Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

جهاد سعد: حين أشاهد نفسي في دور الصعيدي لا أعرفني

خاض بيئة اهل الصعيد بنجاح  في مسلسل "ستهم" واكتشف ثقافة مختلفة

جهاد سعد في دور الصعيدي رماح في مسلسل " ستهم" المصري (ملف المسلسل) 

ملخص

للمرة الأولى يقوم الممثل السوري #جهاد_سعد بأداء شخصية صعيدية في مسلسل يحمل عنوان "سِتهُم"، فماذا يقول عن التجربة؟

جمع الممثل السوري جهاد سعد (اللاذقية-1953) في رصيده عشرات الأدوار بين المسرح والسينما والتلفزيون، ونال العديد من الجوائز عن إخراجه وتأليفه للعديد من الأعمال المسرحية منها "جائزة التانيت الذهبي" لأفضل إخراج في مهرجان قرطاج- 1995 عن مسرحية "كاليغولا"، وأشرف على تخريج العديد من دفعات الطلاب في المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق، كان أبرزها عرض بعنوان "كلاسيك"- عام 2001، استقاه من نصوص المسرح الإغريقي، وعرض آخر بعنوان "هستيريا"- 2014، عن ضياع الفكر والوجهة لدى جيل الحرب السورية.

هذه الأيام يعيش جهاد تجربة خاصة على الصعيد المهني، فللمرة الأولى يقوم بأداء شخصية صعيدية في مسلسل يحمل عنوان "سِتهُم"، وهو من تأليف ناصر عبدالرحمن وإخراج رؤوف عبدالعزيز. العمل الذي حقق منذ حلقاته الأولى جماهيرية كبيرة في مصر، وحصد ملايين المشاهدات على منصات المتابعة، أعاد سعد بقوة إلى واجهة أعمال الدراما المصرية، التي يعتبر سعد نفسه ابنها الشرعي، كيف لا وهو خريج قسم التمثيل والإخراج في المعهد العالي للفنون المسرحية في القاهرة منذ عام 1980.

أقام الممثل والمخرج السوري عشرات الورش المسرحية في ألمانيا وفرنسا ونيويورك ودبي ومصر والباكستان، وشغل منصب مدير المسرح القومي في دمشق لسنوات طويلة، محققاً كتابةً وإخراجاً ما بات يعرف اليوم بروائع الزمن الجميل في المسرح السوري، ولعل أهمها مسرحية "هجرة أنتيغون"-عام 2005، ومسرحية "خارج السرب")-عام 1999 عن نص لمحمد الماغوط، ومسرحية "أواكس"- عام 1993، التي استشرف سعد من خلالها الأحداث الدموية في بلاده، ولا سيما في المشهد الأخير من العرض، الذي صوّر فيه مقتل مجموعة من الأطفال والأبرياء خنقاً بالغاز السام.  

تجارب متنوعة

حقق صاحب شخصية "عمر الخيام" مشاركات بارزة في الدراما المصرية كان أهمها مع النجم عادل إمام في مسلسليه "فرقة ناجي عطا الله" و"مأمون وشركاه"، ليشارك في ما بعد في أعمال من قبيل "لا تطفئ الشمس" مع النجمة ميرفت أمين، و"شطرنج" في جزئه الثالث مع نضال الشافعي ووفاء عامر. عن خصوصية تجربته في أداء شخصية "رماح" في مسلسل "سِتهُم" يتحدث النجم السوري شارحاً: "هذا المسلسل هو فعلاً تجربة أكثر مما هو عمل فني ودرامي، وهو تجربة مختلفة لي عن كل الأعمال التي شاركتُ فيها على مدى مسيرتي سواء في مصر أو خارجها، فهو أول عمل صعيدي أشارك فيه، فلم أكن قد حضّرتُ نفسي لخوض غمار التكلم باللغة الصعيدية".

يصر صاحب شخصية "لورانس العرب" على مصطلح "لغة صعيدية"، وحين نسأله عن سبب استخدامه لهذا التعبير يجيب: "أجل الصعيدية لغة وليست لهجة، فهي عقلية وموقف عقلي مختلف عن العقلية المصرية في بقية المناطق من مصر، سواء في القاهرة أو الإسكندرية، وهنا كانت المغامرة مع "سِتهُم" والدخول من دون تحضير كافٍ، لكن في الواقع مدقق اللهجة الأستاذ حسن قناوي وقف إلى جانبي، فهذا الرجل لديه خبرة كبيرة، وكان قد عمل مشرفاً على تدقيق اللهجة في العديد من الأعمال الصعيدية منذ عشرين عاماً وحتى الآن، واشتغل بدقة مع الكثير من نجوم مصر الذين قدموا أدواراً رئيسة في مسلسلات صعيدية. في البداية قال لي القناوي إن هناك الكثير من الممثلين أخذوا معه أكثر من ستة أشهر حتى تمكنوا من إتقان اللهجة، وحرصاً على التجربة كنتُ قلقاً بادئ الأمر، وهذه مسألة ليست سهلة أن تدخل غمار تجربة التمثيل باللهجة الصعيدية من دون تحضير، أو على الأقل تكون قد مثّلت قبل ذلك ولو لمرة واحدة عملاً في بيئة صعيدية".

قصة واقعية

ومسلسل "سِتهُم" مأخوذ عن قصة واقعية بطلتها الحقيقية سيدة تدعى "الحجة صيصة" كانت قد تركت الصعيد، وارتدت ملابس الرجال هرباً من الظلم الذي وقع عليها، فاشتغلت في تلميع الأحذية. وهناك الكثير من نساء الصعيد اللاتي عانين من الظلم، ومن إيجاد بدائل عيش لهن لتربية أبنائهن بعد حرمانهن من الميراث، كما جرت العادة في ريف جنوب مصر. العمل الذي يحاول التأثير على قناعات الفلاحين في صعيد مصر عن أحقية النساء في الميراث، إلى جانب مسلسل "عملة نادرة" الذي يطرح القضية نفسها في موسم دراما 2023، وهو من تأليف مدحت العدل وإخراج محمد جمال العدل، وبطولة كلٍ من نيلي كريم وجمال سليمان وكمال أبو رية وأحمد عيد وجومانة مراد.

يعترف سعد في حديثه لـ "اندبندنت عربية" أنه للمرة الأولى يتحدث منذ شهرين خارج أوقات التصوير، ويقول: "تقريباً نسيتُ الكلام إلا باللهجة الصعيدية، فمنذ شهر كنت منغمساً تماماً في التحضير لشخصية "رماح"، فانزويتُ مع نفسي في الفندق الذي أقيم فيه. كنتُ طوال الأسابيع الماضية أقوم ببروفات على الدور في غرفتي، ومنها أذهب إلى تصوير مشاهدي، لأعود سريعاً إلى الفندق، ومن ثم التدرب من جديد على أداء مشاهدي المقبلة في المسلسل. كنتُ طوال الوقت أتدرب جهراً على المَشاهد، ومرات ومرات أقوم بأدائها وحدي أمام المرآة حتى أتمكن من إتقانها بالشكل الأمثل".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولكن أين تكمن صعوبة التمثيل باللهجة الصعيدية، وسعد كان قد قدّم قبلها عشرات الأدوار بلهجات مصرية وسورية ولبنانية وفلسطينية وبدوية، إضافةً لأدائه أدواراً باللغات الفرنسية والإنكليزية والإيطالية؟ نسأل ويجيب: "عندما قدِمتُ من سورية إلى مصر للمشاركة في مسلسل "سِتهُم" ابتدأ التصوير بعد يومين من مجيئي، ودخلت هذه المغامرة فوراً، ومن دون أن أكون قد حضرّتُ نفسي للأداء باللهجة، فشخصية "رماح" التي ألعبها ليست فقط شخصية صعيدية، بل هي شخصية خاصة من الناحية الدرامية كما يقدمها العمل. أذكر أنني ذهبتُ في اليوم الأول من التصوير، وأنا محمّل بأعباء الحالتين النفسية والعقلية، والموقف الدرامي للشخصية من الحدث ككل، ومن علاقته بأخته وأخواته، وموقفه من مسألة الإرث والميراث، فهو شخصية شرسة ويحارب الجميع من أجل الظفر بالميراث وحرمان شقيقته منه، وهذه عقلية سائدة من أسف في كثير من مناطق صعيد مصر. فكانت معايشتي للدور أولاً بطريقة ألا أفصل بين موقف الشخصية وتركيبتها النفسية والعقلية، إضافةً الى إتقان اللهجة الصعيدية الصعبة جداً، والتي كانت تستدعي تحضيرات ربما كانت لتمتد لستة أشهر لو أتيح لي وقت لذلك، لكن ما حدث أنني دخلت هذه التجربة على فور وصولي إلى مصر، ولا أدري كيف استطعت ذلك في وقت قصير للغاية".

معسكر فني

ولكن ما هي التحضيرات التي قام بها جهاد لأداء شخصيته في مسلسل "سِتهُم" نسأل ويجيب: "التحضيرات تمت بأن أضع نفسي داخل معسكر مغلق، وعدم مغادرتي مكان إقامتي لشهر كامل، وكنت عندما أخرج لفترات قصيرة أعود سريعاً لقراءة تاريخ الصعيد قدر المستطاع، فاطلعت على قاموس لهجات الصعيد، وتدرّبت على حوالى مئتي مفردة صعيدية، وشاهدتُ العديد من المسلسلات والأفلام الصعيدية القديمة منها والحديثة، كي آخذ فكرة عن أجواء البيئة وطبيعة الناس فيها، كما راجعت وراقبت طريقة أداء ممثلين كبار لشخصيات صعيدية من مثل عبدالله غيث ويحيى فخراني ونبيل حلفاوي. حدث هذا كله في أثناء التصوير، وكان ذلك يأخذ مني ست ساعات عمل متواصلة يومياً من تدريب وتركيز على مفردات اللهجة. وكي أضمن نجاح ذلك قلت لمدقق اللهجة اعتبرني منذ اليوم طالباً بين يديك، فأنا أريد أن أتعلم لغة جديدة ربما تكون أصعب بكثير من تعلم اللغة الألمانية. فالصعيدية لغة مختلفة لها مصطلحات خاصة عن اللهجات المصرية، وللصعيد لهجته وعاداته وتقاليده، وهذا ما حاولتُ تشرّبه واستيعابه ضمن أدواتي الفنية خلال مراحل التصوير كافة، فكان هذا مرهقاً للغاية، وصرت لا أتكلم مع الجميع إلا باللهجة الصعيدية. وهذا ما تطلب مني جهداً وصبراً كبيرين للحفر داخل ذاتي، فكانت تجربة عظيمة تعرّفت خلالها إلى عقلية الصعيد التي لم أكن أعلم عنها شيئاً قبل مشاركتي في هذا المسلسل".

من هنا خرجت شخصية رماح- يضيف سعد ويقول: "حتى الآن حين أشاهد نفسي في المسلسل لا أعرفني، بل أستغرب كيف استطعتُ أن أقوم بهذه المهمة الصعبة ضمن وقت قصير للغاية. وكل من شاهد المسلسل ودوري فيه قال لي: هذا ليس جهاد سعد السوري. هذا رجل ترعرع وعاش في الصعيد، وهذا فعلاً ما كان بعد بذلي لطاقة كبيرة، وتركيز وجهد كبيرين كان يستغرق مني يومياً 14 ساعة بين تصوير وتحضير في أقاصي الريف المصري".

ولكن نعود ونسأل عن الأثر الذي تركته شخصية "رماح" على جهاد سعد؟ فيجيب: "لقد تعرفتُ إلى نفسي من خلال "رماح"، وتعلمتُ وبذلتُ جهداً كبيراً في أعماق العقل والذات، إضافةً الى محاولة النطق الصحيح للهجة، وضبط مخارج الحروف، ولفظ الجيم المعطّشة، وتعلم لفظ القاف التي تلفظ غين في اللهجة الصعيدية، فاللهجات، وخصوصاً الصعيدية هي نوتة موسيقية بكل معنى الكلمة، وكان مدقق اللهجة دائماً يتابعني بالفتح والكسر والضم كأنه مايسترو. لذلك بذلنا مع الزملاء الأعزاء روجينا ومحمد عبدالحافظ وإبراهيم السمان ونانسي صلاح جهداً كبيراً، وهم شركاء حقيقيون ساندوني ووقفوا إلى جانبي. وما أسعدني أنه انتزع جماهيرية واسعة سواء من المشاهدين أو من خلال ما كتبه النقاد، وكانت التحضيرات كبيرة وما زالت قائمة، فما زلنا في أيام التصوير الأخيرة".

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة