ملخص
أقر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بوجود "إخفاقات" في إدارة الاحتجاجات، وانتشرت حول العالم صور المواجهات والمباني العامة التي أحرقت أو خربت، مما دفع دولاً عدة، بينها الولايات المتحدة والصين وألمانيا، إلى توجيه إرشادات لرعاياها في فرنسا بتوخي الحذر.
قالت السلطات الفرنسية اليوم الثلاثاء إن حظر التجول الذي فُرض في مدن عدة إثر أعمال العنف خلال عطلة نهاية الأسبوع أسهم في إرساء "الهدوء"، وإنه سيجدّد لليلة ثانية "إذ يستدعي الوضع ذلك".
وتواجه الحكومة انتقادات حادة بعد أعمال عنف ونهب، هي الأخطر خلال الأعوام الأخيرة، وقعت على هامش تظاهرات حاشدة السبت الماضي احتجاجاً على غلاء المعيشة، قبل ستة أشهر فقط من الانتخابات الرئاسية.
وأقر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بوجود "إخفاقات" في إدارة الاحتجاجات، وانتشرت حول العالم صور المواجهات والمباني العامة التي أحرقت أو خربت، مما دفع دولاً عدة، بينها الولايات المتحدة والصين وألمانيا، إلى توجيه إرشادات لرعاياها في فرنسا بتوخي الحذر.
وبدأ سريان حظر التجول مساء أمس الإثنين في أجزاء من باريس وليون، ثالث كبرى مدن البلاد (وسط شرق)، وبوردو (جنوب غرب) وليل (شمال) ونيس (جنوب شرق)، واقتصر الحظر في المدن الثلاث الأخيرة على القاصرين.
وخلال الليل، حلقت مروحية فوق جزء من وسط العاصمة، مستخدمة كشافاً ضوئياً قوياً لمراقبة التزام القيود.
هدنة موقتة
سادت حال من الهدوء في المدن الفرنسية خلال الليل في ظل حظر التجوال الذي فرض عقب مشاهد الفوضى التي اندلعت في مطلع الأسبوع الجاري، في وقت أعلنت الجماعات الاحتجاجية عن جولة جديدة من التظاهرات السبت المقبل.
وبعد صدمة أعمال العنف غير المسبوقة في مطلع الأسبوع الجاري، تسعى الحكومة جاهدة إلى طمأنة الناس بأنها استفادت من الدروس المستخلصة من الثغرات الأمنية التي تركت مراكز مدن مثل باريس ومارسيليا وليون دون حماية تذكر أمام المشاغبين واللصوص في أعقاب التظاهرات.
وقال رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو في منشور على منصة "إكس"، "أسهمت إجراءات حظر التجوال المحددة في الحفاظ على الهدوء ليلة أمس"، وأضاف "الإجراء قد يتم تمديده حيثما اقتضى الوضع ذلك".
وتحولت إضرابات طلاب المدارس الثانوية والتظاهرات ضد تدني مستوى الخدمات التعليمية وتدهور الأوضاع إلى موجة غضب على مستوى البلاد ضد ارتفاع الأسعار، مع الشعور بأن حاجات الصحة والإسكان والرعاية الاجتماعية لم تعد تُلبَّى أيضاً.
وعلاوة على ذلك، تسهم هذه الأحداث في تأجيج التوتر في الأجواء السياسية في وقت يتصدر مرشحو اليمين المتطرف واليسار المتطرف المشهد قبل الانتخابات الرئاسية المقررة في أبريل (نيسان) ومايو (أيار) المقبلين.
وقال وزير العدل جيرالد دارمانان لقناة "سي نيوز الفرنسية" إن 123 شخصاً ألقي القبض عليهم منذ بدء الاحتجاجات وما زالوا رهن الاحتجاز في انتظار المحاكمة.
وأكد في ظهور تلفزيوني منفصل مساء الإثنين أن نحو 2500 شخص ما زالوا رهن الاحتجاز لاستجوابهم.
ويمنح هدوء الليل الحكومة فرصة لالتقاط الأنفاس بعد أسابيع من الاحتجاجات التي أرهقت الشرطة والسلطات العامة، لكن هناك تحديات جديدة تنتظرهم السبت المقبل.
وقالت الاتحاد الوطني للطلاب الفرنسيين، وهو الاتحاد الطلابي الرئيس في فرنسا، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، "سنواصل"، متعهداً مواصلة الضغط على الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وحكومته لإصلاح ما يصفه الطلاب والتلاميذ بأنه نظام تعليمي متهالك يعاني نقص التمويل.
من ناحية أخرى، دعت مجموعات تعرف باسم السترات الصفراء إلى تنظيم احتجاجات متفرقة ضد ارتفاع أسعار الوقود.
وقبل ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية تتخذ الأزمة طابعاً سياسياً متزايداً، مع تصدر مرشحة حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف مارين لوبن استطلاعات الرأي بفارق كبير.
اتهامات سياسية
ويندد حزب "التجمع الوطني" بـ"عجز" الحكومة، ويتهم حزب "فرنسا الأبية" اليساري الراديكالي بالسعي إلى إشعال "حرب أهلية"، ويقدم الحزب اليميني المتطرف نفسه بوصفه حزب النظام، أملاً في توسيع قاعدته الانتخابية استعداداً للانتخابات الرئاسية.
ويرى رئيس مجلس الشيوخ جيرار لارشيه، المنتمي إلى اليمين وثاني شخصية في الدولة، أن مسألة حظر حزب "فرنسا الأبية" يمكن أن "تُطرح" بعد أعمال العنف خلال عطلة نهاية الأسبوع.
واتهم رئيس الوزراء "حركة اليسار المتطرف" بالسعي إلى إحداث "فوضى عارمة"، و"حتى التشكيك في الجدول الزمني للانتخابات الرئاسية وفي إجرائها".
وأكد مرشح حزب "فرنسا الأبية" جان لوك ميلانشون أن حزبه "لا يقود الحركة الشعبية، التي تقود نفسها بنفسها"، مندداً بـ"عدم كفاءة" الحكومة في أساليب حفظ النظام.
وفي مواجهة اتهامات اليمين واليمين المتطرف للسلطات بعدم الحزم في التعامل مع أعمال العنف، تسعى السلطة إلى إظهار قوتها، خصوصاً مع توقع تظاهرات جديدة السبت وخلال الأسابيع المقبلة، وسيعقد رئيس الوزراء اجتماعاً مع الأحزاب السياسية غداً الخميس.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لكن زعيمة حزب "الخضر" مارين تونديلييه أبدت تحفظات على هذه "الإجراءات الاستثنائية"، داعية إلى "تسليط الضوء على أوجه القصور في منظومة حفظ النظام".
ويرى رئيس بلدية باريس الاشتراكي إيمانويل غريغوار أن حظر التجول "يجب أن يبقى استثنائياً"، فيما أعلن وزير العدل جيرالد دارمانان مساء أمس الإثنين توقيف 2513 شخصاً قيد التحقيق وإيداع 67 شخصاً السجن.
وأمس الإثنين، أعلن وزير شؤون المدن الفرنسي فينسان جانبرون أنه سيصدر "تعميماً" يقضي بأن "تُخصم من الإعانات الاجتماعية للمخالفين مبالغ تعادل عائدات اتجارهم غير المشروع أو إخفائهم مسروقات".
وتترقب الأوساط التجارية أيضاً المساعدات التي ستقدمها الحكومة إلى المتاجر والمطاعم المتضررة، بعدما تعرض ما لا يقل عن 3 آلاف محل تجاري للتخريب أو النهب.
ورقة انتخابية لترمب
وأصيب بعض المتظاهرين بجروح خطرة، ففي مولوز (شرق) فقدت فتاة تبلغ 17 سنة إحدى عينيها، وفي سانت إتيان (وسط شرق)، بُترت يد شاب في السن نفسها جراء انفجار قنبلة، وأعلن محاميه أمس الإثنين تقديم شكوى ضد مطلقها ووزير الداخلية لوران نونييز.
وكان نونييز قد عرض استقالته أول من أمس الأحد، وأقر بمسؤوليته في اليوم التالي، معترفاً بـ"فقدان السيطرة" في بعض المدن، لكن إيمانويل ماكرون رفض استقالته.
وتثير الأزمة الفرنسية تعليقات واسعة في الخارج.
ووجد دونالد ترمب، الذي يواجه وضعاً صعباً قبيل انتخابات التجديد النصفي الأميركية بسبب التضخم المرتفع، في أعمال العنف في فرنسا فرصة لتصعيد خطابه المناهض للهجرة والإسلام.
وخلال تجمع انتخابي في كانساس، استهل الرئيس الأميركي كلمته بحديث مطول عن فرنسا التي قال إنها "تتعرض للاجتياح والنهب والإحراق على أيدي مهاجرين وجهاديين وشيوعيين".
ويخالف ذلك موقف غالبية السياسيين والمتخصصين الفرنسيين الذين يحمّلون اليسار المتطرف والاستقطاب المتزايد الذي يشهده المجتمع مسؤولية الأحداث.
وندد الاتحاد الأوروبي بأعمال النهب والإحراق، داعياً في الوقت نفسه فرنسا إلى "حماية" الحق في التظاهر السلمي.