سبحونة سعودية... (1)

عندما استطاع جدي "تركي" جمع جنيه من الذهب أرسله إلى أبيه مع رسالة يقول فيها "هذا جنيه من الذهب، استأجر به صبياً، وانسَ وجودي"

صورة لكاتب المقال خلال فترة الطفولة وإلى جانبه والده حمد بن تركي

السبحونة في التراث النجدي هي حكاية قصيرة كانت الجدات تحكيها للأطفال قبل النوم عادة، وكانت تبدأ بتسبيح المولى "هنا هاك الواحد، والواحد الله سبحانه، المعتلي بمكانه"، ولأجل ذلك سميت بـ"السبحونة"، وهي أشبه ما تكون بـ"الحدوتة" المصرية. محور "سبحونة" هذا المقال هو أمي، رحمها الله وغفر لها، وهو أقل واجب يمكن أن أؤديه لها بعد رحيلها الصامت بعد حياة كانت كلها كفاح في هذه الدنيا، ورحلة طويلة مع الألم والفرح والكفاح.

ولدت أمي "هيا" في قرية صغيرة من قرى جنوب الأردن، اسمها المزار الجنوبي، تابعة للواء (محافظة) الكرك، في النصف الثاني من ثلاثينيات القرن العشرين، لوالد سعودي من عقيلات ذلك الزمان، عبد الكريم حمد التركي البريدي، وأم أردنية، صبحا حسن عوض الطراونة. كان جدي لأمي قبل رحلته للأردن، يعيش في قرية (خب) صغيرة من قرى القصيم تابعة لمدينة بريدة، اسمها "القصيعة"، هو ووالده وأخواه، تركي "الأكبر"، وإبراهيم "الأصغر"، معتمدين على منتجات حقل صغير من التمور والخضراوات يبيعونها في سوق بريدة، المعروف باسم "الجردة". ونتيجة خلاف بين جدي الأكبر حمد، وجدي تركي، قرر هذا الأخير أن يترك القصيم كله و"يغرب" مع العقيلات، أي يبحث عن رزقه في بلاد الشام، حيث استقر به المقام في مصر متاجراً بالأبل، ثم انتقل من هناك إلى فلسطين، ثم شرق الأردن، وتحديدا في المزار الجنوبي، حيث عمل تاجراً متجولاً لإكسسوارات النساء البسيطة، ثم تحول إلى الفلاحة والزراعة، فقد كان الشام والعراق ومصر ملجأ معظم أهل نجد الباحثين عن الرزق الوفير، وكانوا يرددون في أمثالهم "الشام شامك لو الزمن ضامك".

غاب جدي "تركي" طويلا، فقلقت عليه جدتي الكبرى، مزنة المسند، ولكنها لا تستطيع فعل شيء، فطلب منها ابنها الأصغر، جدي لأمي، أن يغرب مع العقيلات ليبحث عن شقيقه ويعيده إلى أحضان أمه، ولكنها لم توافق خشية أن يذهب ولا يعود كشقيقه، ولكنه كان قد عقد النية على الرحيل. ولشدة خوف جدتي "مزنة" من مغادرته من دون علمها، كانت كل ليلة تربط ثوبها بثوبه قبل النوم كي تعرف حركاته وسكناته. وفي ليلة مظلمة، عقد جدي النية على الرحيل، وقطع ثوبه وانطلق يجري عبر الرمال الناعمة إلى مدينة بريدة، بحثا عن قافلة للعقيلات.

كانت هذه القصة تثير مكامن الألم في نفس جدي كلما ذكرها لاحقا ويبكي بحرارة، كما كانت أمي تحدثني. ومات وحكايته مع أمه باقية جرحا في أعماقه.

لم يكن عمر "عبد الكريم" حين غادر "القصيعة" يتجاوز الرابعة عشرة، كما لم يكن عمر "تركي" يتجاوز السادسة عشرة حين تركها.

بعد بحث طويل في مصر وفلسطين، وصل "عبد الكريم" إلى عمّان، وكانت ساعتها قرية صغيرة مقارنة بهذا اليوم، واستقر في رأس العين، حيث معظم العقيلات هناك، قريبا من "سوق الحلال"، أو سوق الإبل، المهنة التي يزاولها معظم العقيلات. وفي أحد مجالس العقيلات، علم أن شقيقه استقر به المقام في المزار، أبلغه بذلك المرحوم عبد الله المنيف، شقيق الروائي والكاتب عبد الرحمن منيف، رحمة الله على الجميع.

لم ينتظر جدي "عبد الكريم" طويلا، وسافر إلى المزار رغم مشاق الطريق آنذاك، وكان لقاء الشقيقين. عمل الشقيقان في التجارة أولا، حيث افتتحا حانوتاً لبيع حاجيات الفلاحين، ولم يكن التعامل آنذاك بالنقد، بل كان بالمقايضة، وكانت النقود المستخدمة هي القمح والبيض بشكل خاص. راجت تجارة جدايّ، وأصبحا من أعيان القرية، فافتتحا "مضافة" يستقبلان فيها أهل القرية، حيث يتسامرون ويتناولون القهوة والشاي ووجبة العشاء إن تيسرت، وكانت تعرف بـ"مضافة العقيلات"، وكان جداي يعرفان باسم "عيال العقيلات"، وأذكر أن لقب العقيلات بقي لاصقا بي في السنوات الأولى من عمري.

في ذلك الحانوت، رأى جدي "عبد الكريم البريدي" جدتي "صبحا الطراونة"، فوقعت في قلبه موقعاً جميلا، ويبدو أنها أحبته هي الأخرى، كما كانت أمي تخبرني ضاحكة. تقدم "عبد الكريم" لخِطبة "صبحا" من جدي حسن الطراونة، فرفض أول الأمر إذ كيف يزوّج ابنته، ابنة الحسب والنسب والعشيرة العريقة، من شاب لا يعرفون عنه شيئا، ولكنه وافق في النهاية بعد توسّط وجهاء العشيرة في المزار، وبعد تأكدهم من نسبه في بلاده.

بهذا الزواج، ارتبط جدي بالأردن، ولم يعد إلى نجد بعد ذلك حتى توفّاه الله عام 1949، بخاصة بعد أن علم أن أمه قد انتقلت إلى رحمة الله.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أمّا جدي "تركي" فقد كان دائم الترحال مع عقيل، وكل ثلاث أو أربع سنوات يعود إلى بريدة، وفي إحدى هذه المرات تزوج جدتي، حصة بنت حمود البراك البريدي، ابنة أحد شيوخ عقيل، وهو من سافر مع قافلته عندما ترك القصيعة غاضبا.  وقصة غضبه أنه دعا بعض أصحابه إلى الحايط (الحقل)، وقدّم لهم ضيافةً شيءٌ من الرطب، فغضب أبوه وأنّبه، قائلا له "هل تظن أنك صاحب حلال؟ أنت مثلك مثل صبي بجنيه ذهب في السنة"، فدارت الدنيا بـ"تركي" وترك القصيعة ولم يعد إليها في حياة أبيه. وكما تروي لي أمي، فعندما استطاع جدي "تركي" جمع جنيه من الذهب، أرسله إلى أبيه مع رسالة، يقول فيها "هذا جنيه من الذهب، استأجر به صبياً، وانسَ وجودي"، وحين قرأت الرسالة على جدي حمد، كان يقف على حافة القليب (بئر واسعة للماء)، فسقط فيه، وعاش بقية عمره ضريرا نتيجة ذلك، وكانت تلك البقية أقل من سنة.

أنجب "تركي" من زوجته "حصة" والدي "حمد"، وعمتاي "شريفة" و"زهوة"، وتوفي وولده "حمد" في الثالثة من عمره، ولم يره أبداً. أما "عبد الكريم" فأنجب أكثر من طفل وطفلة، كلهم يموتون في الأشهر الأولى من أعمارهم، ما عدا خالي "حمد"، الذي توفي في السادسة عشرة من عمره، ولم يتبقَ من ذرية "عبد الكريم" إلا أمي "هيا"، وخالتي "حفيظة". أما ذرية "تركي"، فلم يتبقَ منهم إلا والدي، فقد ماتت عمتي شريفة بمرض السلّ، وماتت عمتي "زهوة" حرقا، بعد أن أنجبت ابنة عمتي، الجوهرة بنت عبد الله الجلاجل، رحم الله الجميع.

حين بلغ والدي سن السابعة عشرة أو الثامنة عشرة، قرر أن يترك القصيم ويذهب إلى الأردن حيث أرملة عمه وابنتي عمه، برفقة أحد العقيلات آنذاك، سليمان ناصر العمر، من "خب" المريدسية، الذي أصبح زوج عمتي لاحقا، ووالد زوجتي "ثمينة". كانت السماء تمطر بغزارة ذلك اليوم، وإذا بوالدي يدخل بيت أجدادي، برفقة أحد وجهاء الطراونة، عبد الكريم الطراونة، وأحد العقيلات الذين استقروا بالمزار، إبراهيم العاضاض، الذي كنت أخشى الذهاب إلى منزله وأنا صغير، خشية أن يعضني أولاده. كان أول من لمح أبي وهو يدخل المنزل خالتي حفيظة، التي التفتت إلى شقيقتها الصغرى "هيا"، قائلة "يا أختي... دخل علينا رجل أشبه ما يكون بعمي تركي"، وتم التعارف بين أولاد العم... هذا وتستمر السبحونة.

المزيد من آراء