الفلسطينيون بعد المنامة!

ورشة لم تجد الحماسة التي كان يتمناها جاريد كوشنر

جيراد كوشنر المستشار الأعلى للرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثا أمام ورشة المنامة الاقتصادية (رويترز)

لنعترف بداية أن ورشة المنامة لم تجد الحماسة التي كان يتمناها جاريد كوشنر- صهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب ومندوبه لما يسمى "صفقة القرن"، والأسباب أن السيد ترمب كان قد وضع العربة أمام الحصان: اعترف بضم الجولان والقدس وأغلق مكتب منظمة التحرير في واشنطن وقطع المساعدات عن منظمة غوث اللاجئين الفلسطينيين "الأنروا"، ثم أراد أن يسوق لصفقة اقتصادية من دون حل سياسي للصراع، وهو أمر يعرف تلاميذ السياسة أنه مستحيل، فلا مشاريع ورخاء اقتصادي من دون استقرار سياسي. فالفلسطينيون يعيشون تحت الاحتلال، بالتالي لا رخاء من دون حرية واستقلال. فكأنما تريد أن تقرض شخصاً مبلغاً من المال ليفتح بقالة، ولكنه لا يمتلك محلاً أو دكاناً يمارس فيه عمله.

السبب الأهم هنا لنهاية مبادرة كوشنر قبل انطلاقها، هو رفض الفلسطينيين للصفقة ورفض المشاركة في ورشة البحرين. وهو رفض فلسطيني منطقي في ظاهره، وغامض ومربك ببعض جوانبه. ولكن السؤال الذي يجب أن يطرحه كل مهتم ومناصر للحقوق الفلسطينية هو: وماذا بعد؟ أي ما هي البدائل التي يطرحها الفلسطينيون في ظل هذا الجمود في العملية السياسية وتراجع الأوضاع العربية وانشغال بقية العرب بمشاكلهم وثوراتهم وحروبهم الداخلية ومحاولاتهم ردع الحروب التي تشنها إيران بالوكالة عليهم في أكثر من بلد؟

ويرتبط هذا السؤال بسؤال لا يقل عنه أهمية: متى سيرتب الفلسطينيون أوضاعهم ويوحدون صوتهم مرة أخرى، ليستمع لهم الصديق ويحترمهم العدو؟ فالفلسطينيون يعيشون حالة من التشرذم اليوم لا تقل سوءاً عن حال الدول العربية نفسها، ففي غزة ينفرد الإخوان المسلمون "حماس" بالقرار بعد تصفية فتح عام 2007، ويتصارعون مع فصائل أخرى حول تمثيل السلطة، ليحظى المنتصر بنيل المساعدة والمساندة من الدول الخليجية، وبعض تلك الفصائل يرتبط بالأجندة الإيرانية التي تحركهم كالدمى المسلحة لإطلاق صواريخ على إسرائيل خدمة للأجندة الإيرانية، ولو على حساب الإنسان الفلسطيني، الذي كلما نهض من كبوة قصف إسرائيلي مدمر، تعرض لقصف آخر رداً على صواريخ لا تؤثر في إسرائيل ولن تتأثر بها. هذه الفصائل ومن سار في ركبها، هي "بنادق للإيجار"، استغلت "ورشة المنامة" لتشن هجوماً إعلامياً وتعبئة ظالمة ضد دول الخليج، خدمة لغيرها.

وفي الضفة الغربية، سلطة فلسطينية هرمت وشاخت وشُلّت حركتها، بعد إجهاض اتفاقات أوسلو التي وقعها الفلسطينيون أيام ياسر عرفات من وراء ظهر العرب، الذين يتهمونهم، أو بعضهم، بالتخلي عنهم و"بيع قضيتهم". صحيح أن الجانب الإسرائيلي يتحمل اللوم الأكبر بإجهاض اتفاقات أوسلو، ولكن الأصح أن "حماس" على سبيل المثال، خاضت الانتخابات في غزة والضفة الغربية للوصول إلى سدة الحكم في السلطة الفلسطينية، التي هي نتاج لاتفاقات أوسلو، التي لا تعترف بها "حماس" أصلاً!!! وهو ديدن الإخوان المسلمين بالوصول للسلطة بأية طريقة كانت، وظناً منهم أن بإمكانهم التذاكي على إسرائيل.

لم ولن تنجح ما يسمى بـ "صفقة القرن"، ما لم يسبقها حل سياسي عادل للصراع، لكن الأهم أن الفلسطينيين مطالبون بالتفكير خارج "المألوف". فلا دولة فلسطينية في الأفق، ولا حل للدولتين في ظل الأوضاع السائدة، والشعب الفلسطيني ولّاد وخلاق بابتكار تفكير جديد للتعامل مع مأساتهم. لعل بدايته تكون بالتخلي عن شعارات الاسترزاق باسم القضية، وعدم رهنها بمن يزايد باسم فلسطين خدمة لأجنداته، مثلما فعل "البعث" في العراق وسوريا، ومثلما تتاجر بها إيران اليوم.

المزيد من آراء