"إذا لم يكن اليوم فمتى؟"... هل يغامر البنك المركزي المصري بخفض سعر الفائدة؟

معدلات التضخم تتراجع... ومخاوف تشديد السياسة النقدية بدلا من استئنافها تحجّم توجه المخاطرة

رغم التراجع المفاجئ للتضخم لا يزال سيناريو تثبيت أسعار الفائدة مرجحا (أ.ف.ب.)

قبل ساعات من اجتماع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري، أعلنت الحكومة المصرية تراجع معدلات التضخم إلى مستويات غير متوقعة، فيما تتجه الأنظار إلى قرار "المركزي المصري" الذي يحدد مصير الفائدة المرتفعة في اجتماع اليوم.

البيانات الرسمية التي أعلنها البنك المركزي المصري تشير إلى تراجع معدل التضخم السنوي العام بالمدن إلى 9.4% في يونيو (حزيران) الماضي، مقارنة بنحو 14.1% في مايو (أيار) الماضي، مسجلا بذلك أول قراءة تقل عن 10% منذ مارس (آذار) 2016.

وحسب البيانات الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر، فقد أسهمت مجموعة الطعام والمشروبات على نحو كبير في هذا التراجع الكبير للتضخم، بعدما انخفضت أسعارها بنسبة 2.2% على أساس شهري.

وأشار جهاز الإحصاء إلى تراجع التضخم السنوي العام لإجمالي الجمهورية إلى 8.9 % خلال يونيو (حزيران) الماضي، فيما ذكر بيان البنك المركزي المصري أن معدل التضخم الأساسي بالمدن تراجع إلى 6.4% على أساس سنوي في يونيو (حزيران)، من 7.8% في مايو (أيار) الماضي.

يأتي هذا التراجع في أعقاب قفزة مفاجئة في معدل التضخم السنوي العام بالمدن في مايو (أيار) الماضي ليسجل مستوى 14.1%، مقارنة بنحو 13% في شهر أبريل (نيسان) الماضي، وذلك بعد أن اتخذ التضخم مسارا نزوليا منذ فبراير (شباط) الماضي.

تأثير سنة الأساس وراء الانخفاض الكبير

تقرير حديث لبنك "سي آي كابيتال" أشار إلى أن التراجع في معدلات التضخم جاء بسبب تأثير سنة الأساس، نظرا للمقارنة مع شهر يونيو (حزيران) من العام الماضي الذي شهد ارتفاع أسعار المحروقات بنسب تصل إلى 50%، وما أعقبه من موجة تضخمية، فيما لم يشهد يونيو (حزيران) من العام الحالي أي تدابير مالية مشابهة.

ودفعت البيانات الجديدة عدداً من المحللين إلى تخفيض توقعاتهم للتضخم هذا العام، حيث أعلنت مجموعة "بلتون المالية القابضة"، تعديل توقعاتها لمعدلات التضخم في النصف الثاني من 2019.

ورجحت في مذكرة بحثية حديثة، أن يصل متوسط قراءة التضخم في حدود 8.8%، وهو عكس تقديراتها السابقة التي بلغت 13.8%، وذلك على خلفية تعديل الحسابات عقب الرقم المنخفض الذي سجله التضخم في يونيو (حزيران) الماضي.

أيضاً قامت "فاروس القابضة" بمراجعة توقعاتها للتضخم في يوليو (تموز) وأغسطس (آب) وسبتمبر (أيلول) إلى 9.9 و10.8 و9 % على الترتيب.

وفي تقرير لشركة "شعاع" لتداول الأوراق المالية، توقعت المحللة الاقتصادية إسراء أحمد، أن يسجل معدل التضخم في يوليو (تموز) مستوى أدنى من 14.5%، وذلك على عكس توقع سابق، لكنها فضّلت عدم تحديد نطاق معين.

كما توقعت المجموعة المالية "هيرميس"، أن يسجل التضخم ما بين 10 و11% في يوليو (تموز) وأغسطس (آب)، على أن نرى أرقاما أحادية من سبتمبر (أيلول) إلى نوفمبر (تشرين الثاني) قبل أن يختم العام في حدود 10 إلى 12%.

بيانات إيجابية للمستثمرين الأجانب

ووفقاً لنشرة "إنتربرايز"، ربما تشير هذه الأرقام إلى أنباء إيجابية للمستثمرين الأجانب في أدوات الدين الحكومية، فكلما تراجع معدل التضخم، كلما ارتفع العائد الحقيقي على الاستثمار، مما قد يساعد في الحفاظ على إقبال للمستثمرين في أدوات الدين المحلية.

وبدأت استثمارات الأجانب بأدوات الدين الحكومية في التعافي منذ بداية العام الحالي، لتتخطى 17 مليار دولار بنهاية مايو (أيار) الماضي، وفق بيانات البنك المركزي المصري. وذكر وزير المالية المصري، محمد معيط، أواخر الشهر الماضي، أن استثمارات الأجانب في أدوات الدين الحكومة وصلت حاليا إلى 18.7 مليار دولار.

ورغم هذا التراجع المفاجئ للتضخم، لا يزال سيناريو تثبيت أسعار الفائدة مرجحا، إذ يتوقع غالبية المحللين أن يبقي البنك المركزي على أسعار الفائدة من دون تغيير حينما تجتمع لجنة السياسة النقدية في وقت لاحق اليوم الخميس، في ضوء قرارات الحكومة الأخيرة برفع أسعار الوقود بنسب تتراوح بين 16 و30% في وقت سابق من الشهر الحالي.

فضلا عن دخول زيادات أسعار الكهرباء حيز التنفيذ اعتبارا من أول يوليو (تموز).

لماذا تتوقع المراكز البحثية تثبيت سعر الفائدة؟

وأبقى 4 من 9 محللين استطلعت نشرة "إنتربرايز" آراءهم بشأن أسعار الفائدة مطلع الأسبوع الحالي على توقعهم بتثبيت سعر الفائدة على الإيداع والإقراض لليلة واحدة عند مستوى 15.75% و16.75% على الترتيب. وحتى هؤلاء الذين يرون أن هناك فرصة كبيرة لخفض أسعار الفائدة، يعتقدون أن البنك المركزي سيعطي الأولوية لاحتواء الأثر التضخمي لخفض الدعم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وذكرت "كابيتال إيكونوميكس"، في مذكرة بحثية حديثة، أن "انخفاض التضخم، إلى جانب التحول المفاجئ بين البنوك المركزية حول العالم، يزيد من فرص خفض سعر الفائدة. لكننا نعتقد أن البنك المركزي المصري سيرغب في تقييم أثر ارتفاع أسعار الكهرباء والوقود التي دخلت حيز التنفيذ هذا الشهر".

واتفق مع هذا الرأي بنك "إتش سي"، الذي رجّح في مذكرة بحثية، أمس، تثبيت أسعار الفائدة في اجتماع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي المصري اليوم. وأوضح أن قرار اللجنة يكون مبنيا على توقعات التضخم المستقبلية، وبالتالي سيكون لدى المركزي رغبة في تقييم أثر رفع الدعم والآثار الجانبية، والتي غالبا تستغرق شهرين بعد الإجراءات أو التدابير التي تسببت في الموجة التضخمية.

وأضاف "أن يكون البنك المركزي المصري أكثر تحفظا بتثبيت أسعار الفائدة رغم هذا الهبوط الاستثنائي في التضخم، هو أفضل من المغامرة التي قد تؤدي في نهاية المطاف إلى تشديد السياسة النقدية بدلا من استئناف دورة التيسير النقدي".

السوق يمتص الزيادات الأخيرة في أسعار المحروقات

في المقابل، عدل بنك الاستثمار "فاروس" توقعاته ورجّح خفض أسعار الفائدة بمقدار 100 نقطة أساس خلال اجتماع اليوم. ويرى محللو فاروس القابضة أنه مع الطلب المرتفع من المستثمرين الأجانب على أدوات الدين المحلية، وارتفاع سعر الجنيه مقابل الدولار منذ بداية العام، ومع مراجعة معدلات التضخم لهذا العام، فإنهم يعتقدون أن الوضع مؤهل لخفض سعر الفائدة.

وأبقت "نعيم للوساطة" على توقعاتها بإمكانية خفض المركزي لأسعار الفائدة 100 نقطة أساس اليوم. وقالت في بيان أمس، إن البيانات الجديدة للتضخم تؤكد هذه التوقعات.

وذكرت "نعيم للوساطة"، في مذكرة أصدرتها أمس، لشهري يوليو (تموز) وأغسطس (آب) "نتوقع ارتفاع التضخم الشهري على خلفية جولة الخفض الأخيرة لدعم الطاقة، ومع ذلك، نظرا لأن ارتفاع الأسعار سيكون (بالنسب المئوية) أقل كثيرا من مستويات الارتفاع خلال 2018، فإن ارتفاع التضخم ينبغي أن يكون محدودا نسبيا، ويترك بعض المجال للتيسير النقدي".

"إذا لم يكن اليوم فمتى؟" قالت إسراء أحمد من "شعاع" لتداول الأوراق المالية إنها تتوقع خفضا في أغسطس (آب) أو سبتمبر (أيلول)، وليس نوفمبر (تشرين الثاني) كما كانت تتوقع من قبل، وذلك في حال ارتفاع التضخم على نحو متوسط خلال يوليو (تموز). وتوقع محللون آخرون لـ"إنتربرايز" أن يخفض البنك المركزي أسعار الفائدة في وقت أقرب من توقعاتهم سابقا، لكنهم فضّلوا عدم تحديد توقيت الخفض.

هل يربط "المركزي" سعر الفائدة بقيمة الجنيه مقابل الدولار؟

المحلل المالي نادي عزام، قال إن "سعر الفائدة على الايداع والقروض والخصم في مصر مرتبط في الأساس بسعر صرف الجنيه المصري مقابل الدولار الأميركي، وقدرة البنك المركزي المصري على السيطرة وتقوية العملة المحلية أمام العملات الأجنبية ونجاح البنك المركزي في دعم العملة المحلية وتحسين سعر الصرف لها مقابل الدولار، حيث تعتمد الدولة بنسبة تصل إلى 70% على الاستيراد في تلبية المتطلبات الأساسية والضرورية للحياة والإنتاج في مصر، لذا فإن ربط معدل سعر الفائدة بسعر الصرف هو الأدق في حالة مصر".

وأوضح أنه "بعد إعلان جهاز التعبئة العامة والإحصاء عن تراجع التضخم على أساس شهري وسنوي، ربما تضع لجنة السياسة النقدية بالبنك المصري في حساباتها تقارير لجنة السياسات المالية بالحكومة عن ارتفاع قيمة العوائد التي تدفعها الدولة عن الديون المحلية والتي فاقت مليار جنيه يومياً والاستباق بنشر تقرير الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء قبل اجتماع اللجنة ليكون مبررا ومستنداً قوياً لاتخاذ قرار التخفيض".

وأوضح أنه "نظراً لما تشهده السوق المصرية من ركود واضح في حركة الشراء والبيع، فإن تخفيض سعر الفائدة بمعدل 50 نقطة، أي بنحو نصف في المئة على الإيداع والاقتراض والخصم هو الأرجح في قرار لجنة السياسات النقدية للبنك المركزي المصري في اجتماعها المقرر اليوم الخميس".

المزيد من اقتصاد