Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الروسي ألكسندر دوغين يرسم الجغرافيا السياسية لما بعد الحداثة

بحثاً عن معالم الإمبراطوريات الجديدة وخصوصيات المشهد التاريخي

الصراع الجيوسياسي الراهن إلى أين سيفضي؟ (أ ف ب)

أيهما الأكثر تأثيراً في مسار الحروب والنزاعات في العالم، الحاكم أم مستشاره المحنك، القائد العسكري ذو القوة الفائضة عند جماعة، أم صانع أفكاره المجنونة والعابر بها حدود الشر القصوى، على حد قول الفيلسوفة الألمانية - اليهودية حنة أرندت؟

للإجابة عن هذه الأسئلة يلقي المقال نظرة بانورامية على كتاب صادر حديثاً (2022) عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، وثقله من الروسية إلى العربية الكاتب إبراهيم إستنبولي، للباحث والمفكر الروسي ألكسندر دوغين، بعنوان "الجغرافيا السياسية لما بعد الحداثة"، وبعنوانين فرعيين له هما عصر الإمبراطوريات الجديدة، والخطوط العامة للجغرافيا السياسية في القرن الحادي والعشرين.

يطرح المفكر الروسي ألكسندر دوغين، والذي يسميه البعض في أوروبا راسبوتين، أولاً لشبهه بالاسم الأول، وثانياً لارتباطه الحالي بسياسة بوتين، كونه أحد المستشارين الرئيسين له، ومشجعه الأكبر في حربه على أوكرانيا. عديد من الأفكار (المجنونة) التي أعرض لها، على توالي ظهورها في الكتاب.

خلاصات للمستقبل

إن أول ما يضعه دوغين في الحسبان، لدرس الواقع والخروج منه بخلاصات مفيدة للمستقبل، بحسبه، هو جعل الجغرافية السياسية المقاربة الأوحد والأكثر فاعلية للنظر بعمق إلى خصوصيات المشهد الطبيعي مقابل المقاربة التاريخية المستندة إلى أفعال قامت بها شخصيات مرموقة (معارك، وحروب، ومصالحات، ومعاهد، إلخ) في تاريخ الشعوب. ولدى تفصيله الكلام على هذه المقاربة أشار إلى أن تاريخ البشرية، إلى حينه، شهد ثلاثة نماذج من الأنظمة المجتمعية وهي المجتمع التقليدي ما قبل الحداثي، تلاه المجتمع الحديث أو المودرن، ومن ثم مجتمع ما بعد الحداثة في الغرب والذي تجتمع فيه "الطبقات الثلاث"، أو نماذج المجتمع الثلاثة، وهذا ما يمكن أن يعاينه المرء في ضواحي المدن الغربية، من إقامة جماعات مهاجرة من المغرب العربي، إلى جانب مهاجرين من أميركا اللاتينية وأوروبا الوسطى، من كاثوليك وأرثوذكس، وغيرهم. مثلما يمكن معاينة مظاهر من المثنوية (الثنائية) الجيوسياسية (البحر/ البر) ماثلة لدى الشعوب ذات إطار حضاري بحري (أميركا، أوروبا الغربية)، وشعوب ذات إطار غالب هو البر (الاتحاد السوفياتي سابقاً، وروسيا، وآسيا) تخضع فيه لقيم وديانات عصية على التحول أو الزوال، بحسبه، بخلاف ما هو عليه الغرب.

وفي هذا الشأن، يوجه دوغين انتقاداً شديد اللهجة لكل من غورباتشوف ويلتسين لأنهما لم يدركا طبيعة الخلاف، بل الانقسام الجوهري بين مجتمعين وعالمين، الشرق (السوفياتي في حينه، والأوراسي) والغرب الأميركي والأوروبي الغربي، لما استغاثا بهذا الغرب، في أواخر الثمانينيات، من أجل تحديث الاتحاد السوفياتي ذي الحضارة البرية، على زعمه، وتجاوزه صراعات الماضي وذيول الحرب الباردة، بيد أن فشلهما الذريع في تحديث الاتحاد السوفياتي، وسقوط الأخير سقوطاً مدوياً، كانا له الدليل القاطع على أن الجغرافيا السياسية التي أنكرها الأخيران، كانت العامل الحاسم في استدامة العدائية الغربية والأميركية على روسيا الاتحادية، بعد زوال الاعتبار الأيديولوجي الذي لطالما تذرع به الغرب طوال أكثر من خمسة عقود لخوض ما سمي الحرب الباردة.

القفز فوق التاريخ

ولئن كان مفهوم الجغرافيا السياسية نوعاً من المسلمة العلمية التي توجب على المحللين والمفكرين السياسيين والاقتصاديين أخذها بالاعتبار، فإن المفكر دوغين يتخذها منطلقاً للقفز من فوق التاريخ السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وتجاوز كل الاعتبارات الفكرية والإنسانية التي خلصت إليها البشرية بعد الثورة الفكرية الحاصلة في الغرب، منذ أواخر القرن الثامن عشر (1789)، وبعد عصر الأنوار الممتد من أواخر السادس عشر حتى نهاية السابع عشر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

فمن المقولات التي أنكرها دوغين أن ثمة مرحلة شاملة البشرية كلها، وهي ما بعد الحداثة، بالقول إن شعوباً بأسرها ما زالت إلى يومنا هذا في القرن الواحد والعشرين تحيا في المرحلة التقليدية، أي في النظام التقليدي، وإن ما سمي ما بعد الحداثة هو مسار يصح انطباقه على الغرب دون غيره، ومن الخطأ تعميمه أو إسباغ الطابع الكوني عليه، ما دام مستحيلاً الخلط بين نموذجين أو نظامين، أولهما علماني وملحد عنيت به الغرب، وثانيهما لا يزال الدين فيه عاملاً مؤثراً في الفرد والجماعة، عنيت به روسيا وآسيا وبعضاً من أوروبا، بحسب المفكر الروسي.

ومن ثم ينطلق من تلك المقولة المفندة إلى إنكار الطابع الكوني لمفهوم الليبرالية، من حيث اعتبارها عنواناً لحرية الفرد ووجهة لخياراته التي تفترض مسبقاً تحطيم "البنى والأشكال الاجتماعية والثقافية والسياسية والدينية القديمة" (ص41). أما إنكاره مقولة الليبرالية الفردية ذات البعد الكوني، كما تصورها فلسفات الحداثة وما بعدها الغربية، فمؤداه أن هذه الأخيرة إذ أغفلت وجود قوميات وأديان وأعراق (الصين، واليابان، والهند، وإيران، وغيرها من بلدان آسيا) فإنها تجاوزت عديداً من السمات التي يفترض بها أن تحدد الفرد، وتعوق تحقق هذه الليبرالية المطلقة على ما يصوره الغرب، بناءً على نظرية دوغين.

ومن المنطلق عينه، عاد دوغين وقفز ثانية فوق مسار تاريخي يعد كونياً، عنيت به التحول السياسي لكل التجمعات السياسية في العالم، من الإمارة والإقطاعية والملكية العائلية إلى الإمبراطورية، فإلى الدولة الوطنية ذات الحدود المعترف بها دولياً، والقائمة حالياً، ليقول بعودة الإمبراطوريات، عملاً بمقولة أنطونيو نيغري ومايكل هارت، وليرجح الصراع بين الإمبراطوريات المعاصرة، من مثل الإمبراطورية الأميركية والصينية، والروسية، وغيرها، على مقولة صراع الحضارات التي أطلقها صامويل هنتنغتون. مثلما أفتى بقرب حلول عصر الإمبراطوريات، في مقابل أفول زمن الدول القومية.

مفهوم الأوراسية

وفي نوع من الدفاع عن مفهوم الأوراسية، يمضي دوغين إلى اعتبارها شبكة بديلة سياسياً وثقافياً واقتصادياً، يحسن بالاتحاد الروسي، أو بالإمبراطورية الروسية الأخذ بها، وبناء كل المؤسسات الثقافية والإعلامية الكفيلة باندماج بلدان الاتحاد وشعوبها، اقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، في زمن ما بعد الحداثة العتيد. وفي الإطار عينه، لا يخفي دوغين رغبته في جعل الدين ركناً ثابتاً من أركان الأوراسية، على أن تكون الأرثوذكسية في المقام الأول منها، تتبعها الديانة الإسلامية والبوذية، وغيرهما، مما يتشكل منه إيمان هذه الشعوب غير المنقضي بحلول العولمة ما بعد الحداثية، ثم إن التحالف الأوراسي، السالف وصفه، سوف يكون، بنظر دوغين، كفيلاً وحده بأن يحمي هذه البلدان من سطوة أميركا، على حد ظنه.

ومن النظريات المفارقة والغريبة التي أطلقها دوغين في كتابه هذا أن التطور الذي تشهده المجتمعات والشعوب لا يتم بالضرورة في خط تقدمي، وإنما قد تندرج الأحداث في نوع من الحلقات الدائرية، بحيث تستعاد بعض الحلقات الزمنية التي ظن أنها مضت إلى غير رجعة، ومن ذلك، على سبيل المثال، أنه من المأمول، وفقاً لدوغين، أن تستعاد حقبة القرون الوسطى الروسية "الرائعة في مملكة موسكو، تحت حكم إيفان الرهيب وأوبريتشينينا" (ص145) من أجل نقل الرسالة الأرثوذكسية لإنقاذ العالم من الإمبراطورية البيزنطية، في كناية عن الإمبراطورية الأميركية، وإن لم تستعد روسيا أمجادها، المتمثلة في حقبة القرون الوسطى، فإنها تصير عرضة للنبذ والاستبعاد شأن النفايات القروسطية القديمة الأخرى.

ولئن كان انتقاد العولمة والحداثة وبنيان الدول والتحالفات حول العالم والأزمات الكبرى البيئية والاقتصادية والسياسية وآليات العمل لإيجاد الحلول الملائمة لها، في العقد الثالث من القرن الواحد والعشرين جارياً على قدم وساق، وفقاً للنظريات العلمية ووجهات النظر والفلسفات المعاصرة، فإن تلفيقية المفكر الروسي ألكسندر دوغين جعلت انتقاده العولمة وما بعد الحداثة وغيرها معبراً إلى رفع شعارات سياسية لصالح الإمبراطورية الروسية، والتسويغ للشروع في حروب قومية لا تبقي ولا تذر، كما هي الحال في الحرب التي يشنها الاتحاد الروسي على أوكرانيا والشعب الأوكراني (السلافي) الذي استحسن دوغين إبادته.

المزيد من كتب