Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل يبلغ صراع القوى الدولية ذروته تحت شمس أفريقيا؟

ربما لن تستعاد الحرب الباردة بحذافيرها لكن أطرافها ومسارحها ستتعدد لتحوز القارة السمراء الحصة الأكبر منها

تمثل أفريقيا المسرح الآني لإدارة التنافس بين الولايات المتحدة وروسيا والصين (أ ف ب)

بالقدر الذي تتسارع فيه تعقيدات المشهد الدولي تنعكس تداعياتها على القارة الأفريقية، مما يجعل منها فضاء لهندسة علاقات القوى العظمى والفاعلين الدوليين بتدبيج الفرص المتبوعة بتعظيم الشروط السياسية والأمنية إلزاماً بتلبيتها، ومن دون الإخلال بالوثيقة الفضفاضة "القيم الأميركية" في مقابل المكاسب الاقتصادية.

لم يعد صعباً إعادة تقويم القوة لدى الولايات المتحدة بوجود قوة دولية عائدة مثل روسيا وأخرى صاعدة مثل الصين، وأكثر الآراء تراهن على أن الزعامة ستستمر لأميركا، ويقابلها تنبوء يشكك في قدرة الولايات المتحدة على المحافظة على موقعها العالمي مع أنها استطاعت تجاوز منافسة اليابان وأوروبا الغربية خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي.

تمثل أفريقيا المسرح الآني لإدارة التنافس بين الولايات المتحدة وروسيا والصين، فخلال الأيام القليلة الماضية عقدت قمة الأعمال الأفريقية – الأميركية في مراكش خلال الفترة من الـ 19 وحتى الـ 22 من يوليو (تموز) الحالي، وخلالها أيضاً كانت جولة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى عدد من الدول الأفريقية في الفترة من الـ 24 وحتى الـ 28 من يوليو. وفي الـ 20 من يونيو (حزيران) الماضي عقدت الصين "مؤتمر السلام والحوكمة والتنمية بين الصين والقرن الأفريقي" في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، مواصلة استخدام أدواتها الناعمة عبر تقديم المساعدات الاقتصادية لدول القارة التي تزخر بالموارد الطبيعية وتفتقر إلى الاستقرار والسلام والتنمية.

الثقة في أميركا

الرئيس الأميركي جو بايدن أعلن في بيان نشره البيت الأبيض أخيراً استضافة الولايات المتحدة "القمة الأميركية -الأفريقية" الثانية مع قادة دول القارة السمراء خلال الفترة من الـ 13 وحتى الـ 15 من ديسمبر (كانون الثاني) 2022، وأوضح أن هذه القمة "تثبت التزام واشنطن الدائم تجاه القارة وتؤكد أهمية تعزيز سبل التعاون في شأن الأولويات العالمية المشتركة وتستند إلى قيمنا المشتركة لتعزيز المشاركة الاقتصادية الجديدة بشكل أفضل، وتعزيز التزام الولايات المتحدة وأفريقيا بالديمقراطية وحقوق الإنسان".

وكانت القمة الأفريقية - الأميركية الأولى انعقدت في أغسطس (آب) 2014 بواشنطن لمدة ثلاثة أيام حينما وجهت الولايات المتحدة الدعوة إلى 50 من قادة دول أفريقيا لحضور القمة التي جاءت بعنوان "الاستثمار في الجيل القادم"، واستثنت دعوات الولايات المتحدة أربع دول هي السودان وزيمبابوي وإريتريا وأفريقيا الوسطى، كونها كانت تخضع لعقوبات أميركية أو دولية، بينما غابت ليبيريا وسيراليون لتعرضهما إلى جائحة "إيبولا".

وقبل أيام اتخذت الدورة الـ 14 لـ "قمة الأعمال الأفريقية – الأميركية" في مراكش بالمغرب في الفترة من الـ 19 وحتى الـ 22 من يوليو الحالي طابعاً تجارياً واستثمارياً، وهي بالأساس للبحث عن فرصة الشراكة بين القطاع الخاص والمؤسسات الاستثمارية.

وتريد الولايات المتحدة القفز بزانة الاقتصاد كما فعلت الصين لمقابلة الحاجة الداخلية إلى إعادة النمو إلى ما كان عليه الوضع قبل تفشي جائحة كورونا، ومن جانب آخر يمكنها إعادة تشكيل توجهات التجارة الدولية، وفي هذه النقطة فإن الولايات المتحدة يمكنها الرهان على مزاياها التكنولوجية العالية كمزايا تفضيلية إن ردمت الهوة بين الأسعار التي تقدمها وتلك المقدمة من الصين.

وتتطلب ثقة أفريقيا في الولايات المتحدة النظر إلى ما هو أبعد من القمم السياسية أو الاقتصادية، فانسحاب الولايات المتحدة من أفريقيا ثم العودة لها بعد استقرار قوى دولية أخرى فيها لا يمكن أن يسد الاختراقات الحاصلة مثل تمدد الصين ومحاولات توسع روسيا، كما لا يمكن أن تعوض الإخفاق في ما يتعلق بأمن القارة ومكافحتها لتغلغل الإرهاب في أجزاء منها، وهو ما يفسر على أنه نتيجة لقصور الولايات المتحدة في القضاء عليه في بؤر أخرى.

التركيز الروسي

ويقابل التحرك الأميركي آخر روسي، إذ حددت مقالة أخيرة لسيرغي لافروف المعالم الرئيسة لاستراتيجية روسيا تجاه الدول الأفريقية بالقول، "تدعو روسيا دائماً إلى ترسيخ موقف أفريقيا في نظام متعدد الأقطاب يستند إلى مبادئ ميثاق الأمم المتحدة، ويأخذ في الحسبان التنوع الثقافي والحضاري في العالم".

وأكد على ترحيب بلاده بتطوير تعاون ناجح مع الهيئات التكاملية مثل الاتحاد الأفريقي ومجموعة شرق أفريقيا والهيئات المشابهة، وأوضح "نعتبر إطلاق منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية خطوة مهمة نحو الاستقلال الاقتصادي الأصيل للقارة وتحريرها النهائي من جميع ظواهر التمييز والقيود".

وهذا يعد امتداداً لوضع أفريقيا ضمن أجندات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الخارجية، إذ شهدنا قمماً على مر الأعوام الماضية أبرزها قمة "سوتشي" التي عقدت في يومي 23 و24 أكتوبر (تشرين الأول) 2019 وشهدها ممثلون لأكثر من 50 دولة أفريقية بحضور 43 رئيساً. واتفق الجانب الروسي مع الكتلة المكونة للدول الأفريقية على أهداف "زيادة تطوير التعاون الروسي - الأفريقي على جميع الصعد السياسية والأمنية والاقتصادية والعلوم والتكنولوجيا والثقافية والمجال الإنساني"، وبلغ عدد الاتفاقات والمذكرات والعقود التي تم توقيعها أكثر من 50 وثيقة، بينما بلغ إجمال الحجم المالي للوثائق نحو 12.5 مليار دولار، وتم الاتفاق على عقد القمة بين الجانبين كل ثلاث سنوات.

كذلك نشطت محاولات متواصلة للظفر بقواعد عسكرية في السواحل الأفريقية، خصوصاً شرق القارة وتحديداً في شرق السودان على البحر الأحمر، فضلاً عن الاختراقات الأمنية والعسكرية من خلال مجموعة قوات "فاغنر" الأمنية في عدد من الدول الأفريقية الغنية بالموارد الطبيعية والتي تواجه أزمات سياسية وأمنية مثل السودان وليبيا ومالي وجمهورية أفريقيا الوسطى وموزمبيق وبوركينا فاسو وغيرها.

كما يأخذ التركيز على مصر دلالة أخرى في وصف لافروف لها بأنها الشريك الاقتصادي رقم واحد لروسيا في القارة الأفريقية بأقل من 5 مليارات دولار.

تنافس صيني

على عكس ما يبدو من أن التحركات الأميركية – الروسية، إن كانت متوافقة أو متنافرة، هي التي ستحدد المستقبل القريب للقارة الأفريقية، فإن المرجح هو أن ما يحدده ربما التحركات الأميركية - الصينية، إشارة إلى الأزمة التاريخية الباكرة بين القوتين.

ومع ذلك يمكن لصورة أكبر أن تبرز وهي الحفاظ على الخلفية المعبرة عن التصور الأميركي بتهديد الصين للاستقرار العالمي والتعامل معها في الوقت نفسه.

وخلال الاتصال الهاتفي في سبتمبر (أيلول) الماضي، أبلغ بايدن نظيره الصيني شي جينبينغ أن الولايات المتحدة تريد "أن يظل الزخم تنافسياً وأن لا نجد أنفسنا في المستقبل في وضع ننحرف فيه إلى نزاع غير مقصود"، وهنا نجد الولايات المتحدة متغاضية عن دور الحزب الشيوعي في قيادة أجهزة الدولة بما فيها السياسة الخارجية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويتغير تفعيل المبدأ الصيني في السياسة الخارجية من ملء الفراغ الذي تتركه الولايات المتحدة إلى استغلال الفرصة بوجود فواعل دولية أخرى، إضافة إليها والولايات المتحدة، متمثلة في روسيا، وبقدر ما فرنسا التي تنشط في مستعمراتها السابقة غرب أفريقيا، مما يخفف الضغط عليها ومواجهتها، وهذا يعبر عن رؤية مختلفة وهي أنه بخلاف الوجود الدولي التنافسي بين الولايات المتحدة وغيرها في مواقع أخرى من العالم حيث لا تتحرج الولايات المتحدة من حشد تحالف عسكري ضد بكين في بحر الصين، أو من خلال تحالف دولي مثل التحالف الرباعي (كواد) الذي أعيد إنشاؤه عام 2017 بسبب المخاوف المتجددة من الصعود السريع للصين كقوة عظمى، وذلك ليكون قوة موازنة للنفوذ الصيني، خصوصاً أن الدول الأربع المكونة للتحالف تشهد علاقات مضطربة مع بكين، وهي الولايات المتحدة والهند واليابان وأستراليا، ويجمعها قلق مشترك من تهديدات الصين ورغباتها التوسعية في المحيطين الهندي والهادئ.

أما في أفريقيا فإن ما يحدث فيها يظل ذا سمة مختلفة، فهناك موازنة أخرى بين مخاوف واشنطن من القاعدة العريضة التي خلقتها الصين شعبياً بتركيزها على المساعدات الاقتصادية، ورسمياً على مستوى الرؤساء الأفارقة بالتواؤم مع سلوكهم السياسي وممارساتهم الديكتاتورية وشبهات الفساد التي تحيط بهم.

تعدد القوى

وربما لن يكرر التاريخ نفسه في ما يتعلق بالحرب الباردة، لكن تلك التجربة ستكون ذات صلة، من جهة أنها كانت بين قوتين دوليتين تقليديتين، والآن ستتعدد أطرافها ومسارحها وسيكون لأفريقيا النصيب الأكبر منها.

الفرق الجوهري بين التناحر الأميركي - الروسي في خضم الحرب الباردة وما يحدث الآن، هو ما تنبأ به أستاذ العلوم السياسية في جامعة "هارفارد" ومساعد وزير الدفاع للشؤون الأمنية الدولية في حكومة بيل كلينتون جوزيف ناي، من أن "زعامة الدولة العظمى من شأنها أن تدعم الترابط العالمي، فإذا ما اعترى الولايات المتحدة الأميركية البطء في تعبئة مواردها من أجل الوصول إلى زعامة العالم، فستظهر عندئذ وعلى نحو بالغ السرعة ظاهرة تعدد الزعامات لتترك تأثيرها السلبي".

وعلى الرغم من العبء التاريخي الذي يثقل صفحات روسيا والصين، فإن توحدهما في وجه الولايات المتحدة في أية بقعة من العالم يبدو ضرورياً، ولن يكون هناك من داع للتقلبات في العلاقات بين القوتين التقليديتين كما كان يحدث خلال تاريخهما الطويل، ويبدو أن روسيا لن تندفع للتركيز على الصين كثيراً خلال وجودهما في المسرح الأفريقي، وغالباً لن تتبدل صداقة اليوم إلى عداوة سريعاً إلا عندما تطغى قوة الصين وتنسحب الولايات المتحدة ويخلو لروسيا وجه الصين تحت شمس أفريقيا.

المزيد من تحلیل