Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أدب أميركا اللاتينية يحفل بحكايات كرة القدم

لاعبون كبار فتنوا الجمهور يصدرون سيراً ذاتية بين الحياة والملاعب

ملعب الفوتبول بريشة ماغريت (متحف ماغريت)

لا يمكن ألا تلهم كرة القدم، اللعبة الأكثر شعبية في العالم، الشعراء والأدباء والفنانين، فهي ليست حكراً على طبقة معينة أو نوع محدد من محبي الرياضات والمشجعين، بل باتت تهم جميع أنواع الناس من الفقراء إلى الأغنياء، ومن الاقتصاديين الذين يستثمرون في سوقها الضخمة إلى علماء الإجتماع والنفس، وبالتأكيد الأدباء في أنحاء العالم وتحديداً في دول العالم الثالث، وفي العالم الثالث هذا تستهوي هذه اللعبة جميع الأجيال وتشكل حلماً لهم للصعود الاجتماعي والشهرة والثراء.

 هذه الظاهرة تبرز في أميركا اللاتينية حيث الأنظمة الديكتاتورية الممعنة في الفساد، حتى أطلق عليها اسم جمهوريات الموز في ثمانينيات القرن العشرين، وحيث ضواحي المدن الفقيرة في البرازيل والمكسيك والأرجنتين والهندوراس والتشيلي وبوليفيا وكولومبيا، التي ترعرع فيها نجوم كرة قدم صاروا أشبه بالأساطير، ومنهم اللاعب الأرجنتيني دييغو مارادونا واللاعب البرازيلي بيليه، اللذان صارا مثالين لأجيال من أطفال الأحياء الفقيرة يطمحون إلى تحقيق ما حققاه وحققه غيرهم كثير من لاعبي أميركا اللاتينية في العقود الكثيرة الماضية.

كرة قدم الحياة

 

في مثل هذه البيئة نبتت الروايات والقصائد التي تتداخل فيها كرة القدم بالحياة التي تقع خارج الملاعب الخضراء والملونة، الشاعر الهندوراسي دينيس آفيلا كتب قصيدة حول رحلة خاله إلى الولايات المتحدة التي تساوقت مع انطلاق مونديال عام 1982، حين كانت بلاده الصغيرة والفقيرة تحلم بتحقيق انتصار، ولو في لعبة رياضية تجري وقائعها في القسم الآخر من العالم، وكانت تجري في إسبانيا، حين كبر الشاعر وعرف قصة حلم خاله المهاجر الذي لم يتحقق، من دون أن تتحقق أحلام بلاده أيضاً، كتب قصيدته "شهادات"، "خالي قيصر هو السفينة، القطار المتوحش سمح للمهاجرين بدخول مقطوراتهم، وحين كف الدخان عن الانبعاث، كان بإمكانهم النزول والتقاط النجمة الملقاة على الطريق، وصل الولايات المتحدة ... حتى أصدر الحكم تسديدة جزاء لصالح البلد المضيف، في شهادته أدركتُ أن الهدف الأول للهندوراس في كأس العالم كان لا بد أن يكون رمزاً وطنياً".

الكاتب المكسيكي خوان بيورو قارن بين الكتابة الأدبية ولعبة كرة القدم بوصفها رواية، تقع فيها أحداث شبيهة تماماً بالأحداث التي يمكن أن تتشكل منها أي رواية، وغالباً ما يكون تصاعد الشخصيات في رواية عن كرة القدم درامياً بشدة، لأن حياة اللاعبين القاسية وخبايا أوأسرار ما يجري داخل عوالم هذه اللعبة المؤسساتية ذات الامتداد الضخم حول العالم تتبدل فجأة من نقيض إلى آخر، واللاعبون يتصرفون كما لو أن حياتهم الرياضية القصيرة تمر في فيلم أو في رواية يحدوها طموح البروز والوصول إلى المراتب العليا، حيث عليهم الدخول في صراعات وتنازلات قد تؤدي إلى المبتغى، وقد لا تؤدي إليه وهذا هو الأرجح.

الروائي الألماني المعروف بيتر هاندكه في روايته "خوف حارس المرمى لحظة ضربة الجزاء"، على رغم أنها ليست رواية عن عالم كرة القدم، إلا أنها تقدم العالم والحياة من عين حارس مرمى سابق وفاشل، ويقلقه طوال الوقت الشعور بأن عليه التقاط الكرة قبل أن تهز الشباك.

 

الكاتب الأرجنتيني ألفير بيورو قدم كتابين أدبيين معاصرين عن لعبة كرة القدم وعوالمها، وسرد فيهما تاريخ الكتابة الأدبية عن كرة القدم، فيذكر سخرية خورخي بورخيس من هذه اللعبة، التي اعتبرها في شبابه "نوعاً من المراوغات المنفرة". وفي ما بعد اعتبرها سبباً لتأطير الجمهور وتسرية مطالبه الحقيقية عبر منحه انتصارات وهمية.

 في أميركا الجنوبية

عام 2017 صدر عن دار روتليدج في نيويورك كتاب "كرة القدم والأدب في أميركا الجنوبية" بقلم ديفيد وود، وصنف هذا الكتاب كمرجع أساسي حول عالم كرة القدم من مختلف نواحيه في أميركا اللاتينية، فقد تناول توثيقياً الكتابات المبكرة عن هذه اللعبة باللغة الإسبانية في فترات لم يكن الأدب قد تناول اللعبة من منظور فني اجتماعي أو ثقافي بعد، بل كانت مجمل الكتابات تتناول اللعبة من حيث تكتيكها وقواعدها وإحصاءاتها، ثم تناول الكتاب كرة القدم والسياسة والكتابة في تشيلي والإكوادور وبيرو في فصل حمل عنوان "اللعب القذر والكتابة وكرة القدم والديكتاتورية"، وهو يتحدث عن بناء هويات وطنية تقوم على الانتصارفي هذه اللعبة، وهو الأمر الذي حدث في البرازيل حيث باتت الهوية الجمعية للهويات البرازيلية الكثيرة قائمة على الانتصار في لعبة كرة القدم، فتقدمت على الهوية التي قد تصنعها رقصة السامبا البرازيلية المشهورة عالمياً.غاري ماميي

 

ولكن لا يخفى على الباحث وود تناول العالم المحيط بكرة القدم الذي يتأثر بها وبنتائجها وغواياتها وسلطاتها، خصوصاً في الدول اللاتينية التي كان فيها صعود اللاعبين دونه عقبات تتعلق بالهوية الشخصية والهوية الوطنية والعرق والجنس والعنف والسياسة، وتنتقل هذه المشكلات إلى المؤلفين الذين يتناولون كرة القدم في الشعر والقصص والدوريات التي يتناولون فيها التمييز العرقي والفقر والهيمنة والذكورية في عالم يتصارع الجميع ليكونوا في داخله، ولكن الأدب اللاتيني عموماً يقيم توازناً كبيراً بين الانتصار في اللعبة والشهرة العالمية التي يمنحها للبلد المنتصر دائماً، كما هي حال الفريق البرازيلي وبين الهزائم المختلفة في بناء الدول التي تؤمن حياة مزدهرة لمواطنيها، بدلاً من الأنظمة التي تقوم وتهوي نتيحة الاضطرابات السياسية التي تتوقف في أميركا اللاتينية، وفيها "خصصت" الديكتاتوريات فرق كرة القدم الوطنية بغرض إضفاء الشرعية على أنظمتها كما في التشيلي وكولومبيا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بعض اللاعبين المعاصرين كتبوا بأنفسهم سيرهم الذاتية التي تناولت حلمهم في أن يصبحوا نجوماً منذ طفولتهم، ومن ثم رحلتهم في عالم هذه الرياضة الكثيرة التشعبات والمراهنات والانتظارات المكللة جميعها بالأحلام الوردية بالشهرة والنجومية، لذا كان إصدار السير الذاتية للاعبين يجري على قدم وساق في أهم دور النشر العالمية، وخصوصاً للاعبين الذين أثبتوا موهبة فريدة، فصدرت عشرات الكتب عن مارادونا وزيكو وبيليه ومالديني وبلاتيني وغيرهم كثر.

وفي عام 2022 الحالي وحده، أصدر عدد كبير من اللاعبين سيرهم الذاتية وكان من بين أشهرها وأكثرها مبيعاً خلال كرة القدم لعام 2022 كتاب الللاعب الإيطالي الشهير أندريا بيرلو بعنوان "أعتقد إذاً أنني ألعب"، قدم فيه لاعب خط الوسط الحائز كأس العالم ودوري أبطال أوروبا نظرة فكاهية وثاقبة إلى الوراء في مسيرته، مليئة بالحكايات التي شارك فيها زملاؤه السابقون في كل من يوفنتوس وميلان، أما كتاب "بانكسي" لجوردون بانكس حارس المرمى الأسطوري، فيعيد النظر في أعلى مستوياته وأدنى مستوياته في مسيرته، من دوره في مساعدة إنجلترا للفوز بكأس العالم إلى حادث السيارة الذي تركه أعور بعين واحدة، وفي هذا العام أيضاً أصدر أحد أعظم لاعبي كرة القدم اللاعب العالمي الهولندي يوهان كرويف كتاباً يتناول سيرة حياته التي كانت كثيرة الإثارة خارج الملعب، بدءاً من الصعود نحو النجومية وصولاً إلى الإفلاس ومحاولة الاختطاف.

وبعنوان "سيرتي الذاتية" كتب لوكا مودريتش سيرته في كرواتيا منذ هروبه من حروبها التي عايشها في طفولته حتى فوزه بجائزة الكرة الذهبية عام 2021.

المزيد من ثقافة