وسط تصاعد التوتر في العلاقة بين رئيس الجمهورية قيس سعيد والاتحاد العام التونسي للشغل، تباينت الآراء حول دور النقابات، فبعضهم يعتقد بأنها آخر القلاع المحصنة للدفاع عن الديمقراطية، بينما يرى فريق آخر أنها حادت عن دورها الأساسي لمصلحة السياسة.
يشار إلى أن سعيد قال في كلمة ألقاها بمستهل اجتماع عقده في ثكنة الحرس الوطني بالعاصمة مع عدد من القيادات إن "الذين يقطعون الطرق وسكك الحديد بتعلات واهية، لا يمكن أن يبقوا خارج دائرة المساءلة" كما ذكر في السياق ذاته أن "الحق النقابي مضمون بالدستور، لكنه حق لا يمكن أن يتحول إلى غطاء لمآرب سياسية لم تعد تخفى على أحد".
قلعة نضال
ويرى الاتحاد العام التونسي للشغل، أكبر تجمع نقابي في البلاد، أنه بات مستهدفاً، بخاصة بعد التصريحات الأخيرة للرئيس التي تضمنت وفق المنظمة "تحريضاً ضد العمل النقابي"، وكذلك إلقاء القبض على الكاتب العام لنقابة الطرقات السيارة أنيس الكعبي بتهمة استغلال موظف عمومي لصفته، بقصد الإضرار بالإدارة وتعطيل خدمة عمومية، بحسب بلاع المحكمة الابتدائية بتونس.
وأكد الكاتب العام للاتحاد في كلمة له خلال اجتماع استثنائي للهيئة الوطنية أن "الاتحاد سيبقى قلعة نضال تحمي حقوق الطبقة الشغيلة"، بينما علق القيادي في الاتحاد سامي الطاهري على تصريح سعيد، قائلاً، "الحديث عن تحول العمل النقابي إلى غطاء لمآرب سياسية سمعناه مرات عدة وبعبارات مختلفة منذ ظهور الرأسمالية والنقابات إلى اليوم".
وأضاف في تدوينة له عبر صفحته بـ"فيسبوك"، "سمعناها من بورقيبة ونويرة والمزالي والصياح وبشير بلاغة وعبدالوهاب عبدالله والجبالي والعريض والشاهد" وكلهم وزراء ورؤساء حكموا تونس منذ الاستقلال إلى اليوم، مردفاً "ترديد هذه الجملة غالباً ما يسبق حملة التهم الكيدية والاعتقالات والتنكيل".
تنكر للتاريخ
من جهته يرى الكاتب الصحافي المهتم بالشأن السياسي في تونس مراد علالة أنه "يجب أن يبنى الموقف من النقابات في البلاد على أساس قراءة التاريخ القريب والبعيد بشكل عام وتاريخ هذه الوسائط الاجتماعية وصيرورة كل واحدة منها بموضوعية حتى لا نقع في فخ الإسقاط أو المبالغة أو التعميم أو التجني على مناضلين ووطنيين عبدوا طريق الاستقلال وبناء الدولة الوطنية بالدم وقدموا التضحيات على مر العقود، لا فقط من أجل الطبقة العاملة، لكن من أجل الشعب وسيادته واستقلال قراره الوطني".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويعتقد علالة بأن "التشكيك والحديث عن الأجندات السياسية فيهما تجن على النقابة وتنكر للتاريخ ومغامرة بالمستقبل"، مشيراً إلى أن "الاتحاد العام التونسي للشغل لم يفصل منذ نشأته بين الدورين الوطني السياسي والاجتماعي"، مضيفاً، "كما أن التلاحم بين شقي الحركة الوطنية السياسية والنقابية قبل الاستقلال وبعده كان محفزاً ومحركاً لتطور الدولة الفتية وضامناً للسلم الأهلي والاستقرار السياسي بما في ذلك استقرار الحكم".
وتبرز صيرورة النقابة، بحسب رأي علالة، أنها "مع عدد من منظمات المجتمع المدني كالرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وعمادة المحامين وجمعية الصحافيين وغيرها هي التي خلقت ما يمكن أن نصفه بالتوازن الاستراتيجي في الحياة العامة ببلادنا ضد الاستبداد والسياسات اللاديمقراطية واللاشعبية على مر العقود، وذلك نتيجة ضعف الأحزاب السياسية".
ويوضح أن "تلك المعادلة هي خاصية تونسية بامتياز بخلاف دول الجوار مثلاً أو الدول الغربية التي لا تحتاج إلى كيانات مدنية ومهنية تعوض الأحزاب وتحمي الديمقراطية وتحصنها بدلاً منها".
كما يعتقد مراد علالة بأن "الاتحاد العام التونسي للشغل كنقابة نوعية وعلى رغم كثير من النقائص التي تشوبها ونرى إصلاحها ضرورياً، هي الأقدر اليوم تنظيمياً واجتماعياً وسياسياً، وبفضل الشرعية التاريخية وشرعية المنجز الذي لا يختلف حوله عاقلان، قادرة بل هي مطالبة بتوسيع الحزام المدني والسياسي الوطني والتقدمي لقطع الطريق أمام أية ديكتاتورية وزرع الأمل في أن الإنقاذ والوصول بالوطن إلى بر الأمان لا يزال ممكناً".
دور سلبي
من جهة معاكسة تماماً يرى الناشط والمحلل السياسي مهني المناعي أن "اتحاد الشغل هو منظمة نقابية دورها الأساسي حماية حقوق الشغالين لا غير" وقارن المناعي النقابات التونسية بالمنظمات النقابية في العالم، معتبراً أن دور الأخيرة واضحاً ومحدداً، لكنه يعرب عن اعتقاده بأن "الاتحاد العام التونسي للشغل حاد عن دوره الأساسي وأصبح يتدخل حتى في تشكيل الحكومات خلال العشرية السوداء".
ويرى أن "دور الاتحاد التاريخي في النضال ضد المستعمر أو في التأسيس للدولة الوطنية لا يمكن البناء عليه" مفسراً بأن "اتحاد الشغل كان له دور سلبي خلال العشرية الأخيرة وكان عقبة ضد الإصلاحات الاقتصادية الكبرى، بالتالي أسهم بشكل مباشر في تعطيل نهضة تونس اقتصادياً"، وأضاف في السياق ذاته أن "الإطناب في المطلبية والدعوة إلى الزيادات في الأجور وإغراق القطاع العام بعد الثورة إلى اليوم تسببت في الإخلال بموازنات الدولة المالية".
ويرى المناعي أن "شعبية اتحاد الشغل تآكلت ولم تعد له تلك المكانة المرموقة في نظر الشعب"، موضحاً "الكل شاهد كيف أضرت نقابات التعليم بمستقبل الطلبة وأوقفت الدروس لأشهر من أجل مطالب قطاعية، كما أسهمت في بروز التعليم الخاص مقابل تدهور القطاع العام".