Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رحيل فيليب سولرس رائد العصر الأدبي الفرنسي الجديد

كتب 80 رواية ودراسة وأسس مجلة الطليعة الثقافية وتطرق إلى مواضيع مرتبطة بالمرأة والحب والسياسة والفن والصراع الفكري وحركة الوجود في التاريخ 

فيليب سولرس في شيخوخته (أ ف ب)

الكاتب والروائي والباحث والناقد الأدبي الفرنسي فيليب سولرس (1936-2023) توفي في باريس عن عمر يناهز 86 سنة. وقد نعته في بيان منشورات غاليمار ورئاسة الحكومة ووزارة الثقافة والأوساط الأدبية الفرنسية والعالمية، هو الذي ارتبط اسمه بأكثر من 80 رواية ودراسة، وبعدد من النشاطات الفكرية كإصداره مجلتين طليعيتين الأولى بعنوان "تل كل" مع المفكر جان-بيار فاي عام 1960. نشر سولرس في هذه المجلة التي شكلت تياراً أدبياً وفكرياً بارزاً، نصوصاً لكبار الأدباء والنقاد والمفكرين الفرنسيين أمثال رولان بارت وجورج باتاي، وميشال فوكو وجاك ديريدا، وجيرار جينيت وأمبرتو إيكو وجوليا كريستيفا، وجاك لاكان وجيل دولوز، وسواهم. وقد أصبحت المجلة لاحقاً منصة مهمة للنقد البنيوي الحديث. ثم أطلق مجلة ثانية حملت اسم  "لينفيني" (اللانهائي) بالتعاون مع منشورات غاليمار سنة 1983، معرفاً من خلالها الجمهور الفرنسي على الشكلانيين الروس مثل تزفيتان تودوروف، وتحولات "الرواية الجديدة" مع آلان روب - غرييه وناتالي ساروت وغيرهما، مطلقاً فيها سلسلة من المقالات التي قدمت قراءات حداثية للكتاب والشعراء الكلاسيكيين، كالإغريقي هوميروس والفرنسيين الكلاسيكيين ڤيون وراسين ولافونتين والماركيز دو ساد... فضلاً عن مشاركته في عالم النشر من خلال عمله كمدير لمجموعة "لينفيني" في دار غاليمار العريقة، التي نشر فهيا أعمالاً لأصوات بارزة وجديدة، ومشاركته في إعداد البرامج الثقافية الإذاعية والتلفزيونية.

الطليعي والمجدد

أطلقت بعض المراجع والكتاب على سولرس ألقاباً مهمة كـ"الدرة الفريدة في عالم الأدب" و"المحرك الدؤوب للحياة الفكرية" و"الكاتب الاستفزازي" و"عاشق الفنون الجميلة والموسيقى والآداب" و"مجدد الكتابة الروائية" و"الروائي غير التقليدي"، و"الكاتب الطليعي" وغيرها من الألقاب. وأشادت وزيرة الثقافة الفرنسية ريما عبدالملك بشخص سولرس وأدبه، ووصفته بأنه شخصية عصية على التصنيف، قلبت العصر رأساً على عقب، مؤكدة مع رئيسة الوزراء إليزابيت بورن، على أنه سيظل مصدر إلهام للأجيال المقبلة.

 وفيليب سولرس، المولود فيليب جوايو في الـ28 من نوفمبر (تشرين الثاني) سنة 1936 في مدينة تالانس الواقعة في جنوب غربي فرنسا قرب بوردو في مقاطعة جيروند، لعائلة كاثوليكية برجوازية، يعد بحق واحداً من أهم الكتاب والمفكرين الفرنسيين المعاصرين المؤثرين في الساحة الأدبية الفرنسية منذ ستينيات القرن الـ20. انتقل عام 1955 إلى باريس بغية متابعة دراسته الأكاديمية. لكنه سرعان ما تخلى عن الدراسة لصالح المشاركة الفاعلة في الحياة الثقافية، بدءاً من تردده على الأوساط الأدبية الباريسية ولقائه بالكاتب والشاعر فرنسيس بونج. كان هذا اللقاء مفصلياً في مسرى فيليب جوايو الذي قرر آنذاك التفرغ التام للكتابة، وهذا واضح في اختياره لاسمه الأدبي المستعار "سولرس" المشتق من اللاتينية (sollus" و"ars") ومعناه "المكرس بالكامل للآداب".

بدأت مسيرة سولرس الأدبية سنة 1957 حين نشر أول نص له بعنوان "التحدي" في مجلة "كتابات" الصادرة عن منشورات "سوي" التي ترأس تحريرها آنذاك جان كايرول. لكن شهرته لم تبدأ بالفعل إلا عام 1958 حين صدرت روايته الأولى "عزلة فضولية" ولم يكن بعد قد تجاوز 22 سنة من عمره. وقد أشاد بهذه الكتابات كل من فرانسوا مورياك ولويس أراغون. غير أن الأسلوب الكلاسيكي الذي اعتمده في كتابة روايته الأولى بدأ شيئاً فشيئاً بالتغير في روايته الثانية التي نشرها سنة 1961 تحت عنوان "الحديقة" التي نال على إثرها "جائزة مديسيس" المرموقة.

صاحب الأسلوب الفريد

وفي عز بروز اسمه في الأوساط الأدبية الباريسية، استدعي سولرس لأداء الخدمة العسكرية الإجبارية يوم اشتداد النزاع المسلح المندلع بين فرنسا وجبهة التحرير الوطني الجزائرية سنة 1962. غير أنه تعلل بإصابته بمرض انفصام الشخصية، مما كلفه الإقامة تحت المراقبة الطبية في مستشفى ثكنة عسكرية مدة ثلاثة أشهر، قبل أن يتم إعفاؤه وتسريحه بعد تدخل الأديب ووزير الثقافة آنذاك أندريه مالرو.

في رواية "الحقيقة"، كما في الروايات اللاحقة، بدأ سولرس بالبحث عن أسلوب أدبي فريد يبعده عن القوالب السردية التقليدية للرواية الفرنسية، بسبب تأثره بالثقافة الصينية وباستكشافه حدود الكتابة والتجريد. قادته هذه التجارب بداية إلى وضع نصوص مغايرة في تركيبتها الأدبية وبنيتها الفنية، منظمة بشكل عقلاني، كما في رواية "دراما" التي نشرها سنة 1965 التي صدرت عن منشورات "سوي" وفقاً لتصميم مكون من 64 قسماً، مشابهاً لتقسيمات رقع الشطرنج. ثم اتبع هذه الرواية بإصدارات لاح من خلالها نضج أسلوبه وتطوره نحو نزعة تفكيكية لأساليب السرد التقليدي، استكشف من خلالها العلاقة بين اللغة والتاريخ واللاوعي. وقد تميزت بعض أعماله بتأثير واضح للكاتب والشاعر الأيرلندي المجدد جيمس جويس من خلال المقاطع التي ترجمها بالتعاون مع ستيفن هيث من رواية "سبل فينغان". كما افتتن سولرس بالإيقاع الأدبي للنصوص الدينية، لا سيما نصوص الكتاب المقدس، وكتابات عزرا باوند الذي تجاوز بحسبه الكتابة التلقائية. وقد روى سولرس مناقشة تمت بينه وبين إمبرتو إيكو في إحدى حانات نيويورك، أثناء مشاهدتهما لمتعريات صينيات تناولت فكر توما الأكويني، وفرادة جيمس جويس الأدبية.

بدأ سولرس منذ عام 1974 بتجربة الكتابة المستمرة لروايته المعنونة "فردوس" التي ظهرت في شكل متسلسل  على مدى سنوات في مجلة "تل كل"، التي نظر إليها بعض النقاد بوصفها الرواية الأبرز في حياته الأدبية، إن من خلال الأفكار أو من خلال صياغتها الجمالية. قدمت هذه الرواية نفسها بوصفها "آلة" قادرة على تسجيل وكتابة كل ما يقال في عصر ما بعد الحداثة، من دون اللجوء على مستوى المبنى إلى استعمال علامات الوقف والمقاطع والفصول. أما على مستوى المعنى، فلم تتناول هذه الرواية حبكة حكائية واحدة، بل آلاف الحكايات اتحد معها المؤلف نفسه في أكثر من موضع . ثم اتبعها سولرس بإصدار كثير من الروايات، منها على سبيل المثال لا الحصر، "نساء" و"صورة اللاعب" التي تعد إلى حد كبير سيرته الذاتية، و"العيد في البندقية" و"السر" و"كنز الحب" و"رحالة الزمان" و"رغبة" التي قدمها إلى القراء باللغة العربية الشاعر اللبناني عيسى مخلوف في ترجمة صدرت عن دار الرافدين سنة 2022 ضاهت في جمال لغتها لغة الرواية الأصلية.

لعبة مرايا

وقد لجأ سولرس في كتابتها إلى أسلوب لعبة مرايا مذهلة، تقاطعت فيها الظلال والملامح في تقديم وترجيع سريع بين شخصيات متعددة من حقبات تاريخية مختلفة، كرامبو ولوي كلود دو سان مارتان المعروف بالفيلسوف المجهول ومؤلفين موسيقيين كبيتهوفن، لعبت فيها المقدمة والخاتمة، كما في سائر رواياته، دوراً خاصاً لدى القارئ والناقد. وقد سبق له أن أشار في إحدى مقابلاته إلى أن "على الجملة الأولى أن تفرض نفسها، وأن تدوزن ما سيأتي. فهي التي تحدد النغمة المناسبة، وتبين مسار السفينة. أما القفلة فتوصد ما يجب أن يوصد، وتنهي ما يجب أن ينتهي، فتكتمل الحلقة". ويوضح سولرس أن لديه دوراً في عملية الكتابة وليس بإمكانه التخلي عن الحبر والورق.

ولفيليب سولرس أيضاً دراسات أدبية وسير عدد من الشخصيات الفكرية والأدبية مثل جاكومو كازانوفا وغيره، إضافة إلى مئات المقالات في المجلات والصحافة الثقافية، اتكأت كلها على أسانيد تاريخية وفنية وفلسفية وأدبية عديدة.

 اقترن اسم سولرس باسم زوجته الناقدة والمحللة النفسية والفيلسوفة البلغارية الأصل جوليا كريستيفا، وله منها ولد وحيد يدعى دافيد. هي برأيه أذكى امرأة عرفها، تمثل "العبقرية الأنثوية" في أجمل معانيها. علماً أنه كان على علاقة غرامية دامت لأكثر من 50 عاماً مع الروائية البلجيكية دومينيك رولان (1913-2012) التي تبادل وإياها عديداً من المراسلات المحفوظة في مجموعة خاصة في المكتبة الملكية البلجيكية، وقد بدأت دار غاليمار بنشر بعضها. كذلك نشر عام 2013 كتاب بعنوان "صور نساء"، تحدث فيه عن والدته مارسيل مولينييه، وعن زوجته جوليا كريستيفا، وعشيقته دومينيك رولان، فضلاً عن بعض النسوة اللاتي عرفهن وبعض الشخصيات النسائية التاريخية.

رفيق رولان بارت

اقترن اسم سولرس باسم الناقد والمفكر الدلالي رولان بارت، الذي كرس له كتاباً لافتاً حمل عنوان "سولرس، كاتباً" صدر عام 1979 جمع فيه ستة نصوص نقدية قيم خلالها بارت نتاج سولرس الأدبي الصادر منذ عام 1965 وفق قواعد نقدية جديدة، مقدماً فيها قراءة قيمة لنصوصه التي كانت حينها تعاكس ذائقة القراء.

 اشتهر فيليب سولرس بشغفه بإيطاليا وبمدينة البندقية التي عشقها تحديداً لعمارتها وفنونها، شأنه في ذلك شأن شأن مارسيل بروست، وبافتتانه بدانتي الذي خصه بكتاب ضخم، وباهتمامه بالماركسية والصين التي تعلم لغتها وتعلق بزعيمها الراحل ماو تسي تونغ، عبر مواكبته للثورة الثقافية الصينية التي انطلقت سنة 1966 وانضمامه إلى الحزب الشيوعي الفرنسي، ومشاركته بالتظاهرات الطلابية والعمالية التي حصلت في انتفاضة مايو (أيار) عام 1968 في باريس، إلى جانب لويس أراغون وإلسا تريوليه وجان-لوك غودار وغيرهم من المثقفين الفرنسيين.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وكانت الحكومة الصينية دعت فيليب سولرس وجوليا كريستيفا ومارسلان بلينيت وفرانسوا ڤال ورولان بارت في منتصف السبعينيات من القرن الماضي إلى تمضية ثلاثة أسابيع في الصين، خصص سولرس على إثرها ملفاً كاملاً عن الثورة الثقافية الصينية نشره في مجلة "تل كل". غير أنه ما لبث أن وقع بعد حين على نص نشر في صحيفة "لوموند" الفرنسية انتقد فيه الخط الصيني الجديد بقيادة دنغ شياو بينغ مؤكداً أهمية الصين الماوية. ولعل افتتان سولرس بالصين الماوية، يعود بحسب المؤرخ والباحث كريستوف بورسولييه في كتابه المخصص لتاريخ الصين الحديثة، إلى فكرة تجديد اللغة والأدب من خلال تجربة جذرية، أشار إليها في نهاية الفصل الذي خصصه لتعلق سولرس بالفترة الصينية الماوية.

رافق فيليب سولرس في حياته كل الاتجاهات والحركات الفكرية والأدبية التي عاصرها كظاهرة الفلاسفة الجدد في فرنسا وخلو الساحة الفكرية والسياسية منذ الثمانينيات من أسماء بارزة مثل ديغول ومالرو وبارت وسارتر ولاكان وبوفوار وفوكو ودولوز. هو الذي تغذى من قراءة نصوص كتاب عظام من أمثال جول ڤيرن وفينيلون وبلزاك وبروست معلمه الأول وبودلير ورامبو ولوتريامون والسورياليين وبونج وبلانشو وميشو وبولان وباتاي ومورياك وأراغون وغيرهم من المفكرين والكتاب. وتداخلت قصص رواياته بأحداث حياته، بعد أن ارتبط اسمه بعبارات باتت مشهورة كقوله إن "القرن الـ20 مخيب للآمال" وإن "فرنسا باتت متعفنة ومنخورة"، وإن"المجانين والمجنونات في العالم إلى ازدياد، يلاحقون الناس بهذيانهم وخربشاتهم واجتراراتهم". وتناول في رواياته قضايا الساعة، مثل البث المباشر، والعولمة، والذكاء الاصطناعي والعالم الرقمي الافتراضي، والعنف والتحرش الجنسي، والحركات النسوية وعواقبها، وموقفه السلبي من تحرر خطاب المرأة والاضطرابات السياسية، وغيرها من المواضيع والقضايا كاهتمامه بتاريخ الفن ومفهوم اللذة... ولعل أهمية بعض رواياته مثل "حب أميركي" و"حياة مقدسة" و"المسافرون عبر الزمن" و"رغبة"، تكمن في انطلاقها من الماضي لتتحدث عن الحاضر وتستشرف المستقبل لإنسان ما بعد الحداثة.

أسئلة وجودية

كل كتابات فيليب سولرس السردية أو النقدية تطرح عديداً من الأسئلة الوجودية المرتبطة بحياة المجتمع الفرنسي بخاصة والإنساني بعامة. وقد استثمر المؤلف في كتابتها ثقافته في التحليل النفسي والتاريخ والأدب والفلسفة والشعر والدين، بغية فهم حركة الوجود في التاريخ. وتطرق في معظمها إلى مواضيع مرتبطة بالمرأة والحب والسياسة والفن والصراع بين الفرد الخلاق الساعي وراء السعادة، وبين مجتمع مزيف غير منتج. ويظهر للقارئ المتابع أعمال سولرس الأدبية تأثره في بعض الأحيان بأسلوب سيلين وبول موران والمؤلفين الأميركيين من أمثال ويليام فولكنر وإرنست همنغواي وهنري ميلر وجاك كيرواك وتشارلز بوكوفسكي.

يبقى في النهاية أن فيليب سولرس قدم لقرائه حياته مجسدة في قالب نصي، حاول من خلاله ترجمة تجربته ورؤياه الحياتية، بحيث أصبحت كلماته جسداً وتحول جسده إلى قلم وكلمات، عبر من خلالها عن أحاسيسه وأفكاره، هو الذي عرف بثوريته ونقده لعالم جديد بدأت ملامحه تبصر النور، سماه "عالم الرغبة المضادة". ستفتقد الساحة الفكرية الفرنسية حتماً قلم فيليب سولرس الجامح ونقده المستفز أحياناً. لكنها بالتأكيد ستجد في غزير نتاجه أفكاراً ملهمة ترجع صدى صوته الذي لن ينطفئ أبداً.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة