قصص تعقيدات الولادة على مواقع التواصل.. تزيد مخاوف الحامل

يقول البعض إن القصص المخيفة التي يتم تداولها على مواقع التواصل الاجتماعي يمكن أن تسبب "توكوفوبيا"، أي الخوف من الولادة الذي يصيب 14% من النساء. ولكن، هناك عوامل أخرى قد تؤدي إلى الإصابة بهذا الاضطراب.

وجدت دراسة أجريت في عام 2013 أن النساء اللواتي لديهن مستويات متوسطة إلى مرتفعة من الخوف يمرون بتجربة ولادة سلبية أكثر من غيرهن من النساء (شترشوك)

يبدأ الأمر عند التعرض لتجربة ولادة صعبة. قد ينتهي حمل المرأة بتدخل طبي غير مرغوب فيه، والتعرض لمضاعفات وإجراء عملية ولادة قيصرية، إذ تفقد المرأة الشعور بأن كل شئ تحت السيطرة. بعد ذلك، تشارك المرأة قصتها على الإنترنت كجزء من عملية التعافي، حيث تبدأ دون قصد تغذية مخاوف السيدات الحوامل اللواتي  يستخدمن "غوجل" للبحث عن أسوأ مخاوفهن. فتذهب النساء إلى الولادة محملات بقصص مرعبة قرأنها على الإنترنت، خائفات مما يمكن أن يحدث لهن من سوء، فيتسبب الضغط الذي يشعرن به في إطالة وقت المخاض وزيادة الآلام.

إن الخوف من الولادة، أو "التوكوفوبيا"، أمر لا يتم التحدث عنه في كثير من الأحيان، ولا حتى بين النساء اللواتي يعانين منه. لذا، عندما تحدثت الباحثة في مجال الصحة الإنجابية والمحاضرة في مجال القبالة في جامعة هال، كاتريونا جونز، عن الحاجة إلى الكشف المبكر وعلاج  "توكوفوبيا" في مهرجان العلوم البريطاني، نشرت جريدة "غارديان" مقالاً اقتبست فيه قول جونز إن عدد حالات الخوف من الولادة في ازدياد وإن قصص الولادة المخيفة التي يتم تداولها على وسائل التواصل الاجتماعي هي المسؤولة عن تلك الزيادة.

تقول جونز: "عندما تحدثت مع الصحافيين في المهرجان، لم أتحدث بشكل قاطع بأن مستويات الاصابة بالخوف من الولادة في ازدياد، ولم أقل إن وسائل التواصل الاجتماعي  هي السبب الرئيسي. لقد تم اقتباس كلامي بشكل غير صحيح".

الحقيقة أن فريق البحث في الجامعة وجد أن وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن تساعد في إثارة الخوف من الولادة، ويمكن أيضاً أن تقلل منه.  تقول جونز إن "سرد قصص الولادة ومشاكلها في المنتديات، بما في ذلك موقع "مامزنت"، يمكن أن يسهل الأمر، لكن الوسائط الخاصة بالولادة، التي تتعرض لها النساء على الإنترنت، يمكن أن تلعب دوراً في إظهار الولادة كتجربة سلبية".

تضيف: "لكننا لم نقول إن وسائل التواصل الاجتماعي تسبب "توكوفوبيا"، ولا ندعو النساء إلى التوقف عن حكي قصصهن".

على الرغم من ذلك، تسبب ذلك المقال في عاصفة إعلامية. وقد سلط هذا الاهتمام  الضوء على حالة عادة ما يتم تجاهلها، بل ومن المفارقات أن بعض النساء قد تشجعن على التواصل مع جونز وزملائها، بالإضافة إلى أستاذة القبالة جولي جومين، التي ترأس برنامج الصحة النفسية لفترة ما قبل الولادة في الجامعة، ليعبرن عن شكرهن لأنهن قد تحدثن عن هذه المسألة.

تقول جومين: "لقد قلن لنا إنهن لم يحملن بسبب مخاوفهن، وإنهن لو كنَّ يعرفن أشخاصاً يمكن أن يساعدونهن طوال فترة الحمل لكان الأمر قد اختلف بشكل كبير، وإنهن قد أنجبن طفلاً واحداً وكنَّ سيوددن انجاب طفل آخر".

يمكن أن يؤثر "توكوفوبيا" على النساء في حملهن الأول، أو في مرات الحمل اللاحقة، أو قد يثبط رغبتهن في خوض أي تجربة حمل. تتعدد مسببات الاصابة بهذا الاضطراب، ومن بينها الخوف من الألم أو المرور بتجربة ولادة صعبة سابقة أو الاكتئاب أو التعرض لصدمة جنسية.

وقد قام باحثون من أيرلندا بمراجعة ثلاث وثلاثين دراسة على مدار السنوات الخمسين الماضية، وخلصوا إلى أن نحو 14 في المئة من النساء قد يصبن بـ"توكوفوبيا" شديد. حالات أخرى عديدة قد لا يتم رصدها، سواء أكان من النساء اللواتي لم يحملن أبداً بسبب مخاوفهن، أو من النساء اللواتي يترددن في إخبار أي شخص عن الأمر. وقد تفرّعت بحوث جامعة هال عن "التوكوفوبيا" من قول أساتذة الطب بأنهم يرون نساء مصابات بالتوكوفوبيا بمراحل متأخرة جداً من الحمل.

تقول جومين: "يقولن إنه في الوقت الذي تخبرهن النساء بأنهن خائفات، يكن قد بلغن من الحمل 37 أسبوعاً وقد صارت الولادة وشيكة، ويكون من الصعب التدخل في تلك المرحلة المتأخرة".

وتعلق مؤسسة شركة بوزيتيف بيرث، سيوبان ميلر، التي تدعم استخدام النساء أسلوب "هيبنوبيرثينج" أثناء الولادة، قائلة: "لكن مواعيد زيارات الكشف الدوري أثناء الحمل ليست طويلة بما يكفي لكي تتحدث النساء بعمق عن مخاوفهن".

تضيف: "إنها منطقة تفتقر إلى الموارد ولا يتوافر للقابلات الوقت الكافي". و"في كثير من الأحيان، تتبدل القابلات في كل زيارة للعيادة، حينها تضطر المرأة الحامل إلى أن تبدأ مجدداً، لذا تتجدد مخاوفهن حتى الموعد الأخير، عندما يكن على مشارف الولادة".

وتقول ميلر إن النساء الحوامل اللواتي يعانين من الخوف من الولادة حين لا يعرفن  إلى من يمكن أن يلجأن، فإنهن يتجهن إلى وسائل التواصل الاجتماعي، حيث من المرجح أن يعثرن على قصص تصف عادة أسوأ السيناريوهات.

"نحن نسمع عن صدمات الناس وليس عن الجانب الآخرالاقل سوءاً. يمكن أن تكون الولادة تجربة رائعة، أو على الأقل بسيطة ومباشرة. تلك القصص المنتشرة على المواقع تتسبب في إصابة النساء بالهلع من الولادة. ما يسبب ضرراً بالغاً"، تقول ميلر التي أطلقت وسم #PositiveBirthStoryProject على موقع التواصل الاجتماعي "انستغرام" لتشجيع النساء على تبادل قصص ولادة أكثر إيجابية.

هناك دعم يقدم إلى الواتي قد عانين من حالات الولادة الصعبة- بما في ذلك العلاج المعرفي السلوكي وجلسات استجواب خدمة الصحة الوطنية للنساء اللواتي يصبن بـ"التوكوفوبيا" بعد تجربة ولادة مؤلمة، حيث تفحص إحدى القابلات البيانات الخاصة بالمرأة لتفهم ما حدث. ولكن، مع قوائم الانتظار الطويلة، يمنح الإنترنت متنفساً للناس بينما هم في الطابور ينتظرون  العلاج.

تقول ميلر: "يمكن للحامل أيضا الحديث بسرية، كما هي الحال في مامزنت، خصوصاً الام التي تجد صعوبة في تقبل أمومة المولود، وكذلك صعوبة الافصاح عن هذه المشكلة للآخرين".

هذه القصص السلبية، سواء أكانت عبر الإنترنت أو بعيداً عنه، يمكن أن يكون لها تأثير حقيقي على النساء اللواتي يخفن الولادة. ووجدت البحوث أن الأدرينالين، وهو الهرمون الذي يُفرزه الجسم عندما نكون خائفين ويؤدي إلى  سحب الدم من الرحم إلى الأعضاء الأخرى كرد فعل عند حالة القتال أو الطيران، ما يمكن أن يطيل الولادة ويجعلها أكثر ألماً.

وقد وجدت دراسة أجريت في عام 2013 أن النساء اللواتي كان لديهن مستويات متوسطة إلى مرتفعة من الخوف، قد مررن بتجربة ولادة سلبية وكنَّ أكثر عرضة لخوض عملية ولادة قيصرية غير مخطط لها أو الولادة المهبلية باستخدام أدوات مساعدة، بالإضافة إلى أن النساء ذوات مستويات الخوف العالية، اللواتي ولدن بعمليات قيصرية غير مخطط  لها، يكن عرضة أكثر من غيرهن بـ12 ضعفاً للمرور بخبرة ولادة سلبية.

لمكافحة خبرات الولادة السلبية، توصي ميلر بأن تأخذ النساء بعين الاعتبار فكرة الولادة في مراكز بقيادة القابلات، لكن القليل جداً منهن يعلم عن هذا الخيار.

وتقول ميلر: "القابلات خبيرات في تسهيل الولادة الطبيعية، بينما في المستشفى فإن قادتها  مستشارون خبراء في التعقيدات، ويتدخلون لتقليل المخاطر".

تضيف: "إن مراكز الولادة والمنازل قد أعدت بحيث تساعد على الاسترخاء، حيث الأضواء الخافتة والموسيقى وكرات الولادة وحمامات السباحة.  بيئتنا لها تأثير كبير على القدرة على الولادة. أما العنابر فليست بيئة مناسبة لذلك. عدد كبير من النساء لا يعرفن ذلك".

وتقول ميلر أن التعليم بشأن الولادة مفقود، وذوو الدخل المنخفض لا يمكنهم الوصول إليه. لكن، إذا عرف مزيد من النساء عن تلك الفوائد، فإن خدمة الصحة الوطنية ستوفر كثيراً من المال.

"إذا كان التعليم والولادة  بأسلوب "الهيبنوبيرثينج" أو غيره من الصفوف في متناول الجميع، فإن مزيداً من النساء سيخترن المراكز التي تقودها القابلة، حيث تكون معدلات التدخل أقل بكثير من الولادات في المستشفيات.

وتقول: "لا تقصد نساء كثيرات مراكز الولادة، لأنهن يعتقدن أن المستشفى هو المكان الأنسب لهن، ولكن إذا كان التعليم متاحاً، فإن مزيداً من النساء سيستخدمن مراكز الولادة ويخترن الولادة في المنزل ليحققن نتائج أفضل".

إن الدعم الذي تحتاج إليه النساء للمساعدة في الحد من مخاوفهن مفقود معظم الوقت. حدثت زيادة طفيفة في أعداد القابلات في السنوات القليلة الماضية، لكنها زيادة لا تقترب من مطابقة معدل المواليد المرتفع في المملكة المتحدة. ولا يزال ربع مؤسسات خدمة الصحة الوطنية في إنكلترا لا يملك وحدات للقبالة. وفي عام 2015 رأى ثلث عدد النساء الحوامل القابلة نفسها طوال فترة الحمل. وفي كثير من الأحيان، لا تُعطى النساء خياراً ولا يتم إعلامهن بخياراتهن في ما يتعلق بالمكان الذي يمكن لهن الولادة فيه.

يقول الدكتور استشاري أمراض النساء والتوليد في Pennine Acute NHS Trust، مالكولم ديكسون، إن هناك مجموعة صغيرة من النساء يشعرن بالرعب من المخاض، ولكن ليس بسبب قصص الرعب المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي، بل بسبب الأماكن التي تذهبن إليها للولادة. أماكن تزداد حجماً وأكثرغموضاً.

"يذهب الناس إلى مؤسسات كبيرة ، وليس إلى وحدات صغيرة للولادة. من المستحيل أن تحظى برعاية أشخاص ذوي خلفية مجتمعية هناك. الناس مرعوبون من الذهاب إلى هذه المؤسسات الكبيرة حيث لا يعرفون من سيكون هناك".

يضيف: "كنت أعمل في روتشديل، التي كانت مكاناً صغيراً، وكانت جميع القابلات العاملات هناك يعشن في المنطقة نفسها. كن يقابلن الناس. وكن فخورات بوحدتهن. والآن، تم دمج معظم وحدات التوليد في مؤسسات فخمة، ولم يعد لديهن إحساس بالمسؤولية عن مشاكل المريض".

ويستدرك: "لا توجد، الآن، قابلة تعمل في مستشفيي كنسينغتون وتشيلسي تعيش في مكان قريب".

إن أحد أسباب عدم وجود الدعم في ما يخص "توكوفوبيا" هو أن البحوث المتعلقة بالصحة العقلية كانت قوية خلال السنوات العشر الماضية، ولم يتم التعرف إلى الخوف من الولادة  كحالة مرضية بالنسبة إلى بعض النساء إلا منذ وقت قريب نسبياً، كما تقول جومين. الآن، هناك اعتراف بالمشكلة، ولكن لا يوجد نهج موحد للعلاج أو التدريب.

تقول جومين إن فريقها البحثي يدرس كيف يمكن للرعاية الصحية أن تنفذ الدعم المطلوب على أحسن وجه، من أجل الوصول إلى نتائج أفضل بعد الولادة، بما في ذلك استمرارية رعاية القبالة، والتدخل النفسي مثل العلاج المعرفي السلوكي والتعرض المتدرج للمستشفيات، إذا كانت المرأة تخاف البيئات الطبية. وتعتبر أن عدم علاج الصدمة والخوف يمكن أن يؤدي إلى مشاكل صحية نفسية مستمرة، ويمكن أن يؤثر على الطفل حتى مرحلة البلوغ. وهذا الأمر يعود مباشرة إلى وسائل التواصل الاجتماعي.

تضيف: "نحن بحاجة إلى التفكير في تقديم رعاية جيدة لجميع النساء، لأنه إذا كنا قادرين على تعزيز أفضل نوعية رعاية كي تخرج النساء من تجارب الولادة وهن يشعرن بالرضا والإيجابية، فإن هذا سيقلل من قصص الولادة السلبية التي تظهر على الانترنت".

© The Independent