صدمات قد تضرب الاقتصاديات والأسواق العالمية حتى نهاية 2019

توترات جيوسياسية بمنطقة الخليج... والتجارة الدولية في مأزق صعب

صندوق النقد الدولي يهيب بالبنوك المركزية والحكومات الاستعداد للتعامل مع السياسة النقدية والمالية المناسبة لحالة الركود (أ.ف.ب.)

بعد سنوات من النمو غير المسبوق، أضحت عدة مخاطر هي التي تدير وتحرّك الاقتصاديات والأسواق العالمية، وربما كانت موجودة في وقت سابق، لكن زيادة حدتها في التوقيت الحالي دفعها لتنال من العديد من المؤشرات، سواء فيما يتعلق بمعدلات النمو أو بيانات التوظيف، وأيضاً من حركة التجارة العالمية التي تشهد أداء سلبياً عنيفاً خلال الفترات الماضية.

وفيما تواصل المؤسسات الدولية، وعبر دراسات كثيرة، تحذيراتها من دخول العالم في أزمة جديدة، في المقابل ترتفع حدة مخاطر الحروب التجارية والتوترات الجيوسياسية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، والتي تشهد ساحتها دخول لاعب جديد كل فترة، بخاصة بعدما أعلنت أوروبا مجموعة عقوبات جديدة على تركيا، وأيضاً ارتفاع حدة حرب التصريحات بين إيران من جهة ودول العالم من جهة أخرى، والتي ربما تتحول إلى مواجهة عسكرية تكون ساحتها الشرق الأوسط، وتحديداً المنطقة العربية.

مجدداً، حذّر صندوق النقد الدولي من الركود الذي ينتظر الاقتصاد العالمي، مؤكداً أنه في حاجة إلى تجنب "الأضرار الذاتية" التي ربما تقود إلى حدوث ركود اقتصادي على نطاق واسع.

وقال ديفيد ليبتون، رئيس صندوق النقد بالإنابة، في تصريحات أمس، إنه "حان الوقت كي يتجنب العالم التسبب في حدوث ركود، وهذا يعني التعامل مع التوترات التجارية والتكنولوجية من خلال الحوار حتى لا توجد أضرار ذاتية، لكن الاستعداد أيضاً للرد إذا تباطأ الاقتصاد".

وفي آخر توقعاته، يرى صندوق النقد أن الاقتصاد العالمي سوف ينمو بنحو 3.3% خلال العام الحالي.

وأشار صندوق النقد إلى أنه في حالة حدوث ركود عالمي، فإن البنوك المركزية والحكومات يجب أن تكون مستعدة للتعامل مع السياسة النقدية والمالية المناسبة. وقال رئيس الصندوق "ليس لدينا توقعات بحدوث ركود، ولكن في ضوء التوترات التجارية والتكنولوجية والأسواق المالية، ترتفع نقاط الضعف".

المخاطر الجيوسياسية بأعلى مستوياتها منذ 2005

رئيس معهد الاستثمار في "بلاك روك" سابقاً، "توماس دونيلون"، قال في رؤية تحليلية نشرتها مدونة أكبر شركة لإدارة الأصول حول العالم، إن "الحروب التجارية والتوترات الجيوسياسية أصبحت المحرك الرئيس للاقتصاد والأسواق العالمية"، مؤكداً أهمية مراقبتها حتى لا تنزلق اقتصاديات العالم في العديد من الأزمات التي لن يتحملها أحد في الوقت الحالي.

"روك" أكد أن "اهتمام الأسواق العالمية بالمخاطر الجيوسياسية وصل إلى أعلى مستوياته منذ عام 2005. كما شهدت السنوات الأخيرة طفرة للاتجاه الشعبوي ومناهضة المؤسسات في الديمقراطيات الغربية وعودة ظهور التنافس بين القوى العظمى فضلاً عن النزاعات التجارية العالمية الآخذة في الزيادة".

وأضاف "في الواقع، فإن المخاطر الجيوسياسية أصبحت عاملاً رئيساً مؤثراً في الأسواق خلال العام الحالي. ويقف عدد المواقف الجيوسياسية المضطربة عند واحدة من أعلى نقاطه منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ومثل هذه الأحداث الجيوسياسية يمكن أن تكون ذات آثار قوية على الاقتصاد العالمية والأسواق المالية والمحافظ الاستثمارية".

وأوضح "من المؤكد أن أساسات الاقتصاد الكلي مثل النمو الاقتصادي وأرباح الشركات تكون عادةً المحركات الرئيسة لعوائد الأسواق المالية، وبخاصةً آفاق الاستثمار طويلة الآجل. ومع ذلك، فإن المخاطر غير النظامية والتي تشمل تلك التي تثيرها الأحداث الجيوسياسية، يمكن أن تكون ذات تأثير كبير على الأسواق والأوراق المالية الفردية عندما تحدث".

صدمات جيوسياسية تنال من غالبية الأسواق

المقال التحليلي عرّف الصدمات الجيوسياسية على أنها "حروب وأعمال إرهابية وأحداث أخرى تزيد التوترات بين الدول وتؤثر على المسار الطبيعي للسياسات المحلية والعلاقات الدولية". ويمكن أن تؤثر مثل هذه الصدمات على الاقتصاديات والأسواق بطرق لا تحصى.

على سبيل المثال، يمكن أن تتسبب التوترات التجارية في فرض تعريفات من شأنها تعطيل سلاسل التوريد العالمية وتدفق التجارة. وبمقدور الحروب أن تدفع إلى حدوث صدمات في أسعار النفط، والتي تعزز معدلات التضخم وتضرّ إنفاق المستهلكين.

ومن شأن صدمات مفاجئة مثل الهجمات الإرهابية أن تضرّ ثقة السوق وتدفع التدفقات الرأسمالية للتخارج من الأصول الخطرة والدخول في الملاذات الآمنة.

وأجرت "بلاك روك" تحليلا تاريخيا لاستجابة أسعار الأصول على 68 حدثاً من المخاطر الجيوسياسية التي وقعت منذ عام 1962. وتوصّل التحليل إلى أن متوسط استجابة السوق للصدمات الجيوسياسية غير المتوقعة كان معتدلا نسبياً وقصير الآجل.

وتميل أسعار الأسهم لتلقي ضربة، كما ترتفع أسعار السندات في أعقاب ذلك مباشرة، لكن هذه التحركات تختفي سريعاً في الغالب.

وعلى سبيل المثال، فإن مؤشر "ستاندرد آند بورز 500" تراجع بنحو 12% تقريباً في الأسبوع الأول من التداول عقب هجمات 11 سبتمبر (أيلول) عام 2001. ومع ذلك فإن سوق الأسهم استعادت كافة هذه الخسائر في غضون 25 جلسة تداول بعد هذا الحادث.

وخلصت "بلاك روك" إلى أن الاستجابة السلبية للسوق كانت أكثر حدة من الناحية التاريخية، إذا وقعت صدمات عديدة في وقت واحد أو إذا كان ضعف البيئة الاقتصادية سيبدأ. وتميل خسائر سوق الأسهم إلى أن تكون ذات حجم أكبر في فترات تشهد انكماش الاقتصاد.

ويُعد هذا أحد الأسباب التي تفسر سبب رؤية الخطر الجيوسياسي كعامل رئيس للسوق في عام 2019 وما بعدها، على خلفية التباطؤ في النمو الاقتصادي وحالة عدم اليقين المتصاعدة حيال الآفاق الاقتصادية وتوقعات أرباح الشركات.

توترات الخليج تتصدر قائمة أكبر مخاطر جيوسياسية

وذكرت "بلاك روك" أن هناك 10 مخاطر جيوسياسية أصبحت تُشكل تهديداً على الأسواق والاقتصاد العالمي، تتصدرها توترات الخليج والحروب التجارية العالمية.

ويأتي التفكك الأوروبي كثالث أهم خطر جيوسياسي في القائمة، يليه المنافسة بين الولايات المتحدة والصين، ثم التوترات في جنوب آسيا.

أما المركز السادس فكان من نصيب الهجمات السيبرانية الرئيسة يعقبها مباشرة النزاع في كوريا الشمالية بالمرتبة السابعة.

وفي الترتيب الثامن، جاء خطر السياسات في أميركا اللاتينية، سواء النزعة الشعبوية في البرازيل أو التوتر بين المكسيك وواشنطن والانتخابات في الأرجنتين والأزمة في فنزويلا.

وتذيل القائمة خطرا النزاع بين روسيا وحلف الناتو، ثم الهجمات الإرهابية الرئيسة. لكن يمكن أن تساعد مؤشرات المخاطر الجيوسياسية في تقييم إلى أيّ مدى يتم تسعير المخاطر الجيوسياسية.

ويقيس (بي.جي.أر.آي.إس) درجة اهتمام السوق بالمخاطر المحددة مقارنة بتاريخها، وكلما كان مستوى المؤشر مرتفعاً كلما زادت.

الديون العالمية تتفاقم وتتحول إلى أزمة كبيرة

ومن أزمة الأسواق إلى التقارير التي تتحدث عن الديون العالمية التي تحولت إلى أزمة كبيرة، حيث قال معهد التمويل الدولي إن انخفاض أسعار الفائدة أدى لطفرة إقراض جديدة في الربع الأول من 2019 لترتفع ديون الأسواق الناشئة إلى مستويات قياسية ويزيد حجم الدين العالمي 3 تريليونات دولار.

وزادت ديون الحكومات والشركات والمؤسسات المالية والأسر في الاقتصادات الناشئة إلى 69.1 تريليون دولار، بما يعادل 216% من الناتج المحلي الإجمالي من 68.9 تريليون قبل عام.

وخلص المعهد إلى أن نسبة الدين إلى الناتج المحلي ارتفعت بأسرع وتيرة في تشيلي وكوريا والبرازيل وجنوب أفريقيا وباكستان والصين.

وأدت إمكانية استمرار تكلفة الاقتراض الرخيصة إلى زيادة الديون العالمية 3 تريليونات دولار إلى 246.65 تريليون أو 320% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يقل بواقع تريليوني دولار فقط عن أعلى مستوى على الإطلاق المسجل في الربع الأول من العام الماضي.

وقفز إجمالي دين الولايات المتحدة 2.9% منذ الربع الأول للعام 2018، ليصل إلى أعلى مستوى على الإطلاق متجاوزا 69 تريليون في دولار.

التجارة العالمية في مأزق صعب

ومن أزمة الديون إلى المشكلة الكبيرة التي تواجهها التجارة العالمية، حيث رأت المفوضة الأوروبية للتجارة، سيسيليا مالمستروم، أن منظمة التجارة العالمية تشهد "أزمة عميقة" قد تشلّ جهازها الخاص بتسوية النزاعات بحلول نهاية السنة.

وقالت إن "المنظمة تواجه أزمة عميقة، لا بدّ لنا من الإقرار بذلك"، وأضافت "إذا أصيبت آلية تسوية النزاعات بشلل، وهو ما سيحصل على الأرجح في ديسمبر (كانون الأول) المقبل، لن تعود لنا رقابة على الاتفاقيات التجارية".

وقالت "إذا لم تعد لدينا قواعد، عندها سيكون بإمكان أي طرف أن يفعل ما يحلو له... وسيكون هذا سيئا جدا، وخصوصا بالنسبة إلى الدول الصغيرة والدول النامية"، مجددة دعوتها لإصلاح منظمة التجارة.

وأظهرت بيانات حديثة أن حجم التجارة العالمية تراجع بنسبة 1.8% خلال شهر فبراير (شباط) الماضي، بعد أن حقق ارتفاعاً بنسبة 2.1% في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي.

يأتي هبوط التجارة العالمية مع استمرار حالة عدم اليقين بشأن الوضع التجاري بين الصين والولايات المتحدة وتهديدات واشنطن الأخيرة تجاه أوروبا، إلى جانب مخاوف تباطؤ النمو الاقتصادي التي حذرت منها مؤسسات دولية كبيرة في أوقات سابقة بعد اتجاه الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى سياسة فرض الرسوم والتعريفات الجمركية.