رولان بارت... الحزن على فقدان الأم حين يمتد حتى النهاية

"يوميات الحِداد" كتاب ما بعد الرحيل... في ترجمة عربية

الكاتب الفرنسي رولان بارت (المعهد الفرنسي)

"يوميات الحِداد"، مشروع كتاب لرولان بارت، يرثي فيه أمه التي ماتت وهي في عمر الرابعة والثمانين عاماً، لكنه مات قبل أن ينشره. ناتالي ليجير جمعت تلك اليوميات في كتاب، صدرت ترجمته إلى العربية حديثاً عن المركز القومي المصري للترجمة، بتوقيع إيناس صادق. تغطي تلك اليوميات الفترة من 26 أكتوبر 1977 إلى 15 سبتمبر 1979، وتضمنها الكتاب الذي يتألف من 99 صفحة وهي مرتَّبة ترتيباً تاريخياً. الأم هنرييت بينجر، كانت في العشرين من عمرها عندما تزوجها لويس بارت، الذي ما لبث أن مات في الحرب، بعد نحو ثلاث سنوات على ذلك الزواج. بدأ رولان بارت تدوين تلك اليوميات بالعبارة التالية: "أولى ليالي العرس، ولكن أول ليلة حِداد". ثم توالت تلك اليوميات بانتظام لنحو ثلاث سنوات، ويفصل آخرها عن وفاته متأثرا بحادث سير نحو سبعة أشهر. توفيت والدة رولان بارت في 25 أكتوبر 1977 وفي اليوم التالي شرع في تدوين يوميات حِداده عليها، وفي ذهنه أن مدى ذلك الحِداد لن يتجاوز 18 شهراً، بحسب ما أخبره به صديقٌ كان يرى أن الحِداد على الأم أو الأب لا يمكن أن يمتد لأكثر من عام ونصف العام. في تدوينات مستهل تلك اليوميات كتب رولان بارت: "الحِداد معادلٌ للإحباط: إن الجميع يحسب درجة كثافة الحِداد، ولكن من المستحيل أن تقاس إلى أي درجة وصلت" صـ12.

البعض أطلق على ذلك المشروع "دفتر الحداد"، وفي الواقع كان رولان بارت يكتب بالحبر، وأحيانا بالقلم الرصاص، على بطاقات كان يعدها بنفسه من أوراق ذات مقاس موحَّد، كان يقطعها إلى أربعة أجزاء، وكان يحتفظ دائما باحتياطي منها على مكتبه. إن المجموعة الكاملة من صندوق البطاقات التي جمعها رولان بارت، موجودة في هذا الكتاب الذي أعدته ناتالي ليجير وفسرت ما غمض من نصوصه، وهي تقول في المقدمة: "لقد أعدنا ترتيب البطاقات ترتيباً تاريخياً عندما كان يفرض علينا دائماً تحريراً مختصراً، لكن بعض البطاقات كانت مكتوبة على الوجهين، وأحياناً كان النص يتتابع على الوجه فقط لبطاقات كثيرة، وتشير الحروف الأولى التي استخدمها رولان بارت إلى الأشخاص المقربين، وقد حافظنا عليها، وتقوم بعض الملاحظات الموجودة في الهوامش في نهاية كل صفحة بتوضيح النص أو تفسير بعض التلميحات".

في سياق التدوينات الأولى، التي بدأها في اليوم التالي لرحيل الأم، يجد رولان بارت نفسه للمرة الأولى متقبلاً فكرة موته هو شخصياً. كان ذلك يحدث للمرة الأولى في حياته وقد بلغ الثانية والستين من عمره. لكنه كان بالرغم من ذلك يتشكك في قول من يعزونه إن أمه بموتها لم تعد تتألم. في الشهور الستة الأخيرة من عمرها تفرَّغ لرعايتها... "ونسيتُ أني كنتُ أكتب. لم أعد مهتما بشغف إلا بها. قبل ذلك كانت تجعل نفسها شفَّافة حتى أتمكَّن من الكتابة". ثم يكتب فيما شعور بالذنب يغمره: "فكرة مذهلة، ولكنها ليست محزنة أنا (أي أمه) لم تكن كل شيء بالنسبة لي، وإللا ما كنت كتبتُ مؤلفاتي". ويضيف في موضع آخر: "المدهش في هذه المذكرات أنها كانت فريسة لانتباه العقل. منذئذ وإلى الأبد أصبحت أنا نفسي، أمي نفسها".

ومعروف أن مؤلفات رولان بارت اتسعت لتشمل حقولا فكرية كثيرة، وتركت أثراً في تطور مدارس عدة كالبنيوية والماركسية وما بعد البنيوية والوجودية، بالإضافة إلى علم الدلالة. وهو كذلك يعتبر من الأعلام الكبار - إلى جانب ميشيل فوكو وجاك دريدا وغيرهما - في تيار ما بعد الحداثة.

وفي مناسبة الاحتفال بمئوية مولده في العام 2015، صدر كتاب "رولان بارت: سيرة ذاتية" للكاتبة تيفين سامويو، وجاء فيه أنه كان ينوي صباح اليوم الذي تعرض فيه لحادث دهس (25 فبراير 1980) التوجّه إلى "الكوليج دي فرانس"؛ لتهيئة التفاصيل التقنية التي تحتاجها محاضرة كان يفترض أن يلقيها في مدينة ميلانو الإيطالية خلال ندوة حول كتابات ستندال (1783 – 1842)، وذلك بعد حضوره حفل غداء دعاه إليه جاك لانغ، الذي صار في ما بعد وزيرا للثقافة، في إطار حرص هذا الأخير على تمكين صديقه الاشتراكي فرانسوا ميتران من ملاقاة النخبة الفرنسية في الآداب والفنون والسلك الأكاديمي، وذلك لاستمالتهم إليه حتى يُقوّي حظوظَه في الفوز بالانتخابات الرئاسية أمام منافسه فاليري جيسكار ديستان.

الأم - الإبنة

في العاشر من نوفمبر 1977 كتب بارت في يومياته: "أشعر بضيق يكاد يكون شعورا بالذنب، لأني أحياناً أعتقد أن حزني يتحول إلى مجرد تأثر. ولكن طوال حياتي، ألم أكن كذلك: متأثرا؟" صـ21. وفي موضع آخر يكتب: "لشهور عدة، كنتُ أمها: لكأني فقدتُ ابنتي، وهل هناك ألمٌ أكبر من ذلك؟". ويسأل: "هل تعني إمكانية العيش بدون شخص كنا نحبه، أننا كنا نحبه أقل مما كنا نعتقد؟" صـ26. في تلك اليوميات يتجلى تشبث بارت بحزنه، ومن ثم حِداده. وفيها كذلك رجع إلى ما كتبه في هذا السياق المؤلف الموسيقي الأميركي جون كاج وآخرين، ثم يقرر: "انا لست في حِداد. أنا حزين". وبحسب ناتالي ليجير فإن بارت ألَّف خلال صيف 1979 تحت عنوان "حياة جديدة" موضوعا كانت الأم فيه أحد الأبطال الأساسيين. وفي 24 مارس 1978 كتب في يومياته بنزوع شعري واضح: "الحزنُ مثلُ حجرٍ معلَّق في رقبتي وفي أعماق نفسي". ومن 15 إلى 27 أبريل 1978 زار بارت المغرب، وهناك واصل تدوين "يوميات الحِداد"، ومما كتبه خلال تلك الرحلة: "منذ أصبحت ماما غير موجودة، لم أعد أشعر بانطباع الحرية الذي كنت أشعر به في أثناء السفر عندما كنت أتركها لقليل من الوقت"، وكتب كذلك: "فكرة موت ماما: تذبذبات مباغتة وعابرة، فقدان الوعي لفترات قصيرة جدا، صراعات مؤلمة ورغم ذلك تبدو كما لو كانت خاوية، والتي جوهرها هو: اليقين بالنهاية". وتعلق ليجير هنا بالقول: "في أثناء هذه الرحلة (إلى المغرب) شعر رولان بارت بانبها مماثل للإشراقة التي شعر بها بروست في نهاية الزمن المسترجع. هذه الإشراقة توجد في صلب مشروع محاضرة بارت الحياة الجديدة، ومحاضرته عن إعداد الرواية".

وبمرور الوقت تتسع مساحة البوح، ويجد بارت نفسه يقسم حِداده إلى أول وثان. الأول يعتبره "حرية كاذبة"، والثاني "حرية حزينة، قاتلة بلا عمل مناسب، ولكن يعود الحداد طازجا كما كان في يومه الأول" صـ51.

صاحب كتاب "لذة النص" كان أبوه ضابطاً في البحرية التجارية، مات خلال معركة في بحر الشمال عام 1916. وبحسب البعض فإن السبب المباشر لموت بارت لم يكن حادث السير، وإنما المضاعفات الرئوية الناجمة عن حالة الفشل المزمن لجهازه التنفسي، وهو ما جعل النيابة العامة في باريس تبرئ سائق الشاحنة التي دهسته وهو بلغاري الجنسية. ومع ذلك تواصل إصرار البعض على أن صاحب كتاب "النقد والحقيقة"، تعرض لحادث دهس كان وليد مؤامرة.

وتشير، كاتبة سيرة بارت الذاتية، إلى أن معظم الذين حضروا خروج جثمانه من مشرحة المستشفى الباريسي كان من طلبته، ومعهم نفر من زملائه وأصدقائه، أمثال الدبلوماسي فيليب روبيرول، وفيليب سولرز، وإيتالو كالفينو، وفوكو، وغريماس، وجوليا كريستيفا، "وهو أمر يشي بالتهميش الذي لحق رولان بارت في الوسط الثقافي على كثرة كتاباته وجِدَّة أفكاره وتنوّعها".

وبحسب سيرته الذاتية أيضا، بقى موت والدته أهمّ عامل من عوامل تنامي أحزانه، فقد مثّلت بالنسبة إليه –منذ وفاة والده– المرجع العائلي الوحيد والمتَّكأَ العاطفي الذي يلوذ به كلما فترت رغبتُه في الحياة. وبموت والدته، حفلت دروسه الجامعية بمعاني الفقد والوحدة والحزن على غرار درسه المعنون بـ"المحايد" (كوليج دي فرانس سنة 1978) وكتابه "الغرفة المضيئة" الذي كتبه سنة 1979، وشذراته المعنونة بـ "يوميات الحِداد"، وجاء فيها: "لم أكن مثلها، لأنني لم أمت معها".

وقد تنبّه جاك دريدا إلى انهمار معنى الموت في كتابات بارت على غرار تعريفه للرواية بالقول: "الرواية موت، إنها تجعل من الحياة قدرا، ومن الذكرى فعلا مفيدا، ومن الديمومة زمنا مُوجّها ذا دلالة"، وقد كتب دريدا مقالة في الغرض بعنوان: «موتُ رولان بارت المُتعدّد» وذهب فيها إلى تأكيد حقيقة أنّ معنى الموت مبثوث في أغلب ما كتب بارت واحتلّ من كيانه فضاءَات كبيرةً إلى الحدّ الذي صار فيه "موتاً بصيغة الجمع".

المزيد من ثقافة