Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"حكم الإجهاض" الأميركي ينكأ جرحا باتساع العالم

مطالبات في دول عدة بتقنين التخلص الآمن من الجنين بدلاً من اللجوء لوسائل غير قانونية قد تؤدي إلى وفاة المرأة

بحسب منظمة "أطباء بلا حدود" تلقى أكثر من 22 ألف امرأة وفتاة حتفهن سنوياً بعد الإجهاض غير ‏الآمن (أ ف ب)

قرار المحكمة العليا الأميركية بإنهاء الحق الدستوري للمرأة في الإجهاض لم تتوقف تداعياته على الداخل الأميركي المنقسم بشدة حول الأمر، بل امتدت عالمياً لتثير الجدل في شأن الحاجة لتوجه عالمي حيال قضية الإجهاض ينهي الممارسات غير القانونية، التي تمثل خطراً على صحة المرأة.

ألغت المحكمة العليا الشهر الماضي القرار التاريخي المعروف باسم "رو ضد وايد"، الذي صدر في عام 1973 ليكرس حق المرأة في الإجهاض. وقالت إن بإمكان كل ولاية أن تسمح بالإجراء أو أن تقيده كما كان سائداً قبل السبعينيات، لكن المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش قال إن فرض قيود على هذا الإجراء لن يؤدي إلى منعه، بل سيجعله "أكثر فتكاً"، كما يؤكد صندوق الأمم المتحدة للسكان أن الإجهاض غير الآمن سبب رئيس لوفاة الأمهات.

نسب صادمة

بحسب منظمة "أطباء بلا حدود"، تعد نحو 45 في المئة من حالات الإجهاض عالمياً غير آمنة، وتلقى أكثر من 22 ألف امرأة وفتاة حتفهن سنوياً بعد الإجهاض غير ‏الآمن، وفق إحصاء أجري في 2018، إضافة إلى 7 ملايين امرأة وفتاة يعانين مضاعفات هذا النوع من الإجهاض كل عام، وبعضهن يصبن بإعاقات دائمة في حين لن تتمكن أخريات من الحمل مرة أخرى.

وتقع نحو 97 في المئة من مجمل حالات الإجهاض غير الآمن والوفيات المرتبطة بها في أفريقيا وأميركا اللاتينية وجنوب آسيا ‏وغربها.

وتعرّف "منظمة الصحة العالمية" الإجهاض غير الآمن بأنه إجراء لإنهاء حمل غير مرغوب فيه، ينفذه أشخاص يفتقرون إلى المهارات المطلوبة لذلك، أو ‏يجري في بيئة تفتقر إلى المعايير الطبية الدنيا، أو كلاهما.

وتقول منظمة "أطباء بلا حدود" إن التبعات المهددة للحياة التي تخلفها وسائل الإجهاض غير الآمن تشمل النزف الحاد والتسمم ‏وانثقاب الرحم والأضرار التي تلحق بالأعضاء الداخلية الأخرى. وقد يتطلب الأمر عمليات نقل دم أو الخضوع لجراحة ترميمية كبرى أو استئصال الرحم بالكامل.‏

وتشير المنظمة إلى أن بعض النساء قد ينجحن في الحصول على وسائل أكثر أماناً كشراء الأدوية من السوق السوداء، لكنهن قد يعانين كذلك من ‏مضاعفات نظراً إلى تدني جودة تلك الأدوية أو الخطأ في الجرعة أو عدم كفاية المعلومات أو مزيج من كل تلك الأسباب.‏

الوضع القانوني

يتفاوت الوضع القانوني للإجهاض في العالم وفق 5 مستويات، أولها المنع التام أياً كانت الأسباب، ويتبعه قليل من الدول مثل العراق ومصر والفيليبين وموريتانيا، ثم الإجهاض المباح لإنقاذ حياة الأم الذي يطبق في عدد من الدول منها السودان وليبيا وسوريا والبرازيل، وفي المستوى الثالث يسمح القانون بالإجهاض لأسباب تتعلق بصحة الأم البدنية والنفسية ويشمل عشرات الدول، منها السعودية والجزائر وباكستان وبولندا، وتضيف دول المستوى الرابع الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للأسباب التي تتيح الإجهاض وفق ضوابط معينة، ومن تلك الدول بريطانيا (باستثناء إيرلندا الشمالية) والهند وفنلندا وإثيوبيا، في ما يعد الإجهاض حقاً للمرأة في معظم دول الشمال، بما فيها روسيا وتركيا والصين وغالبية دول الاتحاد الأوروبي.

المخاطر التي تواجه السيدات عند اللجوء إلى الإجهاض غير الآمن دائماً ما تدفع الحقوقيين في العالم إلى الدعوة للسماح بالإجهاض أو على الأقل تقنينه باعتباره يُخرج تلك الممارسات إلى النور ويجعل من الممكن محاسبة المسؤول حال حدوث خطأ.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

عربياً يعد الإجهاض مسموحاً به في تونس والبحرين فقط، ومقيداً في بقية الدول، على الرغم من تعدد مطالبات الحقوقيين وبعض البرلمانيين بإتاحته، فعلى سبيل المثال شهد مجلس النواب المصري اقتراحاً بتعديل تشريعي يسمح بالإجهاض إذا كان استمرار الحمل يمثل خطراً على حياة الحامل، وكذلك في حال ثبوت إصابة الجنين بتشوهات شديدة تؤثر في حياته، لكن قانون المسؤولية الطبية الذي يتضمن تلك المواد لم يتم إقراره في المجلس منذ طرحه لأول مرة قبل أكثر من خمس سنوات.

ويحظر قانون العقوبات المصري الإجهاض ويعاقب المرأة ومن يساعدها في إنهاء الحمل بالحبس لمدة تتراوح بين يوم وثلاث سنوات. وتنص المادة 262 من القانون على معاقبة الطبيب أو الصيدلي الذي يساعد على الإجهاض، سواء بإجراء عملية جراحية أو إعطاء أدوية تساعد على إنزال الجنين بعقوبة قد تصل إلى السجن المشدد.

وتواجه الحامل التي توفي جنينها داخل الرحم في مصر معاناة كبيرة لإنزاله، فقد تستغرق التقارير الطبية اللازمة وقتاً طويلاً تتأثر خلاله الحالة الصحية للأم أو تتعرض حياتها للخطر.

ممارسات سرية

وفق تقارير صحافية محلية، فإن 15 سيدة من كل ألف مصرية أعمارهن بين 15 و44 سنة لجأن إلى المستشفيات للعلاج من مضاعفات صحية نتيجة عمليات الإجهاض غير الآمن، في حين لا توجد أرقام دقيقة عن حجم تلك العمليات لأنها تجرى في سرية وداخل مراكز غير مرخصة في أغلب الأحيان.

وكشفت وزارة الصحة المصرية عن أن الإجهاض تسبب في 1.9 في المئة من الوفيات المرتبطة برعاية الأطفال والأمومة وفق إحصاء أجري في 2006.

وشهدت مصر دعوات حقوقية عدة لتقنين الإجهاض الآمن، إذ أطلقت "المبادرة المصرية للحقوق الشخصية" بالتعاون مع تحالف "ريسرج" النسوي لدعم الحقوق والصحة الجنسية والإنجابية حملات لتعديل القانون من أجل ضمان حق النساء في الحصول على إجهاض آمن في حال كان استمرار الحمل مهدداً لحياتهن أو صحتهن وكذلك في حالات الاغتصاب، كما طالبت مبادرة "هيباتيا" الحقوقية مجلس النواب بتعديل المواد الخاصة بالإجهاض عندما تكون الحامل ضحية اغتصاب أو زنا محارم.

وتتقاطع قضية السماح بالإجهاض مع ملفات عدة، منها توفر وفاعلية وسائل منع الحمل أو تنظيم الأسرة، إذ كشف المسح السكاني الذي أجرته وزارة الصحة المصرية في 2014 عن أن 16 في المئة من المواليد خلال السنوات الخمس السابقة على إعلان نتيجة المسح لم يكونوا "مرغوباً فيهم".

جدل متجدد

أما في المغرب، فتفيد "الجمعية المغربية لمحاربة الإجهاض السري" أن عدد الحالات يراوح بين 600 و800 حالة إجهاض يومياً، وأثار ذلك الملف كثيراً من الجدل بين مؤيد ومعارض للسماح بالإجهاض، ما دفع عاهل المغرب محمد السادس لتشكيل لجنة قانونية في 2016 قدمت استخلاصات لتضمينها في القانون الجنائي، وهي إباحة الإجهاض عندما يشكل الحمل خطراً على حياة الأم أو على صحتها، وفي حالات الحمل الناتج من اغتصاب أو زنا محارم، وكذلك التشوهات الخلقية الخطيرة والأمراض الصعبة التي قد يصاب بها الجنين.

لكن رئيس الجمعية المغربية لمحاربة الإجهاض السري شفيق الشرايبي اعتبر في تصريحات صحافية أن هذه الحالات لا تشكل سوى 10 في المئة من مجموع الحالات التي يجري فيها اللجوء للإجهاض. وتجددت الدعوات لتوسيع حالات إباحة الإجهاض عند سحب مشروع القانون من البرلمان المغربي العام الماضي.

لكن أطرافاً أخرى حذرت من تجاوز ما خلصت إليه اللجنة القانونية التي شكلها العاهل المغربي، إذ قالت رئيسة "منتدى الزهراء للمرأة المغربية" بثينة قروري، في تصريح لصحف محلية إن ما توصلت إليه اللجنة كان نتاج حوار بين مختلف الأطياف، إذ استمعت لآراء الأحزاب السياسية والجمعيات الحقوقية والمجلس العلمي الأعلى، مشيرة إلى أن التعديلات التي أدخلتها اللجنة عكست توافقاً لا ينبغي تجاوزه.

رأي الدين

ربما كان الابتعاد عن الدخول في ملف الإجهاض الشائك يرجع إلى تشابكه مع الدين، إذ تقف المؤسسات الدينية في مقعد المعارض دائماً لدعوات فتح الباب أمام السماح به أو تقنينه. وحين سُئل شيخ الأزهر أحمد الطيب عن إباحة إجهاض الجنين المشوه رفض قائلاً، "من المعلوم أن الحياة لا تخلو من الآلام بحال من الأحوال، كما أن الحل ليس إباحة إجهاض الأجنة المشوهة وإنما في إنشاء مؤسسات اجتماعية لإيوائهم".

وقالت إحدى فتاوى دار الإفتاء المصرية إن "الطبيب المعتمد من جهة رسمية يجب أن يقرر بأن بقاء الجنين في بطن أمه فيه خطر على حياتها أو صحتها، وفي هذه الحال يجوز إسقاط الجنين مراعاةً لحياة الأم وصحتها".

كذلك، يرفض بابا الفاتيكان الإجهاض ويصفه بالقتل حتى لو كان نتيجة عيوب خلقية ظهرت في الاختبارات أثناء الحمل، وشبّه ذلك بمحاولات النازية الوصول لنقاء العنصر البشري من خلال القضاء على الأضعف. وقال خلال كلمة في 2018، "يجب قبول الأطفال كما يأتون، مثلما يرسلهم الله وكما يأذن الله حتى إذا كانوا مرضى في بعض الأوقات".

وتشير تجربة إسبانيا إلى أن توسيع السماح بالإجهاض قد يحد من نسب حدوثه، ففي 2010 وسعت الحكومة نطاق القانون بالسماح بإجراء الإجهاض الآمن خلال مدة تصل إلى 22 أسبوعاً من الحمل في حال تشوه الجنين، في حين يُسمح للمرأة باختيار الإجهاض خلال الأسابيع الـ14 من الحمل، وبعد ذلك التعديل التشريعي انخفضت نسبة حالات الإجهاض من 12.47 سيدة من بين كل ألف إسبانية في 2010 إلى 10.36 سيدة في 2016، وفق موقع "ستاتيستا" للإحصاءات الدولية.

المزيد من تقارير