Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إلى أين أيها البدوي إلى أين؟

طرابلس العاصمة تعج بالسلاح في أخبار العاجل لكن طرابلس المدينة الليبية تملصت من أن تكون ساحة حرب حتى الساعة

طرابلس الغرب العاصمة الليبية تعج بالسلاح وتغمرها مناوشات قتال كل حين (أ ف ب)

"إن بورخيس، من خلال نتاجه الأدبي، منحني عناصر مهمة في وظيفتي السياسية، وهي: الهدوء والمهارة، لرؤية مستقبلية بعيدة المدى".

رئيس الوزراء الإسباني رودريغوز ثاباتيرو (2004-2011)

طرابلس الغرب العاصمة الليبية، في أخبار العاجل تعج بالسلاح، تغمرها مناوشات قتال كل حين، لكن طرابلس الغرب المدينة الليبية، تملصت من أن تكون ساحة حرب حتى الساعة. هذه القدرة العجيبة على التخلص من الكل بقبول جزئه، جعلت مبدعين ليبيين، يوصمون العاصمة بالمدينة البدوية، فيما يصرخ إبراهيم الكوني، في قصة قصيرة له بعنوان "أيها البدوي إلى أين إلى أين؟". ليبيون يميلون إلى الاختزال، يرجعون ما تقدم إلى أن الشخصية الليبية شخصية البين بين، أما الكاتب المفكر عبدالله القويري، فيرجعها إلى أن ليبيا بلاد معبر.

في آخر لقاء شاهدته مع إبراهيم الكوني، عبر قناة "فرنسا 24"، مساء الثلاثاء 26 يوليو (تموز) 2022، عاد الكوني ليؤكد لازمته وأيقونته الفكرية: الإنسان بلا هوية إنسان ضائع. هوية الإنسان هوية الصحراء، التي هي أكاديمية العلوم الغيبية. وقد نعت مذيع برنامج "محاور"، إبراهيم الكوني بـ الروائي الفيلسوف. وعندئذ لقيت جان بول سارتر (على مقهى الوجودية) كفيلسوف روائي (الفلاسفة قبل سارتر، كانوا يكتبون من خلال فرضيات وحجج دقيقة صارمة، أما سارتر فكتب ما يكتب الروائي، وليس هذا بمستغرب لأنه كان روائياً)، أو كما كتبت سارة بكويل. وأعلق أن معضلة ثنائية سارتر كفيلسوف روائي، أظن قد حلها وحللها الزمان، فكان سارتر الفيلسوف، دون ذكر يذكر للروائي، فسارتر ينتحل ويستعير السردية، ليتفلسف وليس لكتابة رواية.

سأتخذ من اللقاء التلفزيوني المشار إليه عكازاً، لأتكئ عليه في إلماحة: أن "محاور" شطر الكوني إلى شطرين تاركاً الروائي عنه إلى الفيلسوف. ومن هذه الإلماحة، أتذكر أن الكوني في هكذا انشطار، صنو صديقه الصادق النيهوم الفيلسوف الروائي، فكل منهما والنيهوم المبكر، كان السارد والمفكر، أنتجا الرواية والقصة القصيرة، وإن بحث النيهوم في الفكر الديني وبخاصة الإسلامي، فإن الكوني بحث في الميتافزيقيا/ الغيبيات، والوجود والهوية، وفي هذا قد يكون لا مثيل لهما في الثقافة العربية.

في "من مكة إلى هنا"، رواية النيهوم الأولى، سردية المسألة الدينية، كمسألة اجتماعية حضارية، الشرق يقابل أناه وليس الآخر. أما الكوني، فالمكان الهوية والوجود والمكان الصحراء، سردية الصحراء، شغل ومشغول الكوني/ الوجودية السحرية!. وكل من الكوني والنيهوم ركزا على التيمة الفكرية وقماشتها السردية، وإن مسا مواضيع أخرى.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

نتساءل دائماً مع الكوني: إلى أين أيها البدوي إلى أين؟ فالفكر المجرد، ثم المسائل المجردة، مسائل الفلسفة، يمكن إعمال الذهن فيهما والتفكر العقلاني، لكن كيف يمكن للإبداع السردي أن يحمل بما ليس طبعه، فالخيال لبوسه والتحرر من العقل العاقل وسيلته؟.

هذه الحالة، ما تخص الفكر والتفلسف، والإبداع الروائي، تبدو ثنائية من لزوم ما يلزم، في منتج إبراهيم الكوني، في الرواية والرؤية. وتردف تلك ثنائية ثانية، أشار إليها إبراهيم الكوني في لقاء قديم، مع محطة "دويتشه فيله"، أثناء الربيع العربي، بث 11 مارس (آذار) 2011، حيث قال: "يظن كثيرون، أن المبدع يجب أن يكون بوقاً لليومي، للسياسة، لا، المبدع هو أول مخلوق في العالم يلغي السياسة، أو يعادي السياسة، لأن السياسة مبدأ لا أخلاقي، لماذا؟ لأن السياسة هي ضرب من الأيديولوجيا، والأيديولوجيا سعي بيد السلطة، والسلطة ملكية، وخطيئتها تكمن في مبدأ الملكية، لذلك هي في نهاية المطاف، عدوان على سلطة الرب، لأنها استعارة لسلطة الرب على هذا الوجود".

ينازع المبدع، السياسي، ويكثف خطيئته، بأنه مخادع لا أخلاقي، مبدأه الملكية ومنازعة الذات الإلهية؟ هكذا هو سياسي الكوني، لكن للكوني وجه سياسي ما، منذ نعومة أظفاره كصحافي وكاتب ومبدع، ومنذ جاء طرابلس العاصمة يسعى من الجنوب الليبي، فمشاركته في "ندوة الفكر الثوري" 1970. ولقد حظي أشهر الكتاب الليبيين، خليفة التليسي، وأحمد إبراهيم الفقيه، وإبراهيم الكوني، وعلى الخصوص الصادق النيهوم، بعلاقة مميزة مع العقيد معمر القذافي، الذي عقد لقاءً موسعاً بالمثقفين الليبيين، نقل مباشرةً عبر التلفزيون، لساعات عدة ولأيام، وعرف بـ" ندوة الفكر الثوري"، وذلك عقب استيلائه على السلطة بانقلابه العسكري سبتمبر (أيلول) 1969.

ومن جهتي أقبل صادقاً، رفض الكوني للمبدع السياسي، فشجبه لهذه الثنائية الممجوجة، لكن لا أجد تفسيراً في هذا الإطار، لما كتبه إبراهيم الكوني، عن ذكرياته مع النيهوم، "في بداية التسعينيات، عندما جاورته في رحاب الألب، كنا نتسكع في الأمسيات، في حديقة الزهور في جنيف، ليروي لي الطرائف بأسلوبه الممتع، المستعار من روحه النقية. إلى أن جاء اليوم، الذي أدلى لي فيه باعتراف لم أقرأ له حساباً، اعتراف أدهشني، ربما بسبب فكرتي الرومانسية القديمة، عن الإبداع كقدس أقداس. قال لي يومها، إن غايته كانت دوماً السلطة، كل ما هنالك أن العسكر ذهبوا إليها من أقصر طريق، وخسرها هو لأنه سعى إليها من أبعد طريق، لقد استنكرت أن يسعى مبدع في حجم صادق يومها، إلى ما اعتبرته عملاً لا أخلاقياً".

أريد قبل الختام، أن أنوه إلى أهمية دلالة الجملة التالية، في المقطع أعلاه، من مذكرات الكوني، وأعني أولاً ما كتبه "اعتراف أدهشني، ربما بسبب فكرتي الرومانسية القديمة، عن الإبداع كقدس أقداس". وثانياً "لقد استنكرت أن يسعى مبدع، في حجم صادق يومها، إلى ما اعتبرته عملاً لا أخلاقياً".

ومن جهتي مرة أخرى أؤكد، أن ما طرحته من أطروحات الكوني ذاته، لأنه من صميم العلائق الضرورة، بين الإبداع والواقع، والواقع والحياة، وأن هذه الأطروحات فكرية إبداعية، ففي الأول والأخير، الإبداع سؤال والسؤال إبداع والفكر مبدع. وطرابلس الغرب العاصمة الليبية، في أخبار العاجل تعج بالسلاح، تغمرها مناوشات قتال كل حين، لكن طرابلس الغرب المدينة الليبية، تملصت من أن تكون ساحة حرب حتى الساعة.

المزيد من تحلیل