Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ملحمة بروست "بحثا عن الزمن المفقود" اكتملت عربيا بأجزائها السبعة

الياس بديوي ترجم 5 أجزاء وجمال شحيد الجزءين الأخيرين وأشرف على جمع الطبعة الجديدة وتحديثها

الروائي الفرنسي الكبير مارسيل بروست (دار الجمل)

للسوريين في أيامهم الكالحة المعتمة هذه أن يتذكروا، حال صفت لهم دقائق هاربة من الجحيم المستمر، الطرق الوعرة الدؤوبة التي ساروا فيها في شأن يبدو هامشياً لغير العارف، وجوهرياً لأهل المعرفة: الترجمة. ولهم أن يشعروا بالغبطة حال افتكروا إنجازات عدة ترد عفو الخاطر ما إن يرن السؤال: ماذا ترجم السوريون؟ الإنجاز الأول ترجمة ثمانية عشر مجلداً للأديب الروسي الشهير فيودور دوستويفسكي، أي الأعمال الكاملة وبمبادرة شخصية لم تؤطرها تماماً مؤسسة رسمية بقدر ما أطرها امتنان القراء العرب للمترجم السوري الفذ سامي الدروبي (1921- 1976). والإنجاز الثاني يحمل مترجمان سوريان توقيعه: الياس بديوي (1932-1997) وجمال شحيد (1942- ) لرائعة مارسيل بروست (1871- 1922) بأجزائها السبعة: "بحثاً عن الزمن المفقود"، التي صدرت حديثاً في طبعة جديدة أنيقة عن دار الجمل. علاوة على ترجمات كثيرة دأب المترجمون السوريون على إنجازها بالتوالي، حتى ليمكن القول إن سوريا ما برحت تشهد حركة نشطة في هذا الحقل، على رغم كل ما حصل ويحصل.

تعد "بحثاً عن الزمن المفقود" الرواية الأطول في التاريخ، وقد استغرق بروست في كتابتها ما يقارب الأربعة عشر عاماً، وتعد من عيون الأدب العالمي ومفخرة للفرنسيين. إذ كتب الناقد الفرنسي جان إيف تادييه المختص ببروست، والذي أشرف على نشر أعمال بروست في سلسلة لا بلياد الشهيرة: "لطالما قيل إن لإنجلترا شكسبير ولألمانيا غوته ولإيطاليا دانتي فإن فرنسا لا تملك أحداً يساويهم، ولكن ما يدعو للظن بأن لها الآن وبأن لها في غد، مارسيل بروست نظراً لعدد الدراسات التي خُص بها".

للطبعة الصادرة عن دار الجمل، فضيلة أخرى غير إعادة النشر، فهي تتمتع بمراجعة دقيقة قام بها المترجم السوري جمال شحيد للأجزاء السبعة، فضلاً عن تضمنها دراسة جان إيف تادييه التأريخية لأعمال بروست بصياغتها الأولية والأخيرة ومسوداتها وحواشيها، ومقالة أخرى لعضو الأكاديمية الفرنسية أندريه موروا، ولكنهما بترجمة شحيد.

رواية الترجمة

مع ذلك، فإن قصة الترجمة السورية لـ"بحثاً عن الزمن المفقود" تستحق أن تروى: كان الياس بديوي قد بادر لهذه المهمة الصعبة، مبادرة شخصية، وتخبر ابنته أنه أسر لصديقه المفكر الفيلسوف أنطون مقدسي (1914- 2005) برغبته في ترجمة رائعة بروست باعتبارها تحدياً "شخصياً" له، فتحمس المفكر الأصيل لرغبة بديوي، وبمساعيه نشرت الأجزاء الأولى لدى منشورات وزارة الثقافة السورية.

لم تكن المهمة صعبة بسبب طول الرواية فحسب، بل أيضاً بسبب أسلوب بروست الخاص، بيد أن بديوي كان متسلحاً بعدة لغوية غنية، فهو يتقن بالإضافة إلى العربية والفرنسية، اللغتين اللاتينية واليونانية، الأمر الذي أتاح له إنجاز ترجمة عذبة سلسة تنساب بيسر، على رغم شهرة الجمل الفائقة الطول والمتشابكة والمتشعبة في "بحثاً عن الزمن المفقود". فضلاً عن الإحالات والإشارات الكثيرة للفنون من رسم وموسيقى وعمارة كما لا يخفى.

نشر بديوي الأجزاء الثلاثة الأولى لدى منشورات وزارة الثقافة السورية (1977-1983) ومن ثم أعادت دار شرقيات المصرية نشرها (بعد أن نقحها بديوي بنفسه) مع الجزءين الجديدين الرابع والخامس اللذين أتم ترجمتهما بين عامي 1994-1997. بيد أن وفاة بديوي عام 1997، أوحت كما لو أن المهمة لن تكتمل سورياً، لكن "المركز الفرنسي للثقافة والتعاون" في القاهرة اتصل بالمترجم السوري القدير جمال شحيد - الذي يتقن اللاتينية واليونانية كما بديوي - ليكمل المهمة، فتهيب في البداية نظراً إلى أن "النص وعر وشاق، ولأن الذي سبقني إلى ترجمة بروست من كبار المترجمين العرب"، كما قال في محاضرة احتفت بصدور الترجمة الكاملة في المركز الثقافي الفرنسي بدمشق.

ترجم جمال شحيد الجزءين السادس والسابع "ألبرتين المختفية" (2003) و"الزمن المستعاد" (2005)، ونشرا في القاهرة لدى دار شرقيات أيضاً. يصف شحيد النص البروستي قائلاً: "هل نستطيع ترجمة بروست إلى العربية ترجمةً ناصعة؟ أجرؤ على تأكيد ذلك، لا سيما أن فضاءه الروائي تقاطَع كثيراً مع الفضاء الشرقي. ومع ذلك اعترضتْني صعوباتٌ عدة في أثناء ترجمته. كنتُ أقع أحياناً على جمل طويلة تبلغ 35 سطراً، فأحار في البداية من أين أبدأ".

طبعات عدة

ومما لا ريب فيه أن معايشة جمال شحيد للنص البروستي سنوات طويلة، رفدت هذه الطبعة بميزات جديدة، فظهر الإنجاز. أعاد شحيد مراجعة النص العربي بأجزائه السبعة كاملاً بالمقارنة مع طبعة لابلياد نفسها، ووضع بعض التعديلات ودقق بعض الأمور. كما أضاف حواشي، والأهم أنه كتب دراسة بحثية من ثلاثين صفحة – في الجزء السابع - عن الشخصيات الواردة في "بحثاً عن الزمن المفقود" التي تربو عن الخمسمئة، وبين علاقاتها المتشعبة.

ولعل الزمن بين طبعة دار شرقيات وطبعة دار الجمل التي في أيدينا، بلور أكثر وجهة نظر شحيد في ما يخص قدرة اللغة العربية على التعبير، إذ يعلق على هذه الطبعة: "اللغة العربية فيها إمكانيات هائلة للتعبير، وإن كانت جمل بروست الطويلة المتشعبة شهيرة، فثمة أيضاً في الأدب العربي المعاصر جمل أطول، وأضرب مثالاً عن ذلك الجمل الواردة في سكرية نجيب محفوظ والتي وصل طول إحداها إلى 46 سطراً، فضلاً عن مقطع يمتد لأربع صفحات ونيف".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأضاف قائلاً: "إن الصعوبة في النص البروستي سببها الإحالات الضمائرية في الجمل الطويلة، مما يتطلب دقة متناهية". والأثر الجديد لبروست على شحيد، يظهر أيضاً في كتابه الجديد غير المنشور بعد عن بروست وعنوانه "عن مارسيل بروست أو ملاك الليل"، يعالج فيه النص البروستي من الناحيتين الكتابية والنفسية، ويخصص فيه فصلاً مهماً لفهم بروست وتقديره، إذ يبحث فيه عن بروست كما رآه معاصروه من الأدباء مثل أورهان باموك ونجيب محفوظ وغيرهما.

جمل طويلة

الجمل الطويلة المتشعبة والمتشابكة إذاً، ميّزت أسلوب بروست، ولعل وصف جان إيف تادييه المتخصص الفائق الدقة: "الجملة التالية تتطاول حتى تشغل اثنين وعشرين سطراً وقد أثقلت بأحاسيس زالت وصور وبنيت على وجه الخصوص، وقد نضدت جملاً تابعة ومعطوفة وفق قواعد الجملة اللاتينية والبلاغة الكلاسيكية وجمل "بحثاً عن الزمن المفقود" الطويلة، هذه الجمل التي تقودك على نحو لا يرحم، ولكن دونما إرهاق إلى درج واسع نبلغ قمته دهشين مأخوذين لإرسال النظرة النهائية التي تحتضن الأفق بكامله".

هذه الرواية التي تعالج "موضوع الزمان الذي يهدم وموضوع الذكرى التي تخلص" بتعبير موروا، قد تذكّر قارئ بروست العربي بوصف من البلاغة العربية للأسلوب فيها، عنيت "الطي والنشر" الذي يحدده عبد القادر الجرجاني قائلاً: "وهو أن يذكر شيئان أو أشياء إما تفصيلاً بالنص على كل واحد أو إجمالاً بأن يؤتى بلفظ يشتمل على متعدد، ثم يذكر أشياء على عدد ذلك، كل واحد يرجع إلى واحد من المتقدم ولا ينص على ذلك الرجوع بل يفوض إلى عقل السامع رد كل واحد إلى ما يليق به. وذكر الأشياء الأولى تفصيلاً أو إجمالاً يسمى باللف أو الطي وذكر الأشياء الثانية الراجعة إلى الأولى يسمى بالنشر"، ذلك أن بروست المفتون بالذاكرة اللاإرادية وتراكبها على أزمان رائحة غادية، يبث إشارات شبه واهية، ويدخل أشخاصاً شبه ثانويين، لا يلبث أن يعود إلى كل منها فيضخمها ويوسعها، ملاعباً زمناً يبدو مفقوداً بيد أنه يستعاد بصنوف شتى تكثف الأحاسيس الماضية حد أنها تبعثها وتخلقها من جديد.

وقد نجد في كلام موروا ثانيةً صدى لـ"الطي والنشر" في "بحثاً عن الزمن المفقود"، إذ يكتب: "وينبغي تصور طريقة بروست التي لن تتغير من بعد على أنها طريقة لاعب شطرنج يتابع عدة عمليات هجومية في الآن نفسه. فهو ينتقل من طرح إلى آخر، من قطاع إلى آخر، من مدينة إلى أخرى ومن جماعة إلى أخرى. ولم يكن هذا التوسع تتابعاً خطياً في يوم بالمعنى الذي يقص فيه الكاتب حكاية من أولها إلى آخرها، فبروست يستعيد على العكس، خلايا بدئية ووحدات مختصرة ليتوسع بها ويضخمها إلى حد لافت أحياناً أو على العكس ليحذفها".

يمكن ختام هذه المقالة، بمطلع من "بحثاً عن الزمن المفقود" المعد من أجمل المطالع الأدبية للتأمل في الأسلوب المنساب الذي يخطف الأنفاس ويصعب على القارئ التوقف والاكتفاء: "كثيراً ما آويت إلى سريري في ساعة مبكرة، وكانت عيناي أحياناً حالما أطفئ شمعتي، تغتمضان بسرعة لا تدع لي متسعاً من الوقت أقول فيه: "إنني أنام". وبعد نصف ساعة توقظني فكرة أن الوقت حان للبحث عن النوم، فأبتغي وضع المجلد الذي أظن أنه لا يزال بين يدي وإطفاء شمعتي، إذ إني ما كففت في نومي عن التفكير في ما قرأت منذ قليل، ولكن هذه الأفكار أخذت مجرى خاصاً بعض الشيء فبدا لي أنني بنفسي ما يتحدث عنه الكتاب".

المزيد من ثقافة