التعدين الصناعي يتمدد في قاع المحيط ويهدد البيئة

غرينبيس: "الجشع الصناعي قد يدمر بيئة أعماق البحار حتى قبل ان نتمكن من دراستها"

يرى نشطاء البيئة أن يد الاستثمار المنفلت خرّبت اليابسة والهواء، ويخشون أن يتكرر الأمر نفسه مع المحيطات وكائناتها وأنواعها الحية (موقع سينكولاريتيهاب.كوم)

أفاد تقرير حديث صادر عن منظمة "السلام الأخضر" ("غرينبيس" Greenpeace) أن ضرراً لا رجعة فيه ربما يطاول بعض النظم الإيكولوجية الأكثر أهمية على كوكب الأرض، في حال تعرّضت منطقة في قاع المحيط تبلغ خمسة أضعاف مساحة المملكة المتحدة للتعدين.

أصدرت منظمة "الأمم المتحدة" 29 رخصة استكشاف لصالح شركات استخراج المعادن الثمينة النادرة من أعماق البحار مثل معدن الكوبالت الصلب الذي سيستخدم في صناعة البطاريات مع نمو "الاقتصاد الصديق للبيئة".

وخلص التقرير إلى أنه من دون الإدارة السليمة للتعيدن فإنه سيؤدي إلى القضاء على الموائل الطبيعية وأنواع الكائنات في المحيط بأكملها، بالإضافة إلى إطلاق السموم في مناطق لم تتأثر منذ آلاف السنين بالانتهاكات التي تعانيها البيئة.

كذلك ذكر التقرير أن "الحدود الصناعية الجديدة" يمكن أن تتسبب في إطلاق كميات هائلة من الكربون في قاع المحيط، ما يعرّض المحاولات المضنية لخفض الانبعاثات إلى مخاطر شتى.

وعلى الرغم من أن التعدين التجاري في أعماق البحار لم يبدأ بعد، فقد مُنحت تراخيص التنقيب إلى بلدان مثل المملكة المتحدة، وفرنسا، وألمانيا، والصين، وكوريا، وروسيا.

تمنح تلك التصاريح الشركات الحق في الحفر حتى 1.3 مليون كيلومتر مربع (500 ألف ميل مربع) في قيعان محيطات الهادئ والأطلسي والهندي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

منحت المملكة المتحدة تراخيص إلى شركة "سيبد ريسورسس" التابعة للشركة الأميركية "لوكهيد مارتن"، فصارت تمتلك تصريحاً للتنقيب على المعادن في مساحة تقارب الـ133 ألف كيلومتر مربع من قاع البحر.

يُشار إلى أنه حتى الآن استكشف العلماء مساحة لا تزيد عن 0.0001 في المئة من قاع المحيط.

في هذا السياق، أشارت لويزا كاسون من حملة "حماية المحيطات" في "السلام الأخضر"، إلى إنّ "الحالة الجيدة لمحيطاتنا وثيقة الصلة ببقائنا... ما لم نعمل الآن على حمايتها، فإن التعدين في أعماق البحار ستكون عواقبه وخيمة على الحياة البحرية والبشرية سوية".

وأضافت، "تمثّل أعماق البحار أكبر نظام بيئي على كوكب الأرض وموطناً لمخلوقات فريدة بالكاد نفهمها. يمكن أن تدمر تلك الصناعة الجشعة عجائب المحيطات العميقة حتى قبل أن تتاح لنا الفرصة كي نفكّ طلاسمها".

ويتطلع عدد متزايد من البلدان إلى قاع المحيط بوصفه مصدراً للثروة، معتقدين أنه يفيض بالمعادن الأساسية التي تستخدم في صناعة الأدوات الحديثة، من الهواتف الذكية إلى الألواح الشمسية.

حصلت الشركات على التراخيص من "السلطة الدولية لقاع البحار" ، وهي هيئة لدى "الأمم المتحدة" مسؤولة عن تنظيم التعدين في أعماق البحر. وفي المقابل، انتقد دعاة حماية البيئة الهيئة لأنها أعطت الأولوية لمصالح الشركات فوق الحماية البحرية القوية.

وتشكل الرواسب في أعماق البحار مخزناً مهماً وطويل الأجل لمادة "الكربون الأزرق" الذي تمتصه أنواع الكائنات البحرية ثم تحمله إلى قاع البحر عند موتها.

يشير التقرير إلى أن "فتح حدود صناعية جديدة في أكبر نظام بيئي على الأرض وتقويض مخزن مهم للكربون، أي المحيطات، ينطوي على مخاطر بيئية كبيرة... وكذلك قد يؤدّي التعدين في أعماق البحار إلى تفاقم تغيّر المناخ".

ووصفت كاسون "السلطة الدولية لقاع البحار" بـأنها "ليست مؤهلة للنهوض بمهمة حماية محيطاتنا... إنها تُعنى أكثر بتعزيز مصالح صناعة التعدين في أعماق البحار في مقابل الضغط على معاهدة عالميّة قوية تحمي المحيطات".

في المقابل، ذكر متحدث باسم الحكومة البريطانية أنها "تواصل الضغط من أجل التمسك بأعلى المعايير البيئية الدولية، بما في ذلك استخراج المعادن في أعماق البحار. نحن نرعى رخصتي تنقيب تسمحان للبحوث العلمية البحرية بأن تدرك تماماً آثار التعدين في أعماق البحار، ولن نصدر ترخيص استغلال واحداً من دون إجراء تقييم كامل للأثر البيئي الذي يخلّفه"، بحسب تعبيره.

كذلك لاحظ  إن. آتش. خادج، وهو عالم في "المعهد الوطني الهندي لعلوم المحيطات" وجود "مبالغة" في تقرير "السلام الأخضر". ويتولى خادج بحوثاً لدراسة قاع البحر والآثار البيئية المتأتية عن برنامج استكشاف المحيط الهندي العميق.

ورأى أن عمليات قاع البحر ستكون أقل ضرراً بكثير من عملية التعدين في البر، مشيراً إلى تطوير تقنيات صديقة للبيئة بما يتماشى مع إرشادات "السلطة الدولية لقاع البحار".

كذلك صرّح لمؤسسة "طومسون رويترز" بأن "تعدين المحيطات ليس استغلالاً بل جمع للودائع المعدنية التجارية صديق للبيئة".

لا يمكن أن يبدأ التعدين قبل الاتفاق على القوانين المنظمة له، ومن المتوقع أن يتحقق ذلك بحلول يوليو (تموز) من العام المقبل 2020.

دعت "السلام الأخضر" منظمة "الأمم المتحدة" إلى تأمين معاهدة عالمية قوية تحمي المحيطات، مع إعطاء الأولوية للحفاظ على البيئة البحرية، وستشهد نيويورك في أغسطس (آب) 2019 محادثات حول المحيطات خارج الحدود الوطنية التي توصف بأنها مجال يخضع للحوكمة العالمية لكن الخبراء يرون إنها لا تحظى بالاهتمام المطلوب.

ختمت كاسون بإنّه "من الأهمية بمكان أن تتفق الحكومات عالميّاً على معاهدة للأمم المتحدة تكون قوية بما يكفي لتمهيد الطريق أمام إنشاء شبكة من المحميات البحرية خارج نطاق أشكال الاستغلال الصناعي كافة، بما في ذلك التعدين في أعماق البحار. كذلك يتعين أن تفرض تلك المعاهدة معايير بيئية أعلى بكثير مما يسود حاضراً بهدف ضبط نشاطات التعدين خارج تلك المحميات".

© The Independent

المزيد من مناخ وجيولوجيا