Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الجيش والسياسة في السودان

دخول المعترك الحزبي ليس كالخروج منه والأمة والقوات المسلحة تحتاجان استراتيجية طويلة الأمد تعيد الأمور إلى نصابها

 الفريق أول عبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة السوداني (أ ف ب)

أصبحت عودة القوات المسلحة في السودان إلى الثكنات من الأمور التي أزفت وصار وقوعها مسألة وقت وإن طال. ولن تعود هذه القوات لأن هناك من يطالبها بذلك فحسب، بل أيضاً لأن من الصعب عليها أن تزعم أنها أحسنت لا الحرب ولا السلام بعد نحو نصف قرن في سدة الحكم، بل لربما خالط كثيرين من هذه القوة المسلحة نفسها أنها ربما شقيت بالحكم بأشد مما شقي بها من حكمتهم. يكفي أنها، بعد استرداف الدعم السريع الذي هو جيش خاص في أدق معانيه، صارت غير ما كانت عليه، أو ما تمنت أن تكون.

وكما يقال عن الحمّام، فخروج القوات المسلحة من السياسة ليس كمثل دخولها. 

جاءت القوات المسلحة للسياسة أصالة لا وكالة كما راج في مثل قولنا إنها في السياسة بالوكالة عن أحزاب زجتها فيها لتفرض مشروعها السياسي على الأمة. فذاع أن انقلاب البكباشي جعفر نميري (1969- 1985) مما أوحى به الحزب الشيوعي، في حين قلنا إن انقلاب العميد حسن البشير (1989- 2019) كان خالصاً من تدبير الإخوان المسلمين.

ومهما كانت صحة هذا القول، فإنه من باب المغايظات الحزبية التي غطت على أن القوات المسلحة ربما هي التي استقلت بقرارات الانقلاب في حرب الدولة المركزية ضد قوميي جنوب السودان. وهي الحرب التي اندلعت باكراً خلال الفترة الانتقالية في 1955 وقبيل استقلال السودان في 1956. وظل لا يهدأ لها أوار حتى تنبعث ذميمة كما قال زهير بن أبي سلمى ولعقود خمسة. وبالنتيجة، ظلت هذه القوات تعمل تحت أمر أزلي لضبط الجنوب بالحرب في إطار وطن ظل هو نفسه يخبو ككيان، ثم لحقها الأمر لها بحرب مسلحي دارفور في 2004.

وظلت حرب الجنوب تُخرج قادة السودان المستقل الأطول مكثاً في الحكم من بؤس إعداد الحكومة لعدة تلك الحرب وعتادها. فالتمع نجم الرائد أبو القاسم محمد إبراهيم والمرحوم فاروق حمد الله من ثنايا ذلك البؤس في ميدان القتال قبل أن ينقلبا مع صحبهما على الحكم في مايو (أيار) 1969. وفي الغاب الجنوبي أيضاً، صعد نجم البشير وجيله في مثل ملحمة العقيد طيار محمدين لاستنقاذ رفاقه في مدينة الناصر المحاصرة بقوات الحركة الشعبية الجنوبية. وإذا كانت ثمة قاعدة للانقلاب الناجح في السودان، فهي أنه يبدأ باحتجاج مهني على قصور الحكومة المدنية عن إعداد الجيش للنصر في الحرب.

وبلغ احتجاج القوات المسلحة على الحكومة المدنية لفشلها في مسعى السلم والحرب معاً حداً تقدمت قيادتها بمذكرة مشهورة في فبراير (شباط) 1989، قبل أربعة أشهر من انقلاب البشير، للإمام الصادق المهدي، رئيس الوزراء. طلبت فيها من الحكومة أن تعد قواتها بأحسن مما كانت تفعل إذا رغبت في استمرار الحرب، أو أن تجنح إلى السلم. وركزت المذكرة على عزلة السودان عن سوق السلاح العالمية في حين لم ينقطع عن الحركة الشعبية. وشكت حتى من اعتزال المجتمع المدني للجيش في جبهة داخلية موبوءة بالخلاف. 

لسنا بصدد تبرئة الأحزاب من الاتهامات التي تطاردها عن زجها للجيش في السياسة بقدر ما نسعى إلى أن ننفي عن الأخير أنه ينقلب بالوكالة عن الأحزاب لا بالأصالة عن نفسه. وأفضل ما يقال عن العلاقة بينهما أنها علاقة "تسوق"، أي أن الجيش متى قررت جماعة منه الانقلاب، دخلت سوق الأحزاب السياسية وانتخبت نصيراً لامعاً في الساحة: الشيوعيون في انقلاب 1969 والإخوان في انقلاب 1989. وبلغ الأمر أن طبع هذا التسوق الجيش بطابعه. فتحول إلى العقيدة الجهادية وباتت مهمته الأولى: الاستشهاد. فكيف يستشهد المرء للفكرة الوطنية التي علاها غبار الكساد؟.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تزامن مع زعم عودة الجيش إلى الثكنات نشر تقرير مركز الدفاعات المتقدمة C for ADS)) الذي طرق مسألة توطن الجيش في السياسة من بابها الحق وهو الاقتصاد. وهو الميدان الذي دخله الجيش ليوفر لنفسه بنفسه أكثر عتاد الحرب في وجه مقاطعة عالمية لتسليحه بالنظر إلى سياسات دولة الإنقاذ في الجنوب ثم دارفور لاحقاً، ثم امتد الجيش، بحسب التقرير، بشركاته وصناديق ضماناته الاجتماعية إلى الاستثمار في سائر جبهات الاقتصاد. فامتلك عن طريق شركاته أسهماً في بنك "أم درمان" الوطني، الذي نشأ في 2014 لمالكه بنك السودان المركزي منذ 2016 فصاعداً. وصار البنك للجيش خالصاً في 2019 حين باع الأول بقية أسهمه لشركات للجيش. وبلغت حصائل البنك وودائعه 950 مليون دولار أخيراً، ما جعل منه قوة مالية لا نظير لها في البلاد.

ويملك الجيش عن طريق صندوق الضمان الاجتماعي لأفراده شركة "زادنا" التي تعمل في التجارة والمقاولات. وليس مستغرباً أن يترافق زعم الجيش ترك السياسة للسياسيين مع مطلبه الذي يقضي بتتبيع بنك السودان والسياسة الخارجية له، وذلك في مذكرة أصدرها خلال وساطة الآلية الثلاثية (الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي ومنظمة "إيقاد") بينه وبين قوى الحرية والتغيير في يونيو (حزيران) الماضي.

لم تعد عودة الجيش إلى الثكنات اليوم كما انطلقت بها الحناجر في ثورة 1964 وثورة 1985. فلم يعُد الجيش ذلك النظامي المهني منذ استردف بقرار برلماني الدعم السريع في 2018 كجزء من القوى النظامية. صار جيشاً بسنامين: مهني، وغير مهني تواضع السودانيون على وصفه بـ"جيش خلاء". والجيش الأخير مصاب بأزمة هوية في دولة حديثة حتى إنه أطاح الرئيس البشير الذي أوجده من عدم وعلى مشهد من الجيش النظامي. وبدت هذه الأزمة منذ أسبوع حين غطى محمد حمدان دقلو، قائد الدعم السريع، ضعف ناصيته في المدرعات أمام قواته بالقول إنه صار، بحكم أنه نائب القائد العام للقوات المسلحة، قائداً لسلاح المدرعات المهني نفسه. وهذا تعزيز لقواته التي يقول الناس إنها، متى اصطرعت مع الجيش، لن تصمد أمام مدرعاته.  

سيكون دون خروج الدعم السريع عن السياسة خرط القتاد، فقد جاء للوجود من باب السياسة لا المهنة. وجاء في تقرير مركز الدفاعات المتقدمة عن اقتصاد الدعم السريع ما قد يستحيل به خروجه من السياسة إذا لم تكُن هويته وحدها هي الحائل، إذ أحصى التقرير ثماني شركات تعمل في التعدين والتجارة والزراعة والإنتاج الحيواني والسفر والسياحة. وواسطة عقد استثمار الدعم السريع وشركاته هو بنك الخليج (تأسس 2013) الذي يملك فيه 58 في المئة من الأسهم. وييسر البنك للدعم السريع التعامل مع النظام المالي العالمي من خلال البنوك المراسلة له في أنحاء من الدنيا.  

نجم أكثر اقتصاد القوات المسلحة كما رأينا عن سياسة للعسكريين قامت على سوء ظن حاد بأن في وسع أمتها الإنفاق السخي عليها. واستقلت بالنتيجة عن الأمة وصدق فيها قول القائل إذا كانت للأمم جيوش، فللجيش في مثل حالنا أمة عالقة. وتحتاج الأمة والجيش اللذان في حال اصطلاح أن يتمتعا باستراتيجية طويلة النفس تعيد الأمور إلى نصابها. وبداية هذه الاستراتيجية أن نقف على هذا التاريخ الطويل شديد التعقيد الذي جعل السودان أمة لجيش لا العكس.

المزيد من آراء