Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

محاضرة في لندن

العقل الغربي يتناول القضايا بمنظور مختلف عنا فهم محكومون بقدر كبير من الموضوعية الباردة ورافضون للتعميم وواقعيون بدرجة كبيرة

قصر وستمنستر موطن مجلس اللوردات ومجلس العموم عبر نهر التايمز في وسط لندن  (أ ف ب)

تلقيت دعوة كريمة منذ عامين من الصديق المصري سمير تكلا رئيس جمعية المصريين بالعاصمة البريطانية يدعوني فيها إلى لقاء في مجلس العموم البريطاني للحديث عن الأوضاع في الشرق الأوسط والدور المصري فيها مع إيضاح التفرقة بين المعارضة السياسية للنظام في مصر من جانب والجماعات الإرهابية من آخر، ولقد قبلت الدعوة شاكراً خصوصاً أن علاقتي بلندن بدأت منذ مطلع شبابي دبلوماسياً مصرياً ثم طالب دكتوراه في جامعتها مع تواصل مستمر وزيارات منتظمة إلى تلك المدينة متعددة المزايا مختلفة الخصائص، ففيها التعليم والعلاج وفيها التسوق وفيها السياحة والترفيه، حتى أنني أطلق عليها أحياناً لقب "أم المدائن"، فكل قاصد لها يجد بغيته من الزاوية التي ينظر منها إلى تلك المدينة التي كانت عاصمة لإمبراطورية لا تغيب عنها الشمس، وقد ذهبت إلى لندن تلبية لدعوة ذلك الصديق المهموم بالشؤون المصرية والقضايا العربية، وفي إحدى قاعات البرلمان البريطاني التقيت كوكبة من السياسيين والبرلمانيين والدبلوماسيين كان من بينهم وزير سابق للدفاع وسفير سابق للملكة المتحدة في مصر، مع حضور السفير المصري النشط وقتها طارق عادل الذي أكسب حضوره اللقاء طابعاً شبه رسمي على الرغم من أنه جاء في إطار نشاط إحدى جمعيات المجتمع المدني البريطاني وبدعوة منها، وكنت وقتها مديراً لمكتبة الإسكندرية بعد أن أنهيت سنوات عشر في رئاسة لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشعب المصري حينذاك تكملة لخمسة وثلاثين عاماً قضيتها دبلوماسياً مصرياً في بريطانيا والهند وسفيراً في النمسا ومندوباً مقيماً للمنظمات الدولية في فيينا.

وقد دار الحديث يوم ذلك اللقاء في مجلس العموم البريطاني في إطار من الفهم المتبادل لطبيعة العلاقات المصرية البريطانية والشعور الدائم لدى بعض الدوائر المصرية بأن المملكة المتحدة داعم دائم لجماعة الإخوان المسلمين منذ أن تلقت في بداية نشأتها أول تبرع من القسم البريطاني في هيئة قناة السويس في ذلك الوقت، ولقد قدمني الأستاذ سمير تكلا تقديماً كريماً يليق به كمسؤول كبير سابق في ديوان السلطان قابوس لسنوات عدة أكسبته خبرة بسياسات منطقة الخليج ودول الشرق الأوسط بشكل عام، وتحدثت يومها في عدد من النقاط الرئيسة لمدة نصف ساعة شرحت فيها تطورات الوضع في الشرق الأوسط مع التركيز على مصر بعد الأحداث التي عرفتها في العقدين الأخيرين، ثم عرجت على نشأة جماعة الإخوان منذ عام 1928 في مدينة الإسماعيلية على يد مؤسسها الشيخ حسن البنا وكيف تقلب دورها صعوداً وهبوطاً في العصرين الملكي والجمهوري مع تركيز واضح على العداء المستمر بين الجماعة وحزب الوفد الذي كان يمثل حزب الأغلبية ويجسد وعاءً للحركة الوطنية.

 ساعدني كثيراً فيما قلت إن معظم الحاضرين كانوا من المهتمين بالشؤون المصرية وعلى دراية واضحة بكثير من الأحداث والمواقف والأشخاص الذين ورد ذكرهم في حديثي ذلك اليوم، كما تطرقت إلى العلاقات المصرية العربية وخصوصيتها قبل أحداث الربيع العربي وبعده، وعندما بدأت دعوتي للحوار وفتح باب النقاش فوجئت باهتمام بالغ وفهم عميق لما تطرقت إليه، ولقد حرص معظم الحاضرين على الدفاع عن الموقف البريطاني ورفضهم للاتهام المطلق بأن بريطانيا داعمة للجماعة وقال بعضهم إن دبلوماسية لندن تستند إلى أهمية وجود المعارضة السياسية في الدول العربية وفقاً للتقاليد المرعية في النظم الغربية وإنهم يلاحظون أننا ندمغ أحياناً فصائل المعارضة السياسية بأنها جزء لا يتجزأ من تيار إرهابي عانت منه وتعاني دول إسلامية وعربية بشكل ملحوظ في العقود الأخيرة، كما أثار بعض الحاضرين ملاحظات حول الدور الإقليمي لمصر وتراجعه نتيجة بزوغ قوى منافسة جديدة وأشار بعضهم إلى أهمية استقرار الوضع في الشرق الأوسط من خلال التهدئة في إطار ما يتعلق بالقضية الفلسطينية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 أشرت أيضاً إلى بعض الصفحات الحزينة في العلاقات المصرية البريطانية خصوصاً مأساة دنشواي عام 1906 والعدوان الثلاثي على مصر بعد ذلك بخمسين عاماً وأثر هذين الحدثين في فهم المصريين للسياسة البريطانية خصوصاً أننا نعتقد في الشرق الأوسط وفي مناطق كثيرة من العالم أن الدبلوماسية البريطانية هي التي رسمت الخطوط العريضة لأهمية الدول في الأقاليم المختلفة وهي التي حددت نوعية المشكلات بدءاً من سياسة فرق تسد بين مصر والسودان، مروراً بمشكلة كشمير بين الهند وباكستان وصولاً إلى الأوضاع الراهنة في عدد كبير من دول العالم المعاصر من المعتقدين أن بريطانيا قد وقفت وراء كل المحاولات لتسميم العلاقات العربية - العربية وصنع فوارق طبقية مع إذكاء بعض النعرات القطرية التي تمثل تحريضاً لقوى داخلية في مواجهة أخرى، ولقد خرجت بانطباع عام من هذا اللقاء في عاصمة الضباب (سابقاً) يمكن إيجازها في هذه النقاط:

 أولاً: أن العقل الغربي يتناول القضايا بمنظور مختلف عن تناولنا لها، فهم هناك محكومون بقدر كبير من الموضوعية الباردة إذا جاز التعبير، فليس لديهم من دفء المشاعر أو سخونة المواقف ما يجعلهم بالضرورة يتفاعلون أو ينفعلون بالأسلوب ذاته الذي نستخدمه، كما أنهم رافضون لفلسفة التعميم التي يلجأ إليها بعضنا لتوصيف الواقع أو تقويم الماضي، فالمصالح واضحة أمامهم وهم عمليون بطبيعتهم وواقعيون بدرجة كبيرة.

ثانياً: لاحظت أيضاً أن مصر تحتل مساحة كبيرة ومكانة خاصة في العقل الجمعي الأوروبي عموماً ويفرقون بينها في أسلوب التناول عن نظيراتها العربيات، كما أنهم يفكرون بطرق جديدة ليست بالضرورة هي تلك التي تعلمناها وتعودنا عليها، فالتكنولوجيا الحديثة اقتحمت جميع مجالات الحياة هناك وجعلت الإعلام طرفاً أساساً في تشكيل العلاقات الدولية المعاصرة حتى أصبحت استطلاعات الرأي ودراسات الجدوى مصادر مهمة للتفكير بل والتعبير أيضاً، ولقد لمست من ذلك اللقاء في لندن أن حجم المعلومات المتاحة لديهم عنا ربما يفوق أحياناً ما نعرفه عن أنفسنا.

ثالثاً: تكوّن لدي انطباع في نهاية تلك المحاضرة أن مصر دولة مرصودة يتابعها الجميع لأنها رقم صعب في معادلة الشرق الأوسط، وكنت أظن أحياناً أن الدور المصري في المنطقة قد تراجع كثيراً ولكن تلك المحاضرة أعطتني انطباعاً مختلفاً خصوصاً عندما تحدث بعض الخبراء من الحاضرين عن أهمية الجيش المصري وتاريخه ومهنيته العسكرية المعترف بها من كل الأطراف، وعندما تطرق الحديث إلى قضايا الحريات العامة وحقوق الإنسان شرحت باستفاضة الظروف النسبية لتلك القضية الشائكة وقلت صراحة إن قضايا حقوق الإنسان قضايا محكومة بالتقاليد والأعراف والتراث الشعبي، فما هو مباح لديهم قد لا يكون كذلك لدينا والعكس صحيح، وأضفت أن بعض خروقات حقوق الإنسان متوقعة في كل بلاد العالم بغير استثناء، ولكن ذلك لا يعني أنه لا يوجد حد أدنى متعارف عليه لمفهوم حقوق الإنسان عالمياً، بل وأضفت أن هناك مؤشرات ثابتة لبعض مظاهر حقوق الإنسان المعاصر منها ما يتصل بمستوى المعيشة للمواطن العادي الذي تسبق أهميته ما عداه من العوامل، إذ إن تدني الحد الأدنى للحياة الكريمة وغياب المقومات الأساسية للبقاء من مسكن ومأكل وملبس تعد هي الأخرى خروقات كبيرة لقضايا حقوق الإنسان في الدول النامية.

لقد خرجت من تلك المحاضرة مختلفاً عما كنت عليه عند بدايتها وبدأت أردد في ما بيني وبين نفسي مقولة الإمام الشافعي رضي الله عنه "إن رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب".

المزيد من آراء