Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

قذائف حرب أوكرانيا أصابت التغير المناخي في مقتل

أجبرت الضغوط الاقتصادية الحالية دولاً عديدة على اللجوء إلى الفحم

كانت قضية التغير المناخي على قمة أولويات زعماء العالم لكن الحرب الأوكرانية وتداعياتها احتلت الصدارة (رويترز)

دوي المدافع والانفجارات لا يقتصر على شرق أوكرانيا، إنما يتردد أصداؤه في العالم بما تخلفه الحرب الروسية - الأوكرانية من تداعيات كبيرة تهدد النظام العالمي، فأكبر التحديات الأمنية أمام أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية أدت للتهديد بنقص الغذاء، كما برزت أخيراً، المخاوف من وقع الحرب على جهود دول العالم للحد من التغير المناخي.

التحذيرات بدأت منذ الأسابيع الأولى للحرب، ففي مارس (آذار) الماضي، حذر الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، من التوقعات بزيادة استخدام الوقود الأحفوري بنسبة 14 في المئة، لتعويض النقص المحتمل في إمدادات الطاقة، ما يعني تقويض جهود العالم للالتزام بالهدف المناخي الذي أرسته قمة باريس 2015، وهو الحفاظ على ارتفاع درجات الحرارة العالمية بأقل من 1.5 درجة مئوية خلال القرن الحالي، الذي يتطلب الحد من استهلاك الوقود الأحفوري عالمياً بنسبة 55 في المئة.

تحذير أممي

ومع استمرار الحرب يواصل غوتيريش تحذيراته من التوسع في الاعتماد على الوقود الأحفوري، ففي كلمته أمام منتدى المحيطات في البرتغال الأسبوع الماضي، قال إن "بعض القادة" يصبون الزيت على النار من خلال الاستثمار في الوقود الأحفوري، وضخ مليارات جديدة من الدولارات في قطاعات الفحم والنفط والغاز، التي هي القوة المحركة لحالة الطوارئ المناخية المتفاقمة التي نعيشها، بحسب تعبيره، داعياً للتوقف عن "إدمان" الوقود الأحفوري، والتوجه إلى مصادر الطاقة المتجددة.

وبحسب الأمين العام للأمم المتحدة يقترب العالم بشكل خطير من "بلوغ حد الدرجة ونصف الدرجة المئوية التي يحذرنا العلم من أنها أقصى ما يمكن أن يبلغه مستوى الاحترار، قبل أن يؤدي إلى وقوع أسوأ الآثار المناخية"، وللإبقاء على ذلك الحد يجب خفض الانبعاثات بنسبة 45 في المئة بحلول عام 2030، وأن تصل الانبعاثات إلى مستوى الصفر بحلول منتصف القرن الحالي، مشيراً إلى أن الالتزامات الوطنية الراهنة ستؤدي إلى حدوث زيادة بنسبة 14 في المئة تقريباً خلال العقد الحالي، ما سيؤدي إلى "كارثة محققة"، وفق تعبيره.

كما حذر المبعوث الأميركي المعني بتغير المناخ جون كيري، من أن الحرب في أوكرانيا يجب ألا تستخدم كذريعة لإطالة اعتماد العالم على الفحم. وانتقد عدداً من الدول الكبرى لعدم وفائها بالوعود التي قطعتها في قمة المناخ العام الماضي في غلاسكو باسكتلندا.

العودة للفحم

الصورة القاتمة التي رسمها الأمين العام للأمم المتحدة مبعثها تراجع عديد من الدول عن خططها لمواجهة تغير المناخ، وإن كان بشكل مؤقت، بحسب ما يؤكدون، حيث أعادت دول أوروبية عدة العمل في محطات كهرباء تعمل بطاقة الفحم، مثل ألمانيا والنمسا وهولندا، بعد انخفاض تدفق الغاز من روسيا، والسبب المعلن لذلك الخلاف في شأن سبل الدفع وأمور تتعلق بصيانة المعدات، لكن الأسباب السياسية تهيمن على المشهد.

وارتفعت أسعار النفط والغاز الطبيعي إلى مستويات غير مسبوقة، ما دفع الدول الأوروبية للجوء إلى الفحم، وهو ما وصفه وزير الاقتصاد الألماني، روبرت هابيك، بـ"شيء مؤلم، لكنه ضروري وسط هذه الأزمة لتقليل استهلاك الغاز". وكانت ألمانيا تعمل على التخلص تدريجياً من محطات الكهرباء العاملة بالفحم.

وقال فرانس تيمرمانس، مسؤول المناخ بالاتحاد الأوروبي، الشهر الماضي، إن 10 دول من أعضاء الاتحاد تضررت من خفض إمدادات الغاز من روسيا عبر خط أنابيب "نورد ستريم1" بنسبة نحو 40 في المئة، بسبب مشكلات متعلقة بالمعدات، بعد تخفيض آخر إلى بولندا وبلغاريا وهولندا والدنمارك وفنلندا، بسبب رفضهم الالتزام بالدفع بالروبل الروسي. وأدى الخفض الروسي إلى إصدار الدول الأوروبية العشر "إنذاراً مبكراً" في شأن إمدادات الغاز، وهو المستوى الأقل شدة من المستويات الثلاثة للأزمة طبقاً للوائح أمن الطاقة بالاتحاد الأوروبي.

تمديد التعدين

ومن شأن إعادة تشغيل محطات الكهرباء العاملة بالفحم أن تضيف 10 غيغاواط من الكهرباء، إذا وصلت إمدادات الغاز إلى مستويات متدنية. وتؤكد الدول الأوروبية أن العودة للفحم إجراء مؤقت للتغلب على نقص تدفقات الغاز، لكن نشطاء البيئة حثوا على الاستمرار في تنفيذ أهداف العمل المناخي. وقبل الحرب في أوكرانيا، كان الاتحاد الأوروبي يعتمد على روسيا في إمداده بنحو 40 في المئة من احتياجاته من الغاز.

وامتدت العودة للفحم لتشمل خطط التعدين في بعض الدول الأوروبية، مثل جمهورية التشيك التي قررت التراجع عن خطط لوقف التعدين في مناجم الفحم الحجري، للتخفيف من حدة أزمة الطاقة في البلاد، التي تسببت بها الحرب الروسية على أوكرانيا. وقال وزير المالية التشيكي، زبينيك ستانجورا، الأسبوع الماضي، إن الحكومة كانت تعتزم وقف نشاط التعدين في المنطقة خلال العام الحالي، لكنها مددته حتى نهاية العام المقبل على الأقل، مع وجود احتمال لتمديد إضافي حتى عام 2025.

وينتج الفحم ضعف انبعاثات الكربون الصادرة عن استخدام الغاز، وفق تحليلات وكالة حماية البيئة الأميركية.

تخوفات العلماء

وفي الاتجاه المعاكس لما تسمّى "الأهداف المناخية"، أقبل عديد من الدول على إبرام مزيد من العقود لشراء الوقود الأحفوري أو الاستثمار في حقول جديدة للنفط والغاز، حيث أعلنت ألمانيا وهولندا عن خطط لتطوير حقل غاز جديد في بحر الشمال. وقال المستشار الألماني، أولاف شولتز، إن ألمانيا تريد متابعة مشروعات الغاز مع السنغال، ووقع الاتحاد الأوروبي مذكرة تفاهم مع مصر وإسرائيل لتصدير مزيد من الغاز.

وخصص الاتحاد الأوروبي نحو 12 مليار يورو لخطوط أنابيب الغاز ومنشآت استيراد الغاز الطبيعي المسال، وتقول المفوضية الأوروبية إنها خطوة قصيرة الأجل لتأمين إمدادات الطاقة أثناء العمل على توسيع استخدام الطاقات المتجددة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأثار التحول إلى نقل الغاز الطبيعي المسال عبر ناقلات بحرية إلى أوروبا، كبديل للغاز الروسي، تخوفات خبراء البيئة، باعتبار تلك الناقلات تحتاج إلى كميات وقود إضافية، إضافة إلى احتمالية حدوث تسريبات على طول مسارات الشحن في البحار والمحيطات. ولفت البعض إلى استيراد الغاز من الولايات المتحدة، التي تولده نتيجة عمليات التكسير الهيدروليكي، التي كانت مسؤولة عن الارتفاع الهائل في غاز الميثان، الذي أسهم في ارتفاع درجة حرارة الأرض في السنوات الأخيرة.

ويتمثل الخوف الأكبر من الاتجاه المتزايد للوقود الأحفوري في إمكانية التراجع عن خطط التخلص منه وإطالة عمر منشآته، بينما يحتاج المناخ للإسراع في تنفيذ خطط الحد من الانبعاثات.

كما تأثر تمويل خطط التحول إلى الطاقة النظيفة، فعلى سبيل المثال تعهدت الولايات المتحدة في قمة غلاسكو بضخ مليارات الدولارات لمساعدة الدول النامية في مكافحة تغير المناخ، إلا أن التداعيات الاقتصادية للحرب دفعت واشنطن لتقديم أقل من ثلث التمويل الذي تعهدت به دولياً، إضافة إلى تخفيف إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن القيود المفروضة على التنقيب عن الغاز والبترول في الأراضي الأميركية لمواجهة ارتفاع أسعار الوقود، وهي خطوة تناقض التعهدات التي أطلقها خلال حملته الانتخابية.

ويؤكد العلماء ضرورة خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون العالمية إلى النصف تقريباً بحلول عام 2030، والوصول إلى نسبة الصفر بحلول عام 2050، من أجل تجنب أسوأ آثار تغير المناخ.

وتشدد الأمم المتحدة على أن حل أزمة الطاقة ليس العودة إلى الوقود الأحفوري، إنما استغلال الفرص في مصادر الطاقة المتجددة، حيث شهدت تكلفة الطاقة الشمسية انخفاضاً 85 في المئة على مدى العقد الماضي، وتراجعت تكلفة طاقة الرياح 55 في المئة. ووفق الأمم المتحدة فإن الاستثمار في الطاقة المتجددة يخلق ثلاثة أمثال الوظائف التي يوفرها قطاع الوقود الأحفوري.

تحول مؤقت لكنه مضر

ويرى نيل ماكاروف، مسؤول سياسة الاتحاد الأوروبي في شبكة العمل المناخي بفرنسا، أنه "لا ينبغي أن نسمح لمحطات توليد الطاقة بالفحم بالعمل بعد 2023 أو 2024"، مضيفاً في تصريحات صحافية، أنه على الرغم من أن العودة للفحم قصيرة المدى ولا تقوض بشكل كامل أهداف التخلص بالكامل من الفحم بحلول 2030، فإنها "تشكل خطراً كبيراً، باعتباره مصدر الطاقة "الأكثر تلويثاً وانبعاثاً".

كذلك، أكد مستشار وزير البيئة المصري الأسبق، مجدي علام، أن أسوأ آثار الحرب الروسية على أوكرانيا عودة اعتماد العالم على الفحم، بعد أن كنا قاب قوسين أو أدنى من منعه نهائياً، وهو ما له بالغ الأثر على أزمة المناخ العالمية لتتزايد نسب التلوث مرة أخرى، وترتفع حرارة كوكب الأرض من جديد نتيجة انبعاثات الفحم.

وأضاف علام، لـ"اندبندنت عربية"، أن العالم "سيندفع نحو استخدام الفحم والطاقة النووية بسبب الضغوط الاقتصادية الكبيرة التي شكلتها الحرب في الطاقة والمواد الغذائية تحديداً، وهو ما يعد عودة بخطوات للوراء بملف المناخ والطاقة النظيفة، وقد نحتاج إلى نحو 15 عاماً للتخلص من مصادر الطاقة تلك، وسنوات أكثر لمعالجة آثارها على العالم أجمع".

من جانبه، أكد عضو اللجنة العلمية الأممية المعنية بتغير المناخ، سمير طنطاوي، أن الحرب الأوكرانية - الروسية "تسببت في أزمة عالمية في الطاقة، بخاصة أن روسيا هي المصدر الأول للغاز الطبيعي للقارة الأوروبية، مما جعل أغلب دولها تبحث عن بدائل مختلفة لاستخدامها في مشروعاتها التنموية، ومنها ألمانيا التي أعلنت عودة تشغيل محطات الكهرباء بالفحم مرة أخرى لديها، على الرغم من كونها تعتبر زعيمة العمل المناخي في القارة العجوز، في ظل الأزمة الاقتصادية الحالية التي طالت العالم أجمع، وهو ما أثار حفيظة دول أخرى مهتمة بمشكلات المناخ عالمياً، بخاصة أن الفحم يعتبر أحد أسوأ مصادر الطاقة وأكثرها ضرراً بالبيئة".

وتابع طنطاوي، لـ"اندبندنت عربية"، أن استخدام الفحم كمصدر للطاقة "قد يطول لسنوات مقبلة، في ظل توافره واعتماد اقتصاد عدد كبير من الدول على تصديره، مع انخفاض سعره بشكل كبير مقارنة مع باقي مصادر الطاقة البديلة التي ارتفع سعرها مع اشتعال الحرب الأوكرانية، مشيراً إلى امتلاك دول كثيرة لحجم كبير من مخزون الفحم الحجري التي قد تستغله في رفع مواردها من خلال تصديره بكثافة لدول العالم".

ولفت إلى أنه وفقاً للمعطيات التاريخية فإن "الاقتصاد دائماً ما يفوز على نداءات الحفاظ على البيئة، لتختفي جميع المعاهدات والاتفاقيات الدولية في سبيل الحفاظ على الاستثمارات"، مشيراً إلى إصدار المحكمة العليا الأميركية قراراً للحد من صلاحيات وسلطات وكالة البيئة الأميركية في مساءلة الشركات عن الانبعاثات التي تؤدي لتلوث البيئة، في رسالة واضحة بأن الاقتصاد على رأس أولويات أكبر دولة في العالم بعكس تصريحات الرئيس الأميركي جو بايدن بحرصه على العمل المناخي والحفاظ على البيئة.

تغير الأولويات

كانت قضية التغير المناخي على قمة أولويات زعماء العالم، لكن الحرب الأوكرانية وتداعياتها احتلت صدارة أجندة مباحثات جميع قادة العالم، إضافة إلى وسائل الإعلام العالمية، وهو ما يبدو تحدياً كبيراً أمام مؤتمر الأمم المتحدة لأطراف اتفاقية المناخ "COP27" المقرر عقده في مدينة شرم الشيخ المصرية في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

وقال مدير إدارة البيئة والتنمية المستدامة في وزارة الخارجية المصرية، محمد نصر، في مقابلة مع وكالة "الصحافة الفرنسية" الشهر الماضي، إنه "بسبب الوضع الجيوسياسي، فإن قضية تغير المناخ تتراجع على الساحة الدولية"، ما يتفق مع تصريحات مماثلة للأمين العام للأمم المتحدة شملت تحذيراً من أن الأزمة في أوكرانيا تصرف الانتباه عن أزمة تغير المناخ.

وأكد مستشار وزير البيئة المصري الأسبق أن مهمة مصر في قمة المناخ المقبلة أصبحت أصعب، في ظل اتجاه العالم للعودة لاستخدام الفحم كمصدر أساسي للطاقة، إلا إذا تمكنت من إقناع العالم، بخاصة الدول الصناعية الكبرى بالتراجع عن هذه الخطوة وإيجاد بدائل أخرى أقل ضرراً بالبيئة، ليستمر العالم بفهم أوضح وإرادة أعظم للحفاظ على مناخ كوكب الأرض.

تحدي شرم الشيخ

وشدد عضو اللجنة العلمية الأممية للتغير المناخي على أن هناك تحديات كثيرة تواجه مصر في التحضير لمؤتمر شرم الشيخ، مثل الاستقطاب الدولي والانشغال بأزمة أوكرانيا وما خلفته من مشكلات الأمن الغذائي.

وأضاف طنطاوي، أن مؤتمر هذا العام كان ينتظر أن يكون خاصاً بالتنفيذ بعد 26 نسخة من الوعود، لكن الأوضاع الحالية تمثل تحدياً للرئاسة المصرية للمؤتمر، من خلال طرح اهتمامات وشواغل جميع الأطراف، بخاصة الدول الأفريقية التي تعتبر المؤتمر أفريقياً باعتباره يعقد لأول مرة في القارة، مشيراً إلى أن هناك عديداً من الموضوعات لم تحظَ سابقاً بالاهتمام المطلوب في مؤتمر جلاسكو مثل وضع هدف عالمي للتكيف، ومخاطر الأضرار، ومراقبة الدعم المالي والمؤسسي من الدول الصناعية للدول النامية، واستدرك أن جولات التفاوض "تستغرق وقتاً طويلاً، وتكون بها مناقشات حادة بين الدول النامية والأخرى الصناعية".

المزيد من تقارير