن القول، إن هذا الأسبوع سيشهد ميلاد الحكومة المدنية العتيدة التي طال انتظارها، لتبدأ الشروع في استحقاقات مهام خطيرة ومعقدة، تتصل بالكثير من ملفات الأمن والسياسة في المرحلة الانتقالية المقبلة، وعلى رأسها إنشاء المفوضيات الأربع التي تم التوافق عليها؛ السلام، والدستور، والحدود، والانتخابات.

لقد بدا واضحاً أن ضغوطاً ووقائع جديدة سرعت بالتوقيع على هذا الإعلان الدستوري، حيث أبدى فيه المجلس العسكري مرونة كبيرة لتعجيل الانتقال إلى الحكومة المدنية، ولاسيما بعد محاولة الانقلاب الأخيرة من طرف رئيس هيئة الأركان السابق، وهو ما نبّه المجلس العسكري للكثير من الإشكاليات، ليس فقط حيال علاقته مع قوى إعلان الحرية والتغيير فحسب، بل كذلك داخل الجيش.

بطبيعة الحال؛ سينزاح عبء كبير كلّف السودانيين كثيراً من الأرواح والدماء والأوقات طوال الأشهر الأربعة التي تلت سقوط البشير في يوم 11 أبريل (نيسان) الماضي. وستبدأ مرحلة جديدة من التفاؤل الحذر حيال ما ستكشف عنه من استحقاقات ومهام كبرى.

قائمة المرشحين لرئاسة الحكومة والوزراء وأعضاء مجلس السيادة، رغم التسريبات التي كشفت عنها جهات إعلامية عديدة، تظل حتى الآن غير مؤكدة، وإن كان هناك ظن غالب بأيلولة رئاسة الوزراء للبروفيسور عبد الله حمدوك الخبير الاقتصادي والسياسي الدولي.

كما سيكون ملف الحرب والسلام على رأس أولويات المهام التي ستتحرك الحكومة المدنية من أجلها في الشهور الستة الأولى، لاسيما أن هناك فصيلين عسكريين كبيرين لم يوقعا، حتى الآن، على الإعلان الدستوري وهما الحركة الشعبية شمال جناح عبد العزيز الحلو، وحركة تحرير السودان جناح عبد الواحد محمد نور.

البرنامج الإسعافي الاقتصادي سيحتل حيزاً كبيراً في ظل واقع اقتصادي منهار تقريباً، إلى جانب ملفات تنموية تتعلق بتحقيق مشروع التمييز الإيجابي الذي يجعل أولوية التنمية للمناطق الأكثر تهميشاً وتضرراً.

مرحلة ما بعد الاتفاق على الإعلان الدستوري، بقيام الحكومة المدنية، ستعني فرصاً إيجابية كبيرة لصالح السودان في المحيط الإقليمي والدولي؛ تتصل بإلغاء العقوبات الاقتصادية التي كانت مفروضة على السودان لأكثر من عشرين عاماً، إلى جانب حذف اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب، مع وعود بمساعدات اقتصادية كبيرة من الولايات المتحدة والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي.

المسارات التي تعثر فيها اتفاق الإعلان الدستوري بعد أن كان الانتقال إلى المرحلة الانتقالية ممكنا، مع أول تفاهم بين قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري في شهر مايو (أيار) الماضي (حيث أعلن الطرفان حسم 90% من بنود الاتفاق بينهما) أثبتت أن محطات كثيرة لعبت دوراً في تعقيد مساره. منذ حادثة 8 رمضان التي راح ضحيتها العديد من المتظاهرين، ثم أحداث مجزرة فض اعتصام القيادة العامة، في يوم 3 يونيو (حزيران) التي راح ضحيتها أكثر من 128 ثائراً وصولاً إلى مقتل طلاب في مدينة الأبيض في الأسبوع الماضي، وختاماً بمقتل 4 متظاهرين في مليونية الخميس الماضي.  

هذا المسار المعقد لصبر السودانيين وإصرارهم على سلمية ثورتهم كشف للعالم وجهاً آخر لطبيعة الثورة السودانية، وأحدث تعاطفاً عالمياً غير مسبوق عبر مستويات تجاوزت حدود الإدانات الرسمية إلى تعبيرات فنية ومواقف أخلاقية، عبَّر عنها مشاهير في العالم من خلال تأثير القوة الناعمة، الأمر الذي بدا واضحاً، بعد ذلك، في الضغوط الدولية والإقليمية والأممية التي توجت بذلك الإنجاز الكبير.

يمكن القول كذلك، إن الثورة السودانية أعادت تعريفاً جديداً لهوية السودانيين في الذاكرة العربية؛ حيث تكشّف لكثير من المراقبين والباحثين العرب توفر المجتمع السوداني على بنيات عريقة لتجارب رائدة في التنظيمات الحزبية ومنظمات المجتمع المدني وأدوار المرأة والحياة السياسية التي عرف تاريخها الحديث ثورتين للسودانيين أسقطتا نظامين عسكريين في عامي 1964م و1985م.

كما لعب الوسيطان الأفريقي-الموريتاني، ممثلان في البروفيسور محمد الحسن ولد لبات، والإثيوبي محمود درير، دوراً مقدراً كشف عن فعالية سياسية متميزة للاتحاد الأفريقي وقدرات كبيرة لشخصيتين دبلوماسيتين توفرتا على قدر عال من النزاهة والثقافة والمعرفة والحب للسودان بما كان كافيا لتوفير أرضية صالحة في إعادة الثقة بين الفرقاء السودانيين، وصولاً إلى هذا الاتفاق عن الإعلان الدستوري الذي سيكون له ما بعده، وستشهد مراسم التوقيع عليه في الأسبوع المقبل حفلاً مشهوداً بحضور العديد من القادة وكبار الشخصيات السياسية في دور الجوار.

المزيد من آراء