Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تدعم الأحوال الجوية بايدن أم بوتين؟

الطقس سيكون الفيصل سياسياً واقتصادياً في حياة الاتحاد الأوروبي والمستقبل السياسي للديمقراطيين في الولايات المتحدة

سيلعب الطقس دوراً ضخماً حتى نهاية العام في أسواق الطاقة (رويترز)

العاملان المؤثران في أسواق الطاقة العالمية في النصف الثاني من هذا العام هما الوضع الاقتصادي العالمي، والأحوال الجوية، وكلاهما سيؤثر في مستقبل خطط الرئيسين الأميركي جو بايدن والروسي فلاديمير بوتين.

اقتصادياً، وجود حالة من الركود سينعكس سلباً على كل من بايدن وبوتين. فالانتخابات الأميركية النصفية على الأبواب، والشعب الأميركي يعاني التضخم وارتفاعاً كبيراً في أسعار الطاقة، خصوصاً البنزين. حصول ركود اقتصادي لن يحل مشكلة التضخم بشكل جذري، ومن ثم فإننا سننتهي بركود تضخمي، وهو كافٍ أن يغير الخريطة السياسية في الولايات المتحدة لصالح الجمهوريين، ولا أحد يدري إذا ما كانت لصالح جماعة الرئيس دونالد ترمب تحديداً، أم لصالح الجمهوريين المعتدلين.

فوز الجمهوريين بالأغلبية في مجلس الشيوخ يعني عدم قدرة الديمقراطيين وإدارة بايدن على تمرير أجنداتهم، ومن ثم تفقد الحكومة قدرتها على تمرير مشاريع قوانين كبيرة. وهذا أمر جيد للاقتصاد الأميركي. المشكلة أن عدم قدرة بايدن على تمرير قوانين جديدة سيجعله يلجأ إلى إصدار أوامر رئاسية لتحقيق ما يريد. والقانون يمنحه هذه السلطة. مشكلة القرارات الرئاسية أنها مؤقتة لأن فوز رئيس من الطرف الآخر لاحقاً يعني إلغاء هذه القوانين كلها، ومن ثم تعيش البلاد حالة من التقلب، التي تسهم في تخفيض الاستثمار، وتراجع معدلات النمو الاقتصادي. ورأينا هذا في عهد الرئيس باراك أوباما الذي أصدر قرارات رئاسية كثيرة أثرت في قطاع الأعمال والاستثمارات، ثم قام ترمب بعد فوزه بنقضها وإصدار قرارات رئاسية بديلة، ثم قام بايدن بنقض قرارات ترمب، واحداً بعد الآخر!

اقتصادياً، سيخسر بوتين أيضاً من حالة الركود الاقتصادي لأنها تؤثر سلباً في الطلب على النفط والغاز. وهذا يمكن دول الاتحاد الأوروبي من بناء مخزون مريح من الغاز والنفط، ويعطي الاتحاد الأوروبي الفرصة لحل أزمات الطاقة، كما أنه سيخفض من تكاليف المشاريع البديلة، خصوصاً مشاريع إعادة تغويز الغاز المسال. أما سياسياً فقد تأتي الأمور لصالح بوتين إذا ما حصلت تغييرات سياسية في أوروبا نتيجة الغضب الشعبي الذي نراه الآن في بعض الدول الأوروبية، خصوصاً هولندا.

دور الطقس والأحوال الجوية

بعيداً من الوضع الاقتصادي، الطقس سيلعب دوراً ضخماً حتى نهاية العام في أسواق الطاقة، وقد يجبر بعض دول الاتحاد الأوروبي على التعاون المباشر مع بوتين، أو التعاون معه من طريق التغاضي عن العقوبات على روسيا على الرغم من وجودها، والسيناريو أدناه ليس ببعيد.

موجة حر قاسية تجتاح أوروبا وجنوب شرقي آسيا والشرق الأوسط، بما في ذلك شمال أفريقيا، ستسبب أزمة طاقة خانقة تدفع ببعض الحكومات الأوروبية إلى التعاون مع روسيا بطريقة أو بأخرى، ومن ثم يحقق بوتين ما يريد: قسم الاتحاد الأوروبي أو إحداث شرخ فيه، وهذا سيكون ضربة سياسية كبيرة لبايدن. بايدن يدرك هذه الفكرة، لهذا فإن هدفه هو توفير النفط والغاز لأوروبا مهما كان الثمن، حتى لو كان على حساب المواطن الأميركي، وعلى حساب المبادئ التي ينادي بها الحزب الديمقراطي في مجالات حقوق الإنسان والبيئة. وتصريحات بايدن نفسه تشير إلى ذلك: منع انقسام الاتحاد الأوروبي أهم لبايدن من معاناة المواطن الأميركي من ارتفاع أسعار الطاقة.

موجة حر قاسية تعني زيادة الطلب على التبريد في أوروبا، ما يزيد الطلب على الكهرباء. وهذا بدوره يتطلب مزيداً من مصادر الطاقة: الغاز، والفحم، والطاقة المتجددة. المشكلة أن الحرارة مرتفعة لعدم وجود رياح، ومن ثم فإن مصدر الطاقة الكبير الذي تعتمد عليه أوروبا لن يكون متاحاً، فكيف يتم التعويض، وبأي سعر؟ وإذا لم يتم التعويض، هل تنقطع الكهرباء؟ الحل واضح من الآن: استهلاك مزيد من الغاز والفحم. استخدام مزيد من الغاز يعني انخفاض المخزون من الغاز بشكل كبير. والسؤال هنا، من أين يأتي الغاز لملء المخزون مرة أخرى؟ روسيا تخفض الضخ لأوروبا، والنرويج تعاني مشكلات تقنية، وبريطانيا قررت أنها لن تضخ الغاز إلى بقية دول الاتحاد الأوروبي إذا ما احتاجت إليه، والجزائر تهدد أوروبا بأنها لن تضخ الغاز إلا إذا تمت إعادة النظر في تسعيره، في وقت لن تعود فيه محطة فريبورت للغاز المسال الأميركية للعمل إلا بعد انتهاء الصيف، وهي المحطة التي شب فيها حريق مفاجئ أوقفها عن العمل، ولكن المشكلة الكبرى هي أعاصير خليج المكسيك.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ارتفاع درجات الحرارة في أميركا الشمالية يعني أن كمية الغاز المتاحة لمحطات الغاز المسال التي تصدره لأوروبا أقل من ذي قبل، وذلك لأن الغاز يستخدم بكثافة في توليد الكهرباء، ويعني أيضاً ارتفاع أسعار الغاز. هذه أخبار سيئة لبايدن سياسياً واقتصادياً. الأعاصير في خليج المكسيك تحصل موسمياً، في الحالات كلها، ولكن ارتفاع درجات الحرارة يزيد من حدتها وآثارها المدمرة. وتتوقع مصلحة الأرصاد الأميركية حالياً 21 إعصاراً في خليج المكسيك، منها خمسة قوية. أوروبا ستكون في مأزق لأن كل صادرات الولايات المتحدة من الغاز المسال إلى أوروبا وبقية العالم، التي بلغت نحو 13 مليار قدم مكعب يومياً، وهي كميات كبيرة بكل المقاييس، تأتي من خليج المكسيك. حتى لو لم تكن الأعاصير مدمرة، مجرد تأخير عمليات الشحن لأيام عدة مع دخول كل إعصار خليج المكسيك سيؤدي إلى نقص إمدادات الغاز في أوروبا.

ارتفاع درجات الحرارة في آسيا، خصوصاً في الصين والهند، سيزيد من التنافس بين أوروبا وآسيا على الغاز المسال والفحم، وربما النفط. وقد ترتفع أسعار الغاز المسال في الأسواق الفورية إلى مستويات قياسية تتجاوز 45 دولاراً، هذا يعني، في النهاية، التحول إلى الفحم والنفط، وسيرفع أسعارهما. في هذه الحالة، انقطاع الكهرباء قد يصبح أمراً شائعاً في هذه الدول. وهذا بدوره سيزيد الطلب على التوليد الخاص، وسيزيد من الطلب على الديزل وغاز النفط السائل، ويرفع أسعارهما.

بين أوروبا وآسيا دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا المنتجة للنفط والغاز. وجود موجة حر خانقة في المنطقة تعني استخدام مزيد من النفط والغاز، ومن ثم انخفاض صادراتها إلى أوروبا وآسيا. والنتيجة الحتمية لذلك وقوع دول الاتحاد الأوروبي في مأزق كبير. وكلما ازداد الحر ازداد احتمال انقسام دول الاتحاد الأوروبي تجاه التعامل مع روسيا. وانقسام الاتحاد الأوروبي يعد كارثة لبايدن قبل الانتخابات الأميركية.

إلا أن كل ما ذكر ليس السيناريو الأسوأ. السيناريو الأسوأ هو حدوث ما ذكر يليه شتاء مبكر وقارس! عندها قد نرى أزمة طاقة تتحول إلى كارثة.

ولكن!

 ماذا لو ارتفعت درجات الحرارة في الصيف وحصل ركود اقتصادي عالمي؟ أزمة الطاقة ستكون أخف، ولكن ستقع الحكومات في مأزق سياسي بسبب الركود التضخمي.

 ماذا لو كان الصيف لطيفاً حول العالم، وكانت أعاصير خليج المكسيك خفيفة الأثر؟ عندها لن ينقسم الاتحاد الأوروبي، ولن يحقق بوتين حلمه. ووجود ركود اقتصادي خلال تلك الفترة سيخفف من حدة أزمة الطاقة، وربما يؤثر سلباً في توازن أسواق الطاقة في النصف الأول من 2023 بسبب وفرة المعروض، وقد يجبر "أوبك+" على العودة إلى تخفيض الإنتاج.

خلاصة القول هنا أن الطقس سيكون الفيصل سياسياً واقتصادياً في حياة الاتحاد الأوروبي والمستقبل السياسي للديمقراطيين في الولايات المتحدة. وقد يتحقق حلم بوتين بقسم الاتحاد الأوروبي أو إيجاد شرخ كبير فيه، إلا أن وجود صيف معتدل قد يقلب كل هذه الموازين.

المزيد من آراء