Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رحلة في أروقة ما قبل "الزمن الضائع" وما بعدها

فرنسا تواصل الاحتفال بمئوية وفاة مارسيل بروست وكتب جديدة تتناول ظاهرته الفريدة

مارسيل بروست والزمن بريشة هانسون (متحف بروست)

غالباً ما تحول غزارة الكتّاب العظام الذين غادروا هذه الدنيا دون إمكان الاحتفاء بذكرى ولادتهم أو رحيلهم. لكنّ ثمة كاتباً يتعذّر علينا تجاهل مئوية وفاته، التي تحلّ هذا العام، لا لأنه الأعظم في نظرنا، بل لأن أحداً لم يمسك أفضل منه بجوهر الاحتفاء بذكرى، ولأنه جعل من هذا الاحتفاء محرّك الأدب ومبدأه بالذات. ونقصد العملاق مارسيل بروست (1871 ــ 1922).

وفعلاً، تحدث في أعمال هذا العملاق، وفي أعماله فقط، تلك المعجزة التي تجمع بين ما حدث في الماضي وكان يبدو أنه توارى إلى الأبد، وما يحدث في اللحظة الآنية ولا يتوقف بعد ذلك عن الحدوث. ولا نتكلم هنا فقط عن فصل قطعة الحلوى (madeleine)، في "البحث عن الزمن الضائع" (1906 ــ 1922)، التي تستحضر طعمها إلى ذاكرة الراوي، طفولته في قرية كومبريه ومنزل خالته ليوني. فهناك أمثلة أخرى كثيرة على ذلك في هذه الرواية، كتلك اللحظة التي يحيا الراوي مجدداً فيها حادث تعثّره قبل سنوات بحجر في ساحة كاتدرائية القديس مرقص في البندقية، إثر تعثّره بحجر في إحدى طرقات بلدة غيرمانت، فيقول: "إنها الخطوة نفسها، الإحساس نفسه، لا خطوة مطابقة أو صدى إحساس قديم...".

أزمنة وأمكنة متشابكة

 

مع بروست، لا يتعلّق الأمر إذاً بعملية تذكُّر فقط، بل بانبعاث ناتج من تشابك مذهل لجميع أزمنة حياةٍ ما، بمجرّد الاختبار بحدّة، وفي آنٍ واحد، للحظة عابرة ولحظة مماثلة لها من الماضي. اختبار يفتح فضاء الأدب بالذات، الفضاء الذي يُنجَز فيها العمل الأدبي... ويصير دواراً. من هنا التعليق التالي لجان كوكتو على رواية بروست: "نتنزّه، بخيط متين حول الأصابع، بين المرايا المتعدِّدة لتلك المتاهة المدهشة، تحت سماء مكشوفة. نُفتَن، ننفعل، نرجع إلى الوراء، ولا نعود نرغب في الخروج منها". تعليق استتبعه برسالة لمواطنه كتب فيها: "لا يمكن لعملٍ مشيَّد أن يكون طويلاً، مهما بلغ عدد صفحاته. وعملك مدى من الأعماق، فتحات صغيرة ومتجاورة، حين ننظر إليها مجتمعةً، تتمتّع بنُبل خلية نحل. المعجزة هي الطعم المختلف للعسل في كل قرص".

وحتى شخصيات "البحث عن الزمن الضائع" لا تفلت من تمدّد الزمن هذا. فحين خطّ بروست بورتريهاتها، اعتمد دائماً على مراجع من شخصيات واقعية أو خرافية من الماضي، أعاد إحياءها من خلال استحضارات لا تحصى. سوان، مثلاً، مفتون بأوديت لأنه يرى فيها كمّاً من نقاط التشابه مع زيفورا، ابنة جيترو، التي رسمها بوتيتشيلي على أحد جدران الفاتيكان.

لكن عدم الرؤية في هذه الرائعة الأدبية سوى ذلك البحث عن الزمن الضائع الذي يشكّلها، هو اختزال لقيمتها وثرائها، مهما كان مركزياً فيها. فهي تقارب أيضاً موضوعات لا تحصى، كالحب والغيرة والهرم والموت، كي لا نذكر غيرها، ويتأمل صاحبها فيها بألمعية نادرة في الأدب والذاكرة والزمن. وهو ما يفسّر إثارتها، بكمالها الاستثنائي، فتنة غالبية مَن قرأها، وأيضاً غيرة عدد قليل جداً منهم، كالفيلسوف جاك دريدا الذي رأى فيها عملاً "فرنسياً للغاية"، كما لو أن في ذلك عيباً، أو لوي فردينان سيلين الذي نعتها بـ "التلمودية للغاية"، نظراً إلى تعرّجات كتابتها وسرديتها.

سرد فضفاض

 

وعلينا الإقرار، ولكن بإعجاب، بأن بروست يصف بدقّة عالِم حشرات كل ما يقاربه في هذه الرواية، وبأن سرده الفضفاض يتمدد على عدة مستويات، نذكر هنا اثنين منها. أولاً، غزارة الكلام الناتج من تقاطُع وجهات نظر مئات الشخصيات (البورجوازية، الأرستقراطية، العسكرية، الفكرية...) التي تفضي بما لديها في مواضيع جمّة، كقضية دريفوس، أو حال الفنون، أو سياسات الدول الأوروبية، أو الحرب العالمية الأولى التي يُنظَر إليها من خلف خطوط التماس، وتحديداً من باريس الغارقة في الظلام، والخاضعة لقصف الطائرات الألمانية...

وإلى هذا الفيض من الكلام والمواقف، تضاف بشكلٍ تراكمي، سرديات يقرأ الراوي فيها تارةً الحياة في قرية كومبريه، وطوراً ما يحصل داخل صالون السيدة فردوران الفني، وتارةً شخصية "عُزّاب الأدب والفن" مثل سانت بوف، وطوراً محيط الرسامين أو الجامعيين. سرديات "سوسيولوجية" (والكلمة لبروست)، لكنها لا تنتمي إلى ميدان السوسيولوجيا الأكاديمي، بل هي الأدب بعينه الذي يشرّح أفضل من جميع العلوم الإنسانية "الأمراض" الخاصة بكل طبقة أو فئة اجتماعية، عن طريق تناوله وجوهاً نموذجية منها تسمح له بتعرية "العدمية الدنيوية"، الوصولية، السخرية الأرستقراطية، الأنانيات، من دون أن ننسى الأقنعة والأكاذيب التي تتخفّى خلفها الطموحات البشرية المتضاربة...

 

والنتيجة؟ حين نطالع المجلدات السبعة لهذه الرواية، لا يسعنا عدم الاصطفاف خلف هذه القراءات المدهشة في دقتها الصائبة، خصوصاً في ما يتعلّق بالأهواء والعواطف، ولكن أيضاً بالأوضاع الخارجية، وبشكلٍ عام السياسة والأصداء التي تثيرها ويتعذّر حصرها. وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن "البحث عن الزمن الضائع" هي أيضاً عمل سياسي، نظراً إلى تصويرها بوفرة، أحداثاً وحالات، شخصيات وبيئات، "عشائر" و"عصابات"، لكن من دون أي طابع أيديولوجي؛ ولأنها تروي شخصياتها الغزيرة من خلال حقبتها، وأحكامها المسبقة، وعواطفها ومخفياتها، وهشاشتها أمام التاريخ وما يثيره من شكوك.

صرح روائي

صرحٌ روائي فريد من نوعه إذاً، هذه الرواية، لكنه لا يختصر عمل صاحبه الأدبي، وإن خسف بقيمته وحجمه ما أتى قبله وبعده. فمَن منا قرأ مجموعة بروست القصصية "الملذات والأيام" (1895) التي وضعها في سنّ الرابعة والعشرين؟ كتاب صاعِق بالقصص والبورتريهات التي يتألف منها، وبالتالي لا نفهم كيف ساهم في تثبيت سمعة هذا الكاتب الجائرة كشخص دنيوي وسطحي، التي لاحقته طوال حياته؟ فصحيح أن روح العصر، وتحديداً الكآبة التي طبعت أدب نهاية القرن التاسع عشر، تعبر نصوصه. لكن مثل جول لافورغ وستيفان مالارميه وجوريس كارل ويسمانس، يُسمعنا بروست منذ صفحاته الأولى صوتاً جديداً من خلال مشاهد ووجوه استحواذية، يعيد استثمار بعضها لاحقاً في رائعته الأدبية.

ففي قصة "موت بلداسار سيلفاند" التي تفتتح هذه المجموعة، يرى بطلها، في الثواني الأخيرة من احتضاره، أمه حين كانت تقبّله لدى عودتها إلى المنزل وتبقى بقربه عندما كان يعاني من الأرق. وفي "اعتراف فتاة"، تبقى بطلتها على قيد الحياة بضع ساعات، بعد محاولتها الانتحار، وفي انتظار موتها، ينخرها الذنب لاعتقادها أنها هي التي سبّبت السكتة الدماغية التي أصابت والدتها، إثر رؤيتها على وجه ابنتها "بهجة شهوانية غبية ووحشية". وفي "نهاية الغيرة" التي تختم المجموعة، يحيا مجدداً بطلها المحتضِر لحظات من طفولته كانت أمه تبقى فيها إلى جانبه حتى منتصف الليل، أو تحضر إلى غرفته عند الثامنة مساءً لتتمنى له ليلة هنيئة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن قيمة "الملذات والأيام" لا تقتصر على هذه المشاهد المؤثّرة، إذ نقرأ أيضاً داخلها تأملات كثيرة تصلح لتكون أقوالاً حكمية. وإن تمكّن بروست فيها من تجاوز ذلك الوناء (langueur) الذي يشكّل ميزة أدب نهاية القرن التاسع عشر، فلأنه وحّد داخلها ألم الانفصال وصورتين للعالم، مواسيتين وبنّاءتين. في الصورة الأولى، يحضر الحب كوهمٍ ومأساة، لكن تبقى طريقة تمثيله، بتعاسته، مصدر جمال ودرباً نحو الإبداع. وفي الصورة الأخرى، نستشفّ روحانية مسيحية يعكسها ما نقرأه في أول الرسالة إلى هيث: "من حضن الله حيث تستريح، اكشف لي تلك الحقائق التي تغلب الموت، تبدد الخوف منه وتجعله إلى حدٍّ ما محبوباً". دنيوي وسطحي، بروست في هذا العمل؟ نترك الجواب لأندريه جيد الذي كتب عام 1923: "مكامن ثراء هذا الكتاب الرقيق تبدو لي ساطعة لدرجة أن عدم انبهارنا به من قبل يفاجئني".

هناك أيضاً رواية بروست الأولى، "جان سانتوي"، التي رفض نشرها، فصدرت بعد وفاته، عام 1952. رواية لا تكمن قيمتها فقط في تضمّنها البذور والمراجع التي غذّت تقنيته السردية (جورج إليوت، بلزاك، فلوبير)، وفي مقاربته فيها سيرورة الإبداع الروائي والحدس، وبالنتيجة، ما سيشكّل الموضوع الرئيس لـ "البحث عن الزمن الضائع"، أي الدعوة إلى الكتابة. فعلى مرّ صفحاتها، يروي الكاتب أيضاً ذكريات طفولته وصباه، ويصف الأماكن التي تردّد عليها، ويكشف أفكاره ورؤيته للفن، مما يجعل منها رواية سيرذاتية بامتياز.

ثمة أخيراً كتاب مجهول أصدرته دار "فالوا" عام 2019 بعنوان "المُراسِل الغامض وقصص أخرى غير منشورة"، ويتضمن قصصاً أبعدها بروست الشاب من "الملذات والأيام" وقرر إبقاءها سرّية لكونها تتمحور جميعاً حول حقيقة مخفية تتعلّق به وتعذّر عليه المجاهرة بها أمام الأخرين، أو حتى أمام نفسه، ونقصد ميوله المثلية. حقيقة يستحضرها بطريقة مأساوية قاتمة، وحدّة درامية، كما لو أنها لعنة.

كل هذه الأعمال تتوجّب قراءتها بعناية، ليس فقط لقيمتها الأكيدة، بل لأن كل واحد منها يشكّل أيضاً أحد "الأروقة السرّية" التي قادت بروست إلى وضع تلك التحفة الأدبية التي تحمل، بمجلداتها السبعة وكلماتها التي تتجاوز المليون ونصف كلمة، الرقم القياسي لأطول رواية، ويعتبرها نقّاد كثر عبر العالم أفضل عمل أدبي في تاريخ البشرية.

المزيد من ثقافة