Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

روسيا مشجب لتعليق فشل سياسات التغير المناخي

ليس هناك خيار أمام الدول الأوروبية سوى اللجوء إلى الفحم أكثر مصادر الطاقة تلويثاً للبيئة

ارتفعت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون قبل الحرب الروسية على أواكرانيا إلى مستويات قياسية (أ ف ب)

بحجة أمن الطاقة عادت بعض الدول الأوروبية للفحم فزادت انبعاثات الكربون. وبزعم التعويض عن الغاز الروسي استوردت أوروبا مزيداً من الغاز المسال الذي يتطلب نقله بحاملات الغاز المسال التي تستخدم زيت الوقود، فارتفعت انبعاثات الكربون. وبدافع التخوف من وقف إمدادات الغاز الروسية تحولت بعض المصانع الأوروبية من استخدام الغاز الطبيعي إلى النفط، فارتفعت انبعاثات الكربون.

إذا كان الاعتماد على الغاز الروسي هو السبب، لماذا ترتفع انبعاثات الكربون في الولايات المتحدة والهند والصين ودول أخرى؟ ولماذا ارتفعت في عام 2021 إلى أعلى مستوى لها في التاريخ 2021، قبل الأزمة الأوكرانية على الرغم من الزيادة المستمرة في القدرة الاستيعابية للطاقة المتجددة، وعلى الرغم من فرض تسعيرة للكربون في عديد من الدول؟ ولماذا جاءت أغلب الزيادة من قطاع الطاقة والصناعة على الرغم من أن الطاقة المتجددة هي ضمن قطاع الطاقة ولخدمة القطاع الصناعي؟

ارتفعت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون قبل الحرب الروسية - الأواكرانية إلى مستويات قياسية وذلك بسبب زيادة استخدام الفحم، وهنا نؤكد مرة أخرى على أن زيادة استخدام الفحم جاءت قبل الأزمة الأوكرانية، وحتى لا يتهمني أحد بالتحيز سأنقل ترجمة من بيان صحافي نشرته أكثر المنظمات تحيزاً للتغير المناخي والطاقة المتجددة والأكثر عداء للفحم، وكالة الطاقة الدولية، وذلك يوم 8 مارس (آذار) 2022:

"عالمياً، ارتفعت انبعاثات ثاني أكسيد الكربون المرتبطة بالطاقة بنسبة ستة في المئة في عام 2021 إلى 36.3 مليار طن، وهو أعلى مستوى لها على الإطلاق، فقد انتعش الاقتصاد العالمي بقوة من أزمة "كوفيد-19" واعتمد بشدة على الفحم لتحقيق هذا النمو، وفقاً لتحليل وكالة الطاقة الدولية الجديد، الذي صدر الإثنين 1 أغسطس (آب).

وأظهر تحليل وكالة الطاقة الدولية أن الزيادة في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية التي تجاوزت ملياري طن، كانت الأكبر في التاريخ من حيث القيمة المطلقة وهي أكثر من تعويض الانخفاض الناجم عن الوباء في العام الماضي. تضاعف تعافي الطلب على الطاقة في عام 2021 بسبب الظروف الجوية السيئة وأوضاع سوق الطاقة (لا سيما الارتفاع الحاد في أسعار الغاز الطبيعي) ما أدى إلى حرق مزيد من الفحم على الرغم من توليد الطاقة المتجددة الذي سجل أكبر نمو له على الإطلاق".

وكالة الطاقة التي تضم نحو 30 دولة صناعية ومهمتها تاريخياً تحقيق أمن الطاقة في الدول الأعضاء، وفي السنوات الأخيرة تضمنت مهماتها رسم سياسات تخفيض انبعاثات الكربون، تعترف بأنها فشلت في تحقيق أهدافها ومهمتها (تخفيض استخدام الفحم وتخفيض انبعاثات الكربون) على الرغم من زيادة قدرات الطاقة المتجددة، فما الذي حصل؟ وما الأخطاء التي ارتكبتها وكالة الطاقة؟

الانتقال من مصادر موثوقة إلى مصادر متقطعة

من أكبر الأخطاء التي ارتكبتها وكالة الطاقة أنها شجعت دولاً كثيرة على تبني الطاقة الشمسية والهوائية وهذا أمر لا غبار عليه، خصوصاً أن تنويع مصادر الطاقة من أساسيات أمن الطاقة. المشكلة في تبني الطاقة المتجددة المتقطعة التي تعتمد كاملاً على الأحوال الجوية على حساب مصادر موثوقة لا تتأثر بالأحوال الجوية إلا في حالات نادرة، مثل الفحم والغاز والطاقة النووية من دون تطوير وسائل تخزين الطاقة.

لنتذكر أن أزمة الطاقة الأوروبية بدأت في صيف 2021 حين اشتدت درجات الحرارة وزاد الطلب على الغاز الذي كانت مخزوناته منخفضة أصلاً. واشتدت الأزمة في بريطانيا يوم السادس من سبتمبر (أيلول) 2021 عندما كان الجو حاراً حيث توقفت الرياح في أغلب مناطق بريطانيا. فانخفض إنتاج الكهرباء من طاقة الرياح بشكل كبير وارتفع الطلب على الغاز، وقتها ارتفعت أسعار الكهرباء والغاز إلى مستويات تاريخية ونتج من ذلك انخفاض الإنتاج الصناعي ومناشدة بعض الشركات الحكومة البريطانية بتقديم إعانات لها.

تجاهلت وكالة الطاقة حقيقة مفادها بأن التعويض عن الفحم والغاز والطاقة النووية يتطلب وجود عدد هائل من البطاريات لتخزين الكهرباء من الطاقة الهوائية والشمسية، وهذا لم يحصل. وحتى لو لم تتجاهله، فإن هذا التخزين يكفي لفترة محدود جداً ولا يكفي إذا استمرت موجة الحر لأسبوعين أو ثلاثة. وعلينا أن نتذكر أن اشتداد الحرارة سببه عدم هبوب الرياح ولو هبت الرياح لانخفضت درجات الحرارة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ثم جاء الشتاء وكان قارساً، واستمرت أزمة الطاقة في أوروبا. كان الوضع واضحاً لوكالة الطاقة الدولية التي لم تحرك ساكناً، وهذا مقطع مترجم من وكالة "بلومبيرغ" المشهورة بتحيزها للتغير المناخي والحياد الكربوني، نشر يوم 28 نوفمبر (تشرين الثاني) 2021:

"تحطم أسعار الطاقة في أوروبا الأرقام القياسية مراراً وتكراراً حتى قبل أن يبدأ الشتاء الحقيقي، وإحدى أكثر الأزمات ضرراً في التاريخ على وشك أن تزداد سوءاً مع بدء انخفاض درجة الحرارة".

إلا أن وكالة الطاقة تجاهلت التحريات على مدى سنوات، وهنا أدلة كثيرة، ولكن أفضل دليل من وسائل الإعلام اليسارية الداعمة لوكالة الطاقة والتغير المناخي، هو ما نشره صحافيون ثلاثة من "بلومبيرغ" يوم 19 سبتمبر 2021:

"أوروبا تفتقر إلى الغاز والفحم وإذا لم تهب الرياح فإن السيناريو الأسوأ يمكن أن يحدث، انقطاع التيار الكهربائي على نطاق واسع الذي يجبر الشركات والمصانع على الإغلاق.

كانت أزمة الطاقة غير المسبوقة تختمر منذ سنوات مع تزايد اعتماد أوروبا بشكل متزايد على مصادر الطاقة المتقطعة مثل الرياح والطاقة الشمسية، بينما انخفضت الاستثمارات في الوقود الأحفوري، كما دفعت السياسة البيئية بعض الدول إلى إغلاق أساطيل الفحم والنووية، ما قلل من عدد محطات الطاقة التي يمكن أن تكون بمثابة دعم في أوقات النقص".

الحرب الروسية - الأوكرانية فاقمت الأزمة

الهجوم الروسي على أوكرانيا لم يخفض إمدادات الغاز أو النفط إلى أوروبا، خصوصاً أنه كان يمكن التعويض عن إمدادات الغاز المارة بأوكرانيا بأنبوب "نورد ستريم 2" الذي أوقفته ألمانيا تماماً مجرد انتهائه بضغوط أميركية. وما فاقم الأزمة هو أن على الحكومات الأوروبية أن تفعل شيئاً ما حيال الحرب، وهذا الشيء يجب أن يكون ظاهراً للعيان كي تراه الشعوب، ففُرضت عقوبات اقتصادية تضمنت تخفيض واردات النفط والغاز والفحم الروسية أو إيقافها تماماً. هذه العقوبات هي التي فاقمت أزمة الطاقة في أوروبا ليس بسبب العقوبات الأوروبية فقط وأنما أيضاً بسبب رد فعل الروس عليها أيضاً.

قيام بعض الحكومات الأوروبية بدعم الحكومة الأوكرانية بالسلاح جعل الروس أكثر شراسة في رد فعلهم، فقُطعت إمدادات الغاز عن ست دول أوروبية، كما خُفض تدفق الغاز إلى دول أخرى لاسيما ألمانيا.

المشكلة أنه لا يوجد أي بديل للغاز أو النفط الروسي حالياً، وأي تدفق إضافي لأوروبا سيكون على حساب دول أخرى، وهذا لن يحصل إلا إذا دفع الأوروبيون أعلى سعر في العالم. النتيجة هي ارتفاع قياسي في أسعار الطاقة والتقشف في استخدامها كما يحصل في ألمانيا الآن. وإذا كان الشتاء قارساً فعلينا أن لا نستغرب أخبار موت بعض الأوروبيين تجمداً. ليس هناك خيار أمام الدول الأوروبية سوى اللجوء إلى الفحم أكثر مصادر الطاقة تلويثاً للبيئة. ونظراً لزيادة استخدام الفحم في آسيا خصوصاً في الهند والصين وفي أميركا الشمالية، لا سيما الولايات المتحدة فإن عام 2022 قد يشهد ارتفاعاً كبيراً في انبعاثات الكربون لتصل إلى مستويات عالمية جديدة. هذه التطورات قد تجعل من مؤتمر المناخ "كوب 27" في شرم الشيخ في مصر مؤتمراً تاريخياً بسبب تراجع الدول المتقدمة عن تعهداتها المناخية، وستلوم روسيا على ذلك.

خلاصة الموضوع أن أزمة الطاقة في أوروبا كانت موجودة قبل الحرب الحالية وأنها حصيلة سنوات عدة من السياسات الخاطئة، فاقمت الأزمة العقوبات التي فرضتها الدول الأوروبية على روسيا بسبب الهجوم على أوكرانيا. لهذا فإن انتهاء الحرب لا يعني بالضرورة انتهاء أزمة الطاقة الأوروبية. لهذا سيلجأ الساسة الأوربيون ومتطرفو التغير المناخي إلى استخدام روسيا كمشجب لتعليق فشل سياساتهم في محاربة التغير المناخي، خصوصاً مع زيادة انبعاثات الكربون وانعقاد مؤتمر المناخ في مصر.

المزيد من آراء