Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

من الحرب بالوكالة إلى المواجهة المباشرة؟

على بوتين التوقف عن المكابرة والتصور أن ما تريده قوة كبرى يجب أن تحصل عليه

الخطوة التالية الملحة والمهمة هي قدرة الجيش الأوكراني على الاحتفاظ بالمناطق المحررة من الروس (أ ف ب)

ماذا بعد "الصدمة الأوكرانية" القوية للجيش الروسي؟ ماذا يفعل الرئيس فلاديمير بوتين الذي صار مستقبله السياسي مرتبطاً بما يحدث في حرب أوكرانيا، بعدما شنها في فبراير (شباط) الماضي بحجة "دفع الخطر" عن روسيا وحماية الروس في منطقة الدونباس، وربط بها دور روسيا كقوة كبرى تقاتل "الأحادية القطبية" الأميركية لتشكيل نظام عالمي متعدد الأقطاب؟ وما هي الخطوة التالية لأوكرانيا بقيادة الرئيس فولوديمير زيلينسكي؟

ما كان بين التوقعات، إلا من باب الأمنيات، أن يشنّ الجيش الأوكراني هجوماً معاكساً واسعاً يستعيد مدينة إيزيوم ومجمل منطقة خاركيف وصولاً إلى الحدود مع روسيا، وأن يهرب الجيش الروسي تاركاً العتاد خلفه. وليس خارج التوقعات، اليوم، أن يلجأ بوتين إلى ضربة نووية محدودة تفتح باب الجحيم على أوروبا والعالم من خلال الفعل ورد الفعل، بالتالي إمكان أن يدخل "الناتو" في الحرب بشكل مباشر بعد دوره غير المباشر. فما أسهم في "تغيير مجرى الحرب" هو صواريخ "هيمارس" و"هارم" ومدافع "سيزاز"، كما يقول كريستوفر دوغرني من مركز الأمن القومي الأميركي. وما يصعب على بوتين تجاهله هو أن ما فعلته التكتيكات القتالية الأوكرانية المرنة والأسلحة الغربية يبدو "بروفة" لأي قتال مباشر بين روسيا و"الناتو". لكن الرئيس الروسي وصل في النهاية إلى القرار الذي كان يخشى الوصول إليه: إعلان التعبئة العامة الجزئية وبالتالي استدعاء 300 ألف عسكري احتياطي إلى الخدمة في الجبهة الأوكرانية، والطلب إلى الحكومة تأمين الموارد المالية وتسريع إنتاج الأسلحة، ومن المبكر معرفة تأثير ذلك في روسيا. والأخطر هو إعطاء الضوء الأخضر لإجراء استفتاءات في لوغانسك ودونيتسك وخيرسون وزابوريجيا للانضمام إلى روسيا.

وليس أمام زيلينسكي سوى أن يدرك أمرين: أولهما "حدود" قوته المرتبطة بما يقدمه الغرب من دعم مستمر ومستعار، و"لا محدودية" ما لدى روسيا. وثانيهما أن من المبكر إعلان النصر، لأن الخطوة التالية الملحة والمهمة هي قدرة الجيش الأوكراني على الاحتفاظ بالمناطق المحررة من الروس. وعلى بوتين التوقف عن المكابرة والتصور أن ما تريده قوة كبرى يجب أن تحصل عليه. فليس في السياسة شيء اسمه حاكم لا يستطيع أن يخسر، وإن كان من الصعب عليه أن يربح. وليس سوى هرب من الوقائع قول بوتين "لم نخسر شيئاً ولن نخسر شيئاً في الهجوم الضروري على أوكرانيا دفاعاً عن روسيا". لا بل إصراره على أن تأثير العقوبات الغربية الشاملة كان محدوداً. فما أكثر القياصرة الذين خسروا حروباً وما أكثر رؤساء أميركا الذين خسروا حروباً. وما أسرع ما تتمكن القوى الكبرى من تجاوز الخسارة وتصحيح الأخطاء التي ترتكبها، كما يعلمنا التاريخ، في رأي مايكل مازار من "راند كوربورايشن".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

والمشكلة حتى الآن هي تكبير أهداف الحرب وتصغير الإمكانات في خدمتها. بوتين يعتبر أن حربه في أوكرانيا هي جزء من "المواجهة مع الغرب والتي هي صراع بين نموذجين لإدارة العالم: نموذج غربي لم يعد جذاباً، ونموذج تقدمه الدول ذوات السيادة الحقيقية" أي المقابلة للغرب. ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تقول "إنها الحرب، حرب على طاقتنا وعلى اقتصادنا وعلى قيمنا ومستقبلنا". لكن بوتين مصرّ، حتى إشعار آخر، على تسمية حربه "عملية عسكرية خاصة". والجنرالات الروس لا يعرفون سوى الإدارة المركزية الجامدة للحرب والتي لا يمكن أن تصمد في مواجهة المرونة الغربية. والغرب الذي يعرف أن إمكانات أوكرانيا لا تقاس بإمكانات روسيا، يصرّ على الاكتفاء بالتسليح المستمر بالتقسيط للجيش الأوكراني لكي ينجز ما تسميه إدارة الرئيس جو بايدن "هزيمة استراتيجية" لروسيا. نصر بالوكالة.

والتحديات تكبر. الغرب لا يزال يرفض المواجهة المباشرة التي قد تصبح مفروضة عليه إذا لجأ بوتين إلى الخيار النووي. وبوتين يستطيع تجميع قدرات لتدمير أوكرانيا بالكامل، لكنه عاجز عن إخضاع الشعب الأوكراني، كما عن الخروج من الحصار الغربي. والعالم كله يعاني الوجه الآخر لحرب أوكرانيا: أزمة غاز ونفط وارتفاع أسعار وعقوبات، وفوضى لا أحد يعرف إلى أين تقود وسط شعبوية يمينية متطرفة وصلت إلى السلطة في السويد وقريباً في إيطاليا.

والحرب طويلة. فلا بوتين يقرر التعبئة العامة من أجل حرب قصيرة. ولا بايدن يجهل معنى كلامه على حرب طويلة.

المزيد من تحلیل