Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل يشهد العالم نهاية الـ"دريس كود"؟

"قواعد الملابس" العتيقة عصفت بها رياح التغيير وأجيال "وادي السيليكون" يقودون ثورة على نمطية الرسميات

تنوعت الآراء حول الـ"دريس كود" في مهرجان القاهرة السينمائي بين التأييد والمعارضة  (أ ف ب)

قامت الدنيا واشتعلت تأييداً واحتدمت معارضة لـ"دريس كود" مهرجان القاهرة السينمائي، منذ تفوه رئيس المهرجان الفنان حسين فهمي بعبارة "للمهرجان دريس كود يجب احترامه" والعوالم الافتراضية والحقيقية وما بينهما غارقة في تأييد "الدريس كود" والدفاع عنه ونعت معارضيه بالفوضويين والعشوائيين وهواة القبح والإفساد، ومعارضته والدفاع عن فتح أبواب حرية ارتداء الملابس على مصراعيها ونعت المدافعين عن التقيد به بالرأسماليين المتوحشين أو الأثرياء المخمليين أو الطبقيين العنصريين أو كل ما سبق.

لم يسبق أن سمح مهرجان سينمائي عالمي أو مؤتمر قمة أممي أو دار أوبرا تاريخها ضارب في عالم الفن والإبداع بدخول المشاركين، أو المتفرجين بملابس النوم أو الرياضة أو السباحة، "قواعد الملابس" ليست وليدة مهرجان الأمس أو مونديال الغد أو قمة العام المقبل، لكنها قاعدة عتيقة تحتمل التغيير، وعرف متبع قابل للتحديث، وقرار متخذ عرضة للقيل والقال والشد والجذب في عصر يتسع ويتسم للثورة على كل ما هو "مفروض".

المفروض مرفوض؟

حين شدا "الكينغ" محمد منير بأغنيته "كل المفروض مرفوض" عام 2012 في خضم الحراك الثوري والسجال في كل شيء وأي شيء وإعادة النظر في المفروض، لم يكن يغني أغنية ثورية فحسب، بل كان يؤرخ لمرحلة فكرية ثورية معارضة لكل مألوف.

غنى منير بأعلى صوته ضد المألوف "كل المفروض مرفوض، اثبت للعالم إنك موجود"، وبناء عليه لم تقصر الملايين في إثبات الوجود إن لم يكن بالعمل والإبداع والإنجاز، فبالاعتراض على الوضع القائم والاحتجاج على العرف المعمول به واستنكار كل قرار.

قرار رئيس مهرجان القاهرة السينمائي حسين فهمي بأن يكون "الدريس كود" ملزماً لكل من تطأ قدماه أرض المهرجان، وقوله إن في إمكان من يريد أن "يلبس المهرجل (العشوائي) في أي مكان لا مهرجان القاهرة". فتح أبواب جهنم على "الدريس" و"الكود" و"المهرجان"، وكذلك "السجادة الحمراء" التي وجدت نفسها قد تحولت إلى امتداد للمسجد الذي لم يتسع للمصلين أو الذي استسهل البعض من الحضور سهولة تحويله إلى ساحة لصلاة الجمعة حتى لا يتكبد عناء المشي للمسجد المجاور.

ثورة على القواعد

وعلى عكس ما يبدو من انتفاء العلاقة بين "دريس كود" مهرجان وسجادته الحمراء وصلاة الجمعة عليها، إلا أن الحراك الثوري المضاد لـ"الدريس كود"، والنضال الاشتراكي المناهض لطبقية الملابس، والرفض الكامل لكل المفروض تداخل جميعها وقلب مواجع "الدريس كود"، وأيقظ نعرات التاريخ وحرك جمود الثقافة والأنثروبولوجيا.

تبحث الأنثروبولوجيا في أصل الجنس البشري وتاريخ تطوره وعاداته ومعتقداته وعلاقاته وتوزيعه الجغرافي وغيرها من أمور البشر وخصائصهم، وعلى رغم أن "الدريس كود" ليس منصوصاً عليه في علم الأنثروبولوجيا العريق، إلا أنه يشكل جزءاً أصيلاً منه، وإن كان بأسلوب غير مباشر.

مباشرة أحدهم مهمات عمله في البنك أو الشركة أو المؤسسة التي يعمل فيها بملابس النوم، أو توجهه لزيارة الأهل والأصدقاء بملابس السباحة، أو التريض بملابس السهرة، أو حضور مناسبة رسمية بملابس الرياضة هو خروج عن "الدريس كود" غير المعلن أو المكتوب بالضرورة.

 

 

أعراف غير مكتوبة

أستاذ القانون في كلية القانون في جامعة ستانفورد الأميركية ريتشارد طومسون فورد قال في جلسة نقاشية عنوانها "قواعد الملبس: كيف صنعت قوانين الموضة التاريخ" (2021) إن قواعد اللباس تحدد ما نرتديه ومتى وأين بما في ذلك المناسبات غير الرسمية، وإنه حتى في حال عدم وجود قواعد مكتوبة ومنصوص عليها بقرارات، إلا أن قواعد اللباس الضمنية تفرض نفسها وتكاد تكون معروفة للجميع.

ويخطئ من يعتقد أن هذه القواعد الضمنية التي أشار إليها فورد تقتصر على المناسبات الرسمية وأماكن العمل التقليدية وأزياء المدارس الموحدة وغيرها، إلا أن هذه القواعد تشمل كذلك ما يظنه البعض "بلا قواعد".

 يقول فورد إن "الرؤساء التنفيذيين في وادي السيليكون يرتدون قمصاناً وشباشب، وهذا نمط ملابس سائد في الصناعة بأكملها، والنساء اللاتي يرتدين مثلاً فساتين أنيقة وكعوباً عالية يواجهن بسخرية في عالم التكنولوجيا ويعتبرن ضاربات عرض الحائط بـ"الدريس كود" السائد في مثل هذه الأماكن، ليس هذا فقط، بل إن بعض أصحاب رؤوس الأموال يرفضون الاستثمار في أي شركة يديرها أشخاص يرتدون بدلاً".

في المقابل، فإن الشعر الطويل والمجدول للرجال والأظافر الطويلة والأقراط المتدلية واللحى والوشم والسراويل الفضفاضة قد تكون سبباً في فقدان موظفين وموظفات وظائفهم إن أصروا عليها.

ستر عورات وهيمنة

الملابس منذ آلاف السنين لها قواعد، وهي إضافة إلى ستر العورات والحماية من برد الشتاء وحرارة الصيف رمز، وهي أيضاً سلاح نضالي من أجل التغيير الاجتماعي وأداة للسيطرة السياسية، وبالطبع وسيلة للهيمنة الدينية وكثيراً ما يمتزج كلاهما ليبدو الـ"دريس كود" السياسي وكأنه دين، أو يموه الـ"دريس كود" الديني تحت عباءة السياسة.

تعريفات وأكواد لا حصر لها تدخل تحت عباءة الـ"دريس كود"، بدءاً من "الزي الرسمي" حيث رابطة العنق السوداء والبدلة التكسيدو والسموكينغ والفستان السواريه الطويل، مروراً بـ"شبه رسمي"، حيث البدلة ورابطة العنق السوداء والفستان القصير العصري، وكذلك "البيزنيس" حيث البدلة أو الفستان العادي مع كعب متوسط الارتفاع، وانتهاء بـ"السمارت كاجوال" أو غير الرسمي الأنيق، وهو خليط من الرسمي وغير الرسمي وأخيراً الـ"كاجوال" أو غير الرسمي، الذي يعني غالباً "من دون قواعد محددة" تدور دوائر الـ"دريس كود" في جميع أنحاء العالم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن العالم يشهد بين الحين والآخر بزوغ أفراد أو جماعات أو حركات تعارض فكرة الـ"دريس كود" من الأصل، فهناك من يعارضها باعتبارها شكلاً من أشكال التمييز بين الناس وبعضهم، وأحياناً باعتبارها حملاً مادياً إضافياً يثقل كاهل البسطاء، هؤلاء إما يؤمنون بالحرية المطلقة دون شرط التقيد بمظهر أو ملبس بعينه، ومنهم من يدافع عن حق الوجود في الأماكن العامة من دون ملابس من الأصل، أو يعتبرون التقيد بمعايير معينة في الملابس حملاً ربما لا يقوى عليه البسطاء.

الملابس المناسبة

قبل أربع سبع سنوات، حاول أربعة نواب برلمان في الفيليبين تعديل قانون "سياسة الباب المفتوح"، الذي يسمح لأي شخص زيارة المباني الحكومية أو يحضر اجتماعاتها شرط ارتداء "ملابس مناسبة"، النواب الأربعة رأوا في "دريس كود" "الملابس المناسبة" ما من شأنه أن يميز ضد المواطنين الفقراء الذي يودون زيارة مبنى حكومي أو حضور اجتماع، لكن لا يمتلكون "ملابس مناسبة".

 امتلاك الملابس المناسبة والمتفقة و"الدريس كود" المفروض للمشاركة في مؤتمر أو حضور مهرجان أو حفل لا يعني بالضرورة أن المالك راض عن الفكرة.

تحرر نسبي

الملاحظ في العالم كله وبين مختلف الفئات العمرية هو حالة من تخفيف قيود الـ"دريس كود"، أو بالأحرى تعديل قواعده لتصبح أكثر ميلاً لـ"الكاجوال" أو غير الرسمي بدرجاته وأبعد نسبياً من الـ"فورمال" وفئاته.

ويبدو أن الأجيال الأصغر سناً هي المسؤولة عن هذا التحرر النسبي. يشير مقال منشور على موقع "فوربس" عنوانه "هل يقود موظفو جيل الألفية الدريس كود غير الرسمي؟" (2017) إلى أن "وادي السيليكون" وموظفيه وأغلبهم من جيل الألفية وأصغرهم من يقفون وراء الاتجاهات الحديثة في الـ"دريس كود" والميل نحو مزيد من الـ"كاجوال"، لدرجة أن الأثر انعكس على أكثر الموظفين اتباعاً لقواعد الـ"دريس كود" الرسمي الصارمة والقابعين في "وول ستريت" وغيرهم من أماكن العمل المهمة والضخمة والتقليدية.

لقد بدأت ثقافات عمل وصناعات كبرى في محاكاة ثقافة الـ"دريس كود" الأكثر تحرراً وبعداً من الرسمية، وهو ما يشير إليه المقال بـ"تسليم زمام الاقتصاد لجيل الألفية الذي بلغ سن قيادة مقاليد جانب من القوى الاقتصادية، إضافة إلى أن جهود توظيف الشباب النابه والاحتفاظ بالمواهب الفريدة تحتاج قدراً أعلى من تخفيف قيود الـ"دريس كود" الصارمة الرسمية وإحلالها بقيود "دريس كود" غير رسمية، لكنها قد تكون صارمة أيضاً.

صرامة التحرر

صرامة التحرر في الـ"دريس كود" تزامنت ونظيرتها في أدوار الجندر والانتماءات الجنسية، وهو التحرر الذي يشهد ثورة كبرى للتحرر من أنماط الجنس التقليدية والجندر المنصوص عليها سلفاً، حسبما يقول أنصارها وداعموها، التنوع الكبير للهويات الجنسية المختلفة من أصحاب الميول المزدوجة والعابرين جنسياً والمثليين والكويريين (لا يشعرون بالانتماء لأي من الجنسين) وغير الثنائيين الهوية المرنة والبينية الجنسية واللاجنسيين وغيرهم سطلت ضوءاً مختلفاً في السنوات القليلة الماضية على "الدريس كود".

"الدريس كود" في زمن ما قبل الثورة الجنسية والجندرية الناقمة على التقسيمة الجنسية التقليدية كان يعتمد على تحديد خطين لا ثالث لهما، واحد للرجال والآخر للنساء.

حالياً، تحديد خطين في عديد من الدول والثقافات يعد تعدياً على الخطوط الأخرى وتمييزاً ضد الآخرين وسلباً لحقوقهم وإجباراً لهم على الإذعان. ولذلك، ظهرت أكواد ملابس متعددة في عديد من أماكن العمل في هذه الدول يقولون إنها تضمن تحقيق الشمول للجميع دون إجبار أو تمييز.

التمييز والحجاب

تمييز من نوع مختلف، ولكن على النقيض الآخر تماماً يظهر في أحاديث الـ"دريس كود" بين الحين والآخر، هذا "الـتمييز" الذي يشكو منه البعض قائم على أسباب دينية أو ثقافية أو كليهما.

 على سبيل المثال لا الحصر، فإن الـ"دريس كود" في بعض أماكن العمل أو الترفيه التي تحظر غطاء الرأس ينظر لها البعض من المسلمات باعتبارها تمييزاً ضدهن، والبعض يعتبره كوداً ظالماً وقاهراً لهن، الـ"دريس كود" الصارم في بعض الرياضات، ومنع ارتداء ملابس البحر المخصصة للمحجبات أو البنطلونات الطويلة وغيرها، خضعت لعديد من التغيرات والتحديثات لتناسب الزيادة الكبيرة في أعداد المسلمات الراغبات في ارتداء الحجاب وممارسة الرياضة أو الذهاب لحفل أو المشاركة في احتفالية أو العمل في مجالات لم يكن يطرقنها من قبل.

 عديد من أكواد الملابس في دول غربية طوعت القواعد لتسمح باستيعاب الجميع، الشرطة البريطانية على سبيل المثال باتت تسمح بالحجاب وغطاء الرأس الخاص بالسيخ، ولكن بالمقاييس الصارمة المحددة لهما.

من الرؤوس إلى الأقدام

المقاييس الصارمة في الـ"دريس كود" ليست حكراً على الرؤوس لكنها تمتد إلى الأقدام كذلك، وتحديداً الكعب العالي، وقد شهد مهرجان كان السينمائي الدولي عدداً من أحداث وحوادث في سنوات متفرقة تتعلق بكود الكعب العالي، وعلى رغم تصريحات صادرة عن إدارة المهرجان عقب كل حادث منع المشي على السجادة الحمراء لمن لا ترتدي حذاءً بكعب عال تنفي فرض ارتداء الكعوب العالية، إلا أن عدداً من الفنانات والمخرجات تعرضن للمنع من المشي على السجادة الحمراء بحذاء "غير لائق"! ويشار إلى أن المنتجة فاليريا ريختر التي استأصلت جزءاً من قدمها اليسرى، وفوجئت بمنعها من السير على السجادة الحمراء في عام 2015 لأن حذاءها من دون كعب.

يشار إلى أن ممثلات منعن من السير على السجادة الحمراء، لأنهن لا يرتدين كعوباً عالية اعترضن على المنع متهمات إدارة المهرجان بالتمييز ضدهن وعدم المساواة بالرجال الذين يرتدون أحذية مريحة.

لفت انتباه

قطار الثورة على التنميط الجنسي والجندري وصل أكبر مهرجانات العالم منذ سنوات قليلة، الفنان الفرنسي كيدي سمايل مثلاً ظهر في دورة المهرجان في عام 2019 وهو يرتدي "جمب سوت" (بدلة قطعة واحدة) نسائية مرصعة بالترتر البراق بغرض لفت الانتباه إلى صعوبة أن تكون ذا هوية جنسية مرنة (جندر فلويد) أو كوير أو غيرهما وتحضر المهرجان بعد اتباع الـ"دريس كود" الخاص به، حسبما قال، وذلك على رغم أنه شخصياً، حسبما قال رجل تتوافق هويته الجنسية مع الجنس الذي ولد به، أي إنه رجل ينجذب إلى النساء!

من جهة أخرى، يشير البعض إلى أن العامين اللذين شهد خلالهما العالم أشهراً طويلة من الإغلاق والعمل والدراسة من البيت بسبب وباء كورونا، ربما يسهمان في التعجيل بوضع كلمة النهاية أمام منظومة الـ"دريس كود"، فأن تنتج عملاً جيداً أو تحصل العلم وتنجح في الامتحان بجدارة وأنت ترتدي البيجاما والشبشب ربما يعني أن مسماراً إضافياً جرى دقه في نعش الـ "دريس كود".