Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

انتقام السلطة الأبوية وتقييد حقوق النساء

عن خوف الطاغية من المرأة

احتجاجات على سياسات العنف ضد المرأة في اسطنبول يوليو 2021 (إيمانويل ساتولي/كونتراستو/رويترز)

في بانثيون الزعماء المستبدين عدد كبير من الذكوريين المتعصبين لجنسهم، بدءاً بنابليون بونابرت، الذي ألغى تجريم قتل الزوجات المتهمات بالخيانة الزوجية، وصولاً إلى بينيتو موسوليني الذي زعم أن "النساء لم يصنعن أي شيء يوماً". وفيما شهد القرن العشرون بعض التقدم في مجال المساواة بين المرأة والرجل في معظم بقاع العالم، أتى القرن الحادي والعشرون ليبرهن على أن كراهية النساء والديكتاتورية ليست اعتلالات متلازمة فحسب، بل هي علل يعزز بعضها بعضاً. وخلال القرن الماضي، انتزعت الحركات النسائية حق الاقتراع للمرأة، وفتحت مجالاً أكبر لحصول النساء على الرعاية الصحية الإنجابية، والتعليم، والفرص الاقتصادية، وبدأت بتكريس المساواة بين الجنسين في القوانين المحلية والدولية- وهي انتصارات تزامنت مع موجات غير مسبوقة من التحول الديمقراطي في حقبة ما بعد الحرب العالمية، ولكن خلال السنوات الأخيرة، شن زعماء العالم الاستبداديون هجوماً على حقوق المرأة وعلى الديمقراطية في آن واحد، وهذا يمثل تهديداً بإلغاء عقود من التطور في المجالين.

وانسحب رد الفعل الأبوي على كل أطياف الأنظمة الاستبدادية، انطلاقاً من الديكتاتوريات المطلقة فالأنظمة الاستبدادية التي تقودها الأحزاب والأنظمة الديمقراطية غير الليبرالية التي يترأسها زعماء يطمحون إلى التحول إلى رجال أقوياء. وفي الصين، سحق شي جينبينغ الحركات النسائية، وكمم أفواه النساء اللاتي اتهمن رجالاً نافذين بارتكاب اعتداءات جنسية، وأقصى النساء من عضوية اللجنة الدائمة القوية التابعة للمكتب السياسي. وفي روسيا، يلغي فلاديمير بوتين الحقوق الإنجابية ويعزز الأدوار الجنسانية التقليدية التي تحد من مشاركة المرأة في الحياة العامة. أما في كوريا الشمالية، فقد دفع كيم يونغ أون النساء للالتجاء إلى الخارج بمعدل ثلاث مرات أكثر من الرجال تقريباً. وفي أفغانستان، محا انتصار "طالبان" 20 عاماً من التقدم في مجالات وصول المرأة إلى التعليم، والتمثيل في المناصب العامة، والدخول في عداد القوى العاملة.

كما تدفع موجة الاستبداد الأبوي بعض الأنظمة الديمقراطية الراسخة في اتجاه غير ليبرالي. وشهدت الدول التي يترأسها زعماء تسيرهم ميول استبدادية مثل البرازيل وهنغاريا وبولندا، ارتفاعاً في الحركات اليمينية المتطرفة التي تعزز الأدوار الجندرية التقليدية باعتبارها تصرفاً وطنياً، فيما تشن هجوماً على "العقيدة الجنسانية"- وهو مصطلح غايته التخويف، تصفه منظمة هيومن رايتس ووتش على أنه يعني "لا شيء وكل شيء" في الآن ذاته. وحتى الولايات المتحدة سجلت تباطؤاً في التقدم نحو المساواة بين الجنسين وتراجعاً للحقوق الإنجابية، وهي كانت تتقدم منذ سبعينيات القرن الماضي. وخلال ولايته الرئاسية، عمل دونالد ترمب مع مناصري مكافحة النسوية من أجل وقف توسيع نطاق حقوق المرأة حول العالم. وعلى الرغم من التزام إدارة بايدن المساواة بين الجنسين على المستوى الوطني، تسعى الولايات التي يسيطر عليها الجمهوريون إلى إلغاء الحق الدستوري في الإجهاض، الذي أصبح مهدداً الآن أكثر من عقود مضت.

ومن غير المفاجئ أن تمكين المرأة السياسي والاقتصادي في تباطؤ أو تراجع حول العالم الآن. ووفقاً لمؤشر جامعة جورجتاون المعني بالمرأة والسلام والأمن، شهد تطبيق قوانين المساواة الجنسانية تباطؤاً خلال السنوات الماضية، وهو ما حدث كذلك مع مكاسب في التحصيل العلمي والتمثيل في البرلمانات الوطنية. وفي الوقت نفسه، ازدادت معدلات العنف ضد الشريك، فيما سجلت هندوراس والمكسيك وتركيا ارتفاعاً ملحوظاً في معدلات قتل النساء. وفاقمت جائحة "كوفيد-19" هذه الاتجاهات عالمياً، وأرغمت ملايين النساء على ترك مجال العمل وتحمل أعباء إضافية من الرعاية غير المدفوعة، ما قيد إمكان حصولهن على الرعاية الصحية والتعليم، وحد من الخيارات المتاحة أمامهن للهرب من الاعتداء.

 

 

 

وتزامن الهجوم على حقوق المرأة مع هجوم أوسع على الديمقراطية. فبحسب منظمة فريدم هاوس للأبحاث (Freedom House) ومشروع أصناف الديمقراطية في جامعة غوتنبرغ، شهدت السنوات الـ15 الأخيرة عودة مستمرة للاستبداد. وعادت أنظمة ديمقراطية جديدة نسبياً مثل البرازيل وهنغاريا والهند وبولندا وتركيا للانزلاق نحو الاستبداد أو إلى السير في هذا الاتجاه. والدول التي كانت تعتبر شبه استبدادية منذ عقد من الزمن، مثل روسيا، أصبحت أنظمة استبدادية بكل ما للكلمة من معنى، كما أن الميول غير الديمقراطية، تزداد داخل أحزاب سياسية راسخة في بعض أقدم الديمقراطيات في العالم- مثل فرنسا وسويسرا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة.

وليس من قبيل المصادفة أن تكون المساواة بين الرجال والنساء في تراجع تزامناً مع تنامي النزعات الاستبدادية. وإذ أشار خبراء السياسات منذ زمن إلى التلازم بين الحقوق المدنية للمرأة والديمقراطية، ولكنهم تنكبوا الاعتراف بأن الأولى تمثل شرطاً أساسياً للثانية. ولدى الشخصيات المستبدة والديكتاتوريين الأبويين أسباب وجيهة للخشية من مشاركة المرأة السياسية: فحين تشارك النساء في التحركات الجماعية، تزداد احتمالات نجاح هذه التحركات أولاً، وإفضاؤها إلى نظام ديمقراطي أكثر مساواة ثانياً. وبعبارات أخرى، تشكل النساء اللاتي يتمتعن بالحرية والنشاط السياسي خطراً على الزعماء الاستبداديين ومن لديهم نزعات استبدادية- ولذلك يمتلك أولئك الزعماء سبباً استراتيجياً لكي يكونوا متحيزين جنسياً.

وفهم العلاقة بين التمييز على أساس الجنس من ناحية، والتردي الديمقراطي، من ناحية ثانية، ضروري جداً لمن يرغب في مكافحة الاتجاهين. ويستخدم القادة الاستبداديون الذين رسخوا وجودهم، والقادة القوميون اليمينيون في الأنظمة الديمقراطية المتنازع عليها، التراتبية الهرمية في العلاقات الجنسانية بنفس الطريقة في سبيل تعزيز الحكم القومي الهرمي الذي يهيمن عليه الذكور. ونظراً إلى خوضها معارك طويلة ومزمنة ضد التراتبيات الاجتماعية التي تكرس السلطة في يد قلة من الأشخاص، تشكل الحركات النسائية سلاحاً لا يستهان به في وجه الأنظمة الاستبدادية. وليس في صالح الذين يرغبون في عكس مسار تردي الديمقراطية عالمياً أن يتجاهلوها.

نساء في المواجهة

غالباً ما طرح الباحثون في شؤون الديمقراطية موضوع تمكين المرأة على أنه حصيلة التحول الديمقراطي، أو نتاج الحداثة والتنمية الاقتصادية، ولكن النساء طالبن بالمشاركة، وحاربن في سبيل تمثيلهن، وفي سبيل مصالحهن الخاصة عن طريق الحركات الجدلية المطالبة بحق الاقتراع، وحملات الحقوق التي عززت النظام الديمقراطي بشكل عام في النهاية. ولا يزال المشروع النسائي غير مكتمل، ولم يتوزع التوسع في حقوق المرأة خلال المئة عام أو المئة عام ونيف التي مضت، بالتساوي بين النساء. وكما دأبت النسويات اللاتي ينطلقن من تقاطع المواضيع النسوية ومناهضة الاستعمار على القول: استفادت نساء النخبة، وهن في الغالب من العرق الأبيض وينتمين إلى الغرب، من تراكم أهم مكتسبات النسوية، ولكن النشاط السياسي النسائي وسع وعزز الديمقراطية بشكل لا يمكن دحضه- وهو واقع يفهمه الاستبداديون والديمقراطيون غير الليبراليين تلقائياً، وهذا يفسر بالتالي، خوفهم من تمكين المرأة.

وعلى امتداد العقود السبعة الماضية، أسهمت مطالبات النساء بالإشراك السياسي والاقتصادي في تحفيز الانتقال نحو الديمقراطية، ولا سيما عندما تصدرت تلك النسوة التحركات الجماعية. فالعبور نحو الديمقراطية في أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية وجنوب شرقي آسيا خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي جاء إجمالاً بدفع من التحركات الشعبية التي اضطلعت المرأة بدور رئيس فيها. وتظهر أبحاثنا أن جميع حركات المقاومة الكبرى، خلال حقبة ما بعد الحرب -تلك التي سعت إلى إطاحة الحكومات القومية أو انتزاع الاستقلال الوطني- أوكلت أدوار الدعم إلى النساء. فحملن مسؤولية تأمين الطعام والمأوى والمعلومات الاستخباراتية والتمويل وغيرها من المستلزمات، ولكن هذه الحركات اختلفت من حيث درجة مشاركة المرأة على جبهاتها الأمامية- أي مشاركتها المباشرة في التظاهرات والمواجهات مع السلطات والإضرابات وحركات المقاطعة وغيرها من أشكال رفض التعاون. وسجلت بعض هذه التحركات، مثل الحركة المؤيدة للديمقراطية في البرازيل في منتصف ثمانينيات القرن الماضي، مشاركة نسائية واسعة: نصف الموجودين على الخطوط الأمامية كانوا نساء. أما التحركات الأخرى، مثل الانتفاضة ضد الملكية في نيبال في عام 2006، فسجلت مشاركة أقل للنساء على الجبهة الأمامية. ويبدو أن حملة لا عنفية واحدة فقط خلال تلك المدة استثنت النساء كلياً، هي الانتفاضة المدنية التي أطاحت حكم ماهندرا شودري في فيجي في عام 2000.  

ليست كراهية النساء والديكتاتورية اعتلالات متلازمة فحسب، بل هي علل يعزز بعضها بعضاً.

وإبان النصف الأول من القرن العشرين، أدت النساء أدواراً نشطة في حركات النضال ضد الاستعمار في أفريقيا وفي الثورات اليسارية في أوروبا وأميركا اللاتينية. ولاحقاً، شهدت الحركات المطالبة بالديمقراطية في ميانمار والفيليبين إقدام الراهبات على تحويل أجسادهن إلى عائق يحول بين عناصر القوى الأمنية والناشطين والمدنيين. وخلال الانتفاضة الأولى، اضطلعت الفلسطينيات بدور حيوي في المقاومة اللا عنفية ضد الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وغزة. فنظمن الإضراب والتظاهرات والحوارات إلى جانب الإسرائيليات. وفي الولايات المتحدة، أطلقت النساء السوداوات حركة "حياة السود مهمة"، وما زلن يقدنها، وقد تحولت إلى ظاهرة عالمية. وتذكر طريقة تنظيمهن بعمل الناشطات الرائدات أمثال إيلا بايكر وروزا باركس وفاني لو هامر، وغيرهن من النساء السوداوات اللاتي خططن وحشدن ونسقن جوانب أساسية من حركة الحقوق المدنية الأميركية. وعملت ملايين النساء على دعم واستمرارية التحركات ضد بعض أسوأ الديكتاتوريات في العالم وأشدها قمعاً، من بائعات الشاي والمغنيات في السودان إلى الجدات في الجزائر، والزوجات في تشيلي اللاتي وقفن خارج مقر إقامة أوغوستو بينوشيه في القصر الرئاسي للمطالبة بعودة أحبائهن المخفيين قسراً.

ويتبين بالتالي أن مشاركة النساء في الصفوف الأولى تشكل مكسباً لا يستهان به، سواء من حيث نجاح التحرك الآني، أو من حيث ضمان التغيير الديمقراطي على المدى الأبعد. وكانت حظوظ النجاح أوفر بكثير في التحركات الجماهيرية التي شهدت في مقدمتها مشاركة واسعة للنساء، مقارنة بتلك الحملات التي إما همشت المرأة أو استثنتها. وكانت احتمالات مشاركة النساء في الحركات الجماهيرية اللا عنفية أكثر بكثير من الحركات العنيفة، وكان عدد النساء المشاركات في الحملات اللا عنفية أكبر بكثير من المشاركات في الحملات العنيفة. وتفسير سبب ارتفاع حظوظ نجاح التحركات التي تسجل مشاركة للمرأة في الصفوف الأمامية، يدعو المرء إلى أن يفهم أولاً ما الذي يجعل الحركات اللا عنفية تفشل أو تنجح.           

إجمالاً، ترتفع فرص نجاح الحركات الرامية إلى إسقاط أنظمة ديكتاتورية، أو انتزاع الاستقلال الوطني، عندما تحشد أعداداً كبيرة من الناس، وتغير ولاء بعض دعائم النظام في الأقل، وتستخدم أساليب عمل مبتكرة، مثل سلسلة الإضرابات المتتالية إلى جانب الاحتجاجات في الشوارع، وتحافظ على انضباطها ومقاومتها بوجه قمع الدولة والحشد المضاد الذي يقوم به مناصرو النظام. وتساعد مشاركة المرأة الموسعة في هذه الحركات على تحقيق هذا كله.

وبالنسبة إلى النقطة الأولى، أي القوة عبر الأعداد الكبيرة، فإن الأفضلية التي تضيفها مشاركة المرأة واضحة. لأن الحركات التي تقصي أو تهمش النساء تقلص عدد المشاركين المحتملين فيها إلى النصف على أقل تقدير. وعلى حركات المقاومة أن تؤمن دعماً واسع النطاق لكي تعتبر شرعية. وكلما ازداد حشد الناس، ارتفعت فرص الحركة بتعطيل الوضع القائم. فالإضرابات العامة، وغيرها من الخطوات الجماهيرية، قادرة على شل حركة مدينة أو ولاية أو بلد بالكامل، كما أنها ترتب أكلافاً اقتصادية وسياسية فورية على النظام. ويمكن أن يخلق الحشد الجماهيري كذلك حساً بالحتمية يقنع من يتمهلون في اتخاذ قرارهم أو يقفون على الحياد بالانضمام إلى المقاومة، ما يريده الناس هو الالتحاق بالفريق الرابح، وفي وجود أعداد كبيرة من مشاركين متنوعين، يمكن أن يسهم ذلك في كسب التأييد الخفي أو العلني من النخب السياسية والاقتصادية وعناصر القوى الأمنية.

تشكل مشاركة المرأة في الصفوف الأمامية مكسباً لا يستهان به في الحركات الجماهيرية.

وثانياً، تزداد احتمالات نجاح الحركات الجماهيرية عندما تقنع أو ترغم معارضيها على هجر المعسكر المضاد. ورأى الباحثون في الدراسات التي تناولت السلوك الشعبي تجاه المجموعات المسلحة، أن وجود المقاتلات من النساء يزيد من شرعية هذه الحركات في نظر المراقبين. وينسحب الأمر نفسه على الأرجح على الانتفاضات الشعبية اللا عنفية. وكما تزيد مشاركة المرأة وغيرها من الأطراف المتنوعة رأس المال الاجتماعي والأخلاقي والمالي الذي تستطيع الحركة أن تسخره لتقويض نظام دعم معارضيها. وعندما تبدأ القوى الأمنية، أو نخب عالم الأعمال، أو الموظفون الحكوميون أو الإعلام الرسمي أو العمالة المنظمة أو المانحون الأجانب، أو غيرهم من الفئات الداعمة لأي نظام أو تلك التي تعززه، بالتشكيك في الوضع القائم، فهي ترسل إشارة إلى الآخرين بأن تحدي ذلك النظام قد يكون ممكناً. وعلى سبيل المثال، خلال ثورة سلطة الشعب التي قامت في الفيليبين في 1986، أصدر الرئيس فرديناند ماركوس أمراً للقوى الأمنية بالهجوم على حشود ضخمة من المتظاهرين المطالبين برحيله، ولكن الراهبات اللاتي كن يشاركن في التظاهرات وقفن بين الدبابات والمتظاهرين الآخرين. ولم تقوَ القوى الأمنية على متابعة اعتدائها، فتجنبت البلاد مجزرة كان بإمكانها تغيير مسار الثورة. وتبع ذلك انشقاقات عن النظام على أعلى المستويات، وفر ماركوس في النهاية من البلاد ما أدى إلى الانتقال الديمقراطي.

العامل الثالث الذي تزيد فيه مشاركة المرأة من فاعلية الحركات الجماهيرية هو توسيع نطاق الخطط وطرق التظاهر المتاحة أمامها، إذ تبين أن التنوع، أينما خضع للدراسة، يحسن من العمل ضمن فريق، كما الابتكار والأداء. وليست الحركات الجماهيرية استثناء من هذه القاعدة. ويعزز التنوع الإبداع والتعاون بشكل خاص، وهما يفتحان المجال أمام الحركات لاستخدام شبكات معلومات أوسع والحفاظ على زخمها في مواجهة قمع الدولة، كما تتيح مشاركة المرأة اللجوء إلى تكتيكات يكرسها التمييز الثقافي بين الجنسين، مثل خروج النساء في مسيرات بكامل أناقتهن كما حدث في التظاهرات المطالبة بالديمقراطية في ميانمار في عام 2021، وطهي الطعام في الصفوف الأمامية للاحتجاجات، على غرار ما فعلت النساء إبان انتفاضة المزارعين في عامي 2020 و2021 في الهند، أو التظاهر عاريات، كما فعلت النساء في كينيا ونيجيريا ودول أخرى لإشعار خصومهن بالعار أو إضعافهم. واعتمدت بعض الحركات الاحتجاجية على الإشهار أو الفضح الاجتماعي. فمثلاً، خلال التظاهرات المناوئة للحكومة في الجزائر في عام 2019، طلبت الجدات من عناصر شرطة مكافحة الشغب أن يعودوا إلى منازلهم، وهددن بإخبار أمهات العناصر عن سوء سلوكهم. وفي أثناء السنة نفسها في السودان، فضحت مجموعة نسائية على "فيسبوك" أسماء أفراد الشرطة الذين يرتدون لباساً مدنياً، وعيرتهم: وأفشت نساء المجموعة أسماء أشقائهن، أو أقربائهن، أو أبنائهن من عناصر الميليشيات المشبوهة التي كانت تحاول إرهاب المقاومة وإخضاعها.

وطورت النساء أشكالاً أخرى من رفض التعاون المرتبط بالنوع الجنسي الذي يمكن للحركات الجماهيرية الاستفادة منه. فلنأخذ أصل تعبير "مقاطعة" بالإنجليزية وهو "boycott". في أواخر القرن التاسع عشر، امتنعت النساء من طهاة وخادمات وغاسلات ملابس في مقاطعة مايو الإيرلندية عن خدمة مالك أراضٍ بريطاني غائب اسمه الكابتن تشارلز بويكوت. وشجعن أخريات على الانضمام إليهن، فأصبح من المستحيل بالنسبة إلى بويكوت البقاء في إيرلندا، واكتسبت هذه الخطة اسماً جديداً. وكانت النساء رائدات في طرح أشكال أخرى من عدم التعاون الاجتماعي كذلك. مع أن الإضراب الجنسي معارضةً للحرب في مسرحية "ليسيستراتا" كان وهمياً، من المعقول أن أريستوفانيس فكر بسابقة تاريخية عندما كتب المسرحية الكوميدية. وقد نظمت الناشطات إضرابات جنسية على مر العصور: لجأت نساء أمة إيروكوا إلى هذا الأسلوب من جملة الأساليب التي استخدمنها من أجل ضمان حق نقض قرارات شن الحروب في القرن السابع عشر، واستخدمت نساء ليبيريا هذا الأسلوب للمطالبة بإنهاء الحرب الأهلية في مطلع هذا القرن، كما استخدمته النساء في كولومبيا للحث على إنهاء عنف العصابات، وهلم جرا.

ويسهم تضافر عوامل القوة في الأعداد الكبيرة، وإقناع الخصوم، والابتكار التكتيكي بتسهيل ظهور عامل رابع أساسي في نجاح حركات السلطة الشعبية اللا عنفية، وهو الانضباط. وحين تحافظ الحركات على المقاومة اللا عنفية في مواجهة العنف أو الاستفزازات الأخرى التي تقوم بها القوى الأمنية، تزداد احتمالات حشدها دعماً إضافياً، والنجاح في نهاية المطاف. وقد تبين أن الحركات التي تسجل مشاركة نسائية على خطوط المواجهة أقل ميل إلى تأييد العنف كلياً أو إلى أن يصبح فيها أجنحة عنيفة رداً على قمع النظام. وربما يعود ذلك، جزئياً في الأقل، إلى أن وجود أعداد كبيرة من النساء في الصفوف الأمامية يجعل سلوك المتظاهرين الآخرين وكذلك الشرطة أكثر اعتدالاً. فالمحظورات القائمة على أساس الجنس، في ما يتعلق بممارسة العنف العلني ضد المرأة، وبالمواجهات العنيفة في وجود النساء والفتيات قد تفسر هذه الظاهرة جزئياً. وقد تفسرها كذلك التكلفة السياسية المرتفعة التي تترتب على القمع العنيف للنساء المشاركات في الاعتصامات والإضرابات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 ولكن في المقابل، تواجه النساء بأشكال مختلفة من مخاطر القمع العنيف، تبعاً لاختلاف البيئة التي يتحدرن منها. غالباً ما تتحدر نساء الصفوف الأمامية في الحركات المطالبة بالديمقراطية وبتوسيعها من الفئات والطبقات والأقليات المقموعة. فهن طالبات وشابات، أرامل وجدات. وغالباً ما تعرضت النساء من البيئات المهمشة إلى التجاهل أو إلى درجة أكبر من العنف خلال الحركات الجماهيرية، مقارنةً بالنساء الثريات أو الأكثر حظوة اللاتي يستفدن من الاستبداد الأبوي. لهذا السبب، مثلاً، نجحت الألمانيات من "العرق الآري" في ضمان إطلاق سراح أزواجهن اليهود خلال تظاهرات شارع روزنشتراسه (شارع روز) في برلين في عام 1943، بينما كانت اليهوديات ليتعرضن للاعتقال أو الإعدام لو خرجن بتظاهرة شبيهة، كما واجهت النساء من العرق الأسود المشاركات في حركة الحقوق المدنية الأميركية مخاطر أكبر بكثير من المشاركات من العرق الأبيض اللاتي شاركن في الحركة باعتبارهن حليفات لها. ولا يمكن سوى للتحالفات المستدامة العابرة للطبقات الاجتماعية التي تضم خليطاً عرقياً أو التحالفات المتعددة الأعراق أن تتخطى ديناميات الحظوة والقوة هذه، وهذا ما يجعل هذا النوع من التحالفات حيوياً لمجابهة القمع الاستبدادي العنيف ودفع المجتمعات في اتجاه المساواة والديمقراطية للجميع.

مد متصاعد

ولا يقتصر تأثير النساء المشاركات في الصفوف الأولى للحركات الجماهيرية على زيادة احتمالات تحقيق هذه الحركات أهدافها على المدى القصير- مثل إسقاط ديكتاتور مستبد، بل تزيد احتمالات ضمان هذه الحركات تغييراً ديمقراطياً دائماً. وبعد دراسة مجموعة متنوعة من العوامل الأخرى التي يحتمل أن ترجح الانتقال نحو الديمقراطية -مثل مرور البلد بتجربة ديمقراطية سابقة- يظهر تحليلنا بأن مشاركة المرأة على نطاق واسع في الصفوف الأمامية ترتبط ارتباطاً إيجابياً بالارتفاع في الديمقراطية القائمة على المساواة، كما يعرفها مشروع أصناف الديمقراطية.

وبعبارات أخرى، تشبه مشاركة المرأة في الحركات الجماهيرية ارتفاع المد الذي تعلو معه كل القوارب، كما وجد الباحثون أن العمليات الانتقالية الشاملة لكل الأطياف تفضي إلى التفاوض على تسويات أكثر استدامة وإلى نظام ديمقراطي أكثر ديمومة في أعقاب الحروب الأهلية. وعلى الرغم من قلة الأبحاث حول التسويات الناتجة عن التحركات اللا عنفية، من الأرجح أن وجود المرأة يؤدي إلى مطالبات أكبر بالمشاركة الانتخابية، والفرص الاقتصادية، وسبل الوصول إلى التعليم والرعاية الصحية- وهي جملة أمور تزيد من فرص استدامة الانتقال الديمقراطي.

وتشبه مشاركة المرأة في الحركات الجماهيرية ارتفاع المد الذي تعلو معه كل القوارب.

ما الذي يحدث حين تهزم التحركات الشعبية الشمولية ولا يقع أي انتقال؟ غالباً ما تنغمس الأنظمة القائمة التي تسحق الحركات الشعبية الشاملة في رد فعل أبوي شديد تدعمه الدولة. وكلما زادت نسبة النساء في الحركة المهزومة، زادت حدة رد الفعل الأبوي- وهذه دينامية تخلف تبعات تنذر بالشؤم بالنسبة إلى أفغانستان وبيلاروس وكولومبيا وهونغ كونغ ولبنان وميانمار وروسيا والسودان وفنزويلا، التي فيها كلها حالياً حركات شعبية شاملة لا تزال نتائجها غير محسومة. وتظهر دراستنا أن الدول التي تفشل فيها الحركات الشعبية يرجح أن تشهد تراجعاً هائلاً في الديمقراطية القائمة على المساواة والمساواة بين الجنسين، ما يجعل المجالين أسوأ حالاً مقارنة ببداية الحركات. أي إن التأثير الهائل لمشاركة النساء على الخطوط الأمامية في أرجحية التحول الديمقراطي يتوقف على نجاح الحركة، فمشاركة المرأة تؤدي إلى التغيير الديمقراطي وتمكين المرأة فقط عندما تنجح الحركة بشكلها الأوسع.

            

المستبد وقواعد اللعبة

ورد القادة الاستبداديون كما الديمقراطيون غير الليبراليين على تهديد مشاركة المرأة السياسية بإلغاء التقدم في مجال المساواة بين الجنسين وحقوق المرأة. وليس الحافز من وراء تصرفهم استراتيجياً كلياً -فكثير منهم يؤمنون عن حق بالأفكار المتحيزة جنسياً- ولكن نظرتهم إلى الحياة تخدم مصلحتهم الذاتية.

وفي الدول الاستبدادية التامة، قد تأخذ آليات القمع الجنساني شكلاً متصلباً ووحشياً. وغالباً ما تمارس من خلال سياسات تتوسل بها الدولة إلى سيطرة مباشرة على الإنجاب لدى النساء، وتشمل هذه الممارسات الحمل القسري أو الإجهاض القسري، والخطاب المتحيز ضد المرأة الذي يعتبر العنف ضد المرأة هو الوضع الطبيعي أو يشجع عليه حتى، مثل القوانين والممارسات التي تحد من التمثيل النسائي في الحكومة أو تلغيه كلياً، وتثني النساء عن دخول سوق العمل أو التقدم فيه.

وعلى سبيل المثال، أطلق شي في الصين حملة للحد من تكاثر الإيغور وغيرهم من أفراد الأقليات العرقية والريفية. ففرض تحديد النسل والإجهاض وحتى التعقيم على نساء كثر. وتواجه النساء من الأقليات العرقية الآن التهديد بتلقي الغرامات أو السجن بسبب ما تعتبره بكين إنجاب أطفال أكثر من اللازم. وفي مصر، تذهب سيطرة الدولة على الإنجاب لدى النساء في الاتجاه المعاكس: فالإجهاض غير قانوني في كل الأحوال، وعلى النساء طلب موافقة القاضي بغية الحصول على الطلاق، بينما لا يسري هذا الشرط على الرجال. أما في روسيا التي تشرع الإجهاض في كل الظروف منذ عام 1920، فحاولت حكومة بوتين عكس التراجع في معدلات السكان عن طريق الثني عن الإجهاض وتعزيز القيم "التقليدية". وفي كل من البلدان الثلاثة، وعلى الرغم من الالتزامات الدستورية الصورية بحماية النساء من التمييز على أساس الجنس، تبلغ مشاركة المرأة في القوى العاملة وفي المناصب الرسمية ذات النفوذ نسبة ضئيلة.

 وفي البلدان الأقل استبداداً حيث لا يمكن سن السياسات المتحيزة جنسياً بشكل واضح، يلجأ الزعماء ذوو الميول الاستبدادية وأحزابهم إلى استخدام الخطاب المتحيز على أساس الجنس لحشد الدعم الشعبي لجداول أعمالهم المتخلفة، وغالباً ما يغلفونها بغلاف شعبوي. ويعززون عبر هذا السلوك، سرديات "الأنوثة الوطنية". فوصفت الباحثة ناتاشا كول ما يفعله هؤلاء الزعماء على أنه "تعزيز النزعات القومية المضطربة وغير المستقرة" التي تعاقب النسويات وتجردهن من إنسانيتهن. وهم يطبقون، حيثما أمكنهم، سياسات تفرض سيطرة أكبر للدولة على أجساد النساء، تزامناً مع تقليصهم الدعم للمساواة بين الجنسين على المستويين السياسي والاقتصادي. وهم يشجعون على إخضاع المرأة -وغالباً ما يشرعونه- ويطالبون النساء والرجال بالالتزام بالأدوار التقليدية من منطلق الواجب الوطني، كما يستحوذون على مفاهيم مثل المساواة والتمكين ويحرفونها خدمة لمصالحهم. وبينما يختلف شكل المحاولات المماثلة لتعزيز الهرمية الجنسانية وفق اختلاف المواقع والثقافات اليمينية، فهي تتقاطع من حيث لجوئها إلى تكتيك مشترك هو إظهار إخضاع النساء في مظهر يجعله جذاباً، أو حتى كأمر يطمح إليه الرجال كما النساء المحافظات.

وإحدى الطرق التي يستخدمها الزعماء الاستبداديون وغير الليبراليين في جعل الهرمية الجنسانية أمراً تستسيغه النساء هي تسييس "العائلة التقليدية"، التي تصبح تعبيراً ملطفاً لربط قيمة المرأة وأهميتها بالإنجاب والتربية ورعاية المنزل في إطار الأسرة النووية- وإلغاء مطالباتها بالسلطة العامة. ويصبح جسد الأنثى هدفاً لسيطرة المشرعين الذكور الاجتماعية الذين يستحضرون المثال الأعلى لنقاء الأنثى، ويناشدون الأمهات والبنات والزوجات أن يعدن إنتاج نسخة مثالية عن الأمة. وفي هذا السياق، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن النساء لسن متساويات مع الرجال، وإن الدور المناط بهن في المجتمع هو الأمومة ورعاية المنزل. وقد سمى النساء اللاتي يخترن المسار المهني بدل الأمومة "أنصاف أشخاص". ومن جهتها، شجعت حكومة رئيس الوزراء الهنغاري فيكتور أوربان النساء على التوقف عن محاولة سد فجوة الأجور بين الجنسين، والتركيز بدلاً عن ذلك على إنجاب الأطفال الهنغاريين.  

وفي جميع الأنظمة الاستبدادية وشبه الاستبدادية، غالباً ما تستهدف الأقليات الجنسية والجنسانية ويعتدى عليها كذلك. وينظر إلى المثليات والمثليين ومزدوجي الميل الجنسي ومغايري الهوية الجنسانية وأحرار الهوية الجنسانية (مجتمع الميم) على أنهم يقوضون الهرمية الجنسانية التي يحتفي بها كثير من الاستبداديين. ونتيجة لذلك، تهمش هذه الأقليات معظم الأحيان كما توصم بوصمة عار بواسطة السياسات المعادية للمثليين: منها "المناطق الخالية من مجتمع الميم" في بولندا على سبيل المثال، أو الحظر الذي فرضته روسيا على "دعاية مجتمع الميم" وزواج مثليي الجنس. وبلغ الأمر ببكين مبلغ الإعلان منذ وقت قريب عن منع ظهور الرجال بمظهر "مخنث" على شاشات التلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي في إطار حملة هدفها تكريس "ثقافة الثورة" في الصين.

وعلى الرغم من كراهيتهم الفاضحة للنساء -وأحياناً بواسطتها- ينجح بعض الاستبداديين، والذين يطمحون أن يصبحوا استبداديين، في ضم النساء كلاعبات رئيسات في حركاتهم السياسية. وهم يبرزون وجود زوجاتهم وبناتهم في الإطار المنزلي، وأحياناً في مناصب رسمية من أجل التعتيم على سياسات لا تساوي بين الجنسين. وفي أغلب الأحيان، تؤدي النساء المحافظات اللاتي يثمن الأمومة بشكلها التقليدي، أدواراً مؤازرة لنجوم العرض من الرجال. وربما يكون أفضل الأمثلة على هذه الدينامية هو الحركات النسائية المتنافسة التي دعمت وعارضت الحملة الانتخابية الرئاسية التي قام بها جايير بولسونارو في عام 2018 في البرازيل. فنظمت معارضات بولسونارو إحدى كبرى التظاهرات التي قادتها نساء في تاريخ البلاد تحت شعار "ليس هو"، أوEle Não.  أما مناصراته، فقد تدثرن بالعلم البرازيلي وانتقدن النسوية باعتبارها "تحيزاً جنسياً".

 ولا يعد الاستبداد الأبوي الرجل رجلاً حقيقياً إلا إذا كان يسيطر على النساء في حياته. وهذا ما عزز سلطة ترمب الذكورية، حين سارت زوجته ميلانيا وراءه لصعود الطائرة الرئاسية، وما قوضها حين رفضت الظهور معه علناً. ومن جهتها، كانت سارة دوتيرتي كاربيو، رئيسة بلدية مدينة دافاو في الفيليبين، وابنة الرئيس رودريغو دوتيرتي، تتصدر السباق لكي تخلف أباها حين أعلن أن النساء "لسن أهلاً" لتولي منصب الرئاسة. وعلى الرغم من تولي النساء منصب الرئاسة في الدولة سابقاً وتصدر دوتيرتي كاربيو استطلاعات الرأي، ترشحت لمنصب نائب الرئيس بدلاً من الرئيس، من باب شعورها بالواجب.

تشكل النساء اللاتي يتمتعن بالحرية والنشاط السياسي خطراً على الزعماء الاستبداديين.

وفيما تحصر النساء بأدوار أنثوية تقليدياً، يقوم الزعماء الأبويون بإبراز سلطتهم عبر استعراض ذكوري لا موجب له. والنسخة المنتشرة لهذا التباهي العلني هي الصور التي يلتقطها بوتين عاري الصدر، ولكن التعبير العرضي عن كراهية النساء والصور المدروسة بعناية والخطاب المتبجح المغالي في الذكورية هي بعض أشكال هذا الاستعراض كذلك. فلتتذكروا ربطة عنق ترمب الحمراء الكبيرة أو مصافحته العدوانية، وزعمه بأن زر تفعيل السلاح النووي الذي يملكه أكبر من زر [أسلحة] كيم- أو دعوة بولسونارو البرازيليين لمواجهة "كوفيد-19" "كما فعل هذا الرجل". قد يبدو هذا الخطاب سخيفاً ولكنه جزء من ذخيرة خطابية أكثر خبثاً، يؤنث الخصوم ثم تعكس صورة ذكورة مفرطة عن طريق انتقاد مظهر النساء وإلقاء الدعابات حول الاغتصاب، والتهديد بممارسة العنف الجنسي، والسعي إلى السيطرة على جسد المرأة، وكل ذلك من أجل إسكات منتقدي الاستبداد الأبوي. 

وتقابل هذا الخطاب العنيف نزعة معاداة المرأة من خلال خطاب الرعاية الأبوية. وتقول كول في إحدى كتاباتها، "فيما سعى ترمب وبولسونارو ودوتيرتي لتصوير المرأة باعتبارها كائناً جنسياً أو شيئاً، وقدموا أنفسهم على صورة فحول مفترسين، روج (رئيس الحكومة الهندي ناريندرا) مودي وأردوغان لنفسيهما باعتبارهما الأب الحامي، وأحياناً حتى المتنازل… كي يضعا النساء والأقليات في المكان المخصص لهما فلا تتخطيانه… وهما معاديان للمرأة بشكل كبير وسافر في بعض الأحيان، ولكنهما يستخدمان أحياناً أخرى الحديث عن الجنسانية المتطور بغية تعزيز المخططات الجنسانية الرجعية".

وفيما ترتفع درجة احتمال كراهية النساء بشكل عام، تحدث تغييرات أخرى على الساحتين السياسية والقانونية: تراجع مستويات الحماية للناجيات من الاغتصاب والعنف الأسري، والتراخي في الأحكام الصادرة عقاباً على هذه الجرائم، والتشدد في الأدلة المطلوبة لاتهام مرتكبي هذه الجرائم، فيما تجد النساء أنفسهن مع أدوات أقل للدفاع عن استقلاليتهن الجسدية والسياسية. ومن الأمثال على ما تقدم، سن بوتين في عام 2017 تشريعاً ألغى تجريم بعض أشكال العنف الأسري، على الرغم من القلق من كون روسيا تواجه منذ مدة بعيدة آفة العنف الأسري. وأثناء حملته الانتخابية في عام 2016، اشتهر ترمب بتقليله من أهمية الفيديو المتداول له في ذلك الحين والذي يتفاخر فيه بالاعتداء الجنسي، إذ اعتبر أن كل ما ورد فيه ليس سوى "حديث داخلي بين رجال" على الرغم من اتهام عدة نساء له بالاعتداء الجنسي وإساءة التصرف.

وعندما تولى ترمب الرئاسة، أصدرت إدارته توجيهات لوزارة التربية والتعليم تقضي بتعديل قوانين التحرش الجنسي في الجامعات بحيث يحصل المتهمون بالاعتداءات الجنسية على حقوق أكثر في الحرم الجامعي.

وختاماً، يروج كثير من الزعماء الاستبداديين والمتشبهين بهم لسردية الرجل الضحية، وهي تهدف لإثارة القلق الشعبي من وضع الرجال والفتيان. ودائماً ما يصور الرجال على أنهم "يخسرون" أمام النساء والمجموعات الأخرى التي يناصرها التقدميون، على الرغم من كل الميزات التي لا يزالون يتمتعون بها في ظل التراتبية الجنسانية التي يهيمن عليها الذكور. ومن الأمثلة على ذلك، زعم وزارة العدل الروسية في عام 2019 بوجود مبالغة في التقارير في شأن العنف الأسري في البلاد، فيما يواجه الرجال الروس "تمييزاً" أكبر من النساء في ادعاءات الاعتداءات. وغالباً ما يصر من لديهم طموح استبدادي بأن الذكورية معرضة للخطر. وشاعت هذه المزاعم بين مناصري ترمب في الولايات المتحدة. فمثلاً، حمل السيناتور جوش هاولي، الجمهوري من ولاية ميزوري، أخيراً الحركات اليسارية مسؤولية إعادة تعريف الذكورية التقليدية باعتبارها سامة. ودعا إلى إعادة إحياء "الرجولة القوية والصحية في أميركا". وردد النائب ماديسون كاوثورن، عضو الحزب الجمهوري من كارولاينا الشمالية، آراء هاولي في خطاب انتشر كثيراً، تذمر فيه من سعي المجتمع الأميركي إلى "نزع الذكورة" من الرجال وتشجيع الأهالي على تربية "وحوش".

للصراع تتمة

ويهدد عمل النساء والأقليات الجنسانية الناشط، من حيث كونه محركاً للتقدم الديمقراطي الحقيقي، الزعماء الاستبداديين.  

ولا شك في أن كثيراً من الزعماء الاستبداديين، ومن يتشبهون بهم، يؤمنون بالمقولات المتحيزة جنسياً والمعادية للنساء التي يقولونها، تسعى حملاتهم لتقييد تمكين المرأة وحقوق الإنسان كذلك إلى تقويض ما يمكن أن يصبح حركات شعبية ديمقراطية قد تسقطهم.

وعلى الذين يرغبون في مكافحة موجة الاستبداد المتنامية أن يعززوا مشاركة المرأة السياسية، ويضعوا هذه النقطة في صلب عملهم، وفي الداخل، على الحكومات الديمقراطية ومناصريها أن يقدموا نموذجاً عن ممارسة الدمج المتساوي للنساء ويحموهن، ولا سيما بالنسبة إلى النساء من خلفيات متنوعة، في كل الأماكن التي تتخذ فيها القرارات- من الجماعات المحلية إلى مجالس إدارات الشركات والحكومات المحلية والوطنية وتلك على مستوى الولايات. وعلى الحكومات الديمقراطية أن تعطي الأولوية للقضايا التي تؤثر بشكل مباشر في قدرة النساء على تأدية دور متساوٍ في الحياة العامة، ومنها الاستقلالية الإنجابية والعنف الأسري والفرص الاقتصادية ومجال الحصول على الرعاية الصحية ورعاية الأطفال. فكل هذه القضايا حيوية ومهمة للغاية في المعركة الأوسع على مستقبل الديمقراطية في الولايات المتحدة وحول العالم، ويجب التعامل معها على هذا الأساس.

وعلى الحكومات الديمقراطية والمؤسسات الدولية أن تضع الدفاع عن تمكين المرأة وحقوق الإنسان في صلب صراعها لمكافحة الاستبداد حول العالم. ويجب شجب التهديدات والاعتداءات العنيفة المعادية للمرأة -سواء في المنزل أو الفضاء العام- واعتبارها هجوماً على النساء والديمقراطية. ويجب محاسبة مرتكبي هذه الاعتداءات، وضم "عام العمل" الذي تروج له إدارة بايدن من أجل تجديد وتعزيز الديمقراطية التزاماً صارماً بالدفاع عن المساواة بين الجنسين في الداخل والخارج. ويمكن أن تشهر الوكالة الأميركية للتنمية الدولية بوضوح، في إطار جهودها لدعم ناشطي حقوق الإنسان ومجموعات المجتمع المدني، ضرورة دمج قضايا تمكين المرأة ومشاركتها السياسية في جميع جهود التجديد الديمقراطي.

 لو استرشدنا بالتاريخ، لوجدنا أن الاستراتيجيات الاستبدادية ستفشل على المدى البعيد.

على المستوى العالمي، يجب تشكيل تحالف متعدد الجنسيات لرفض الديكتاتورية الأبوية بوضوح ومشاركة المعرفة والمهارات التقنية في الكفاح ضدها. والأقدر على تأسيس تحالف كهذا والحفاظ عليه هن القيادات النسائية على مستوى القاعدة الشعبية والمجتمع المدني، لأنهن الأكثر إدراكاً لأشد الحاجات في مجتمعاتهن. ويمكن أن يسهل انعقاد اجتماع قمة أو مؤتمر طموح من قبل مجموعة دول متعددة الجنسيات أو منظمة إقليمية أو دولية في إطلاق هذا الجهد عن طريق جمع النساء ومن يناصروهن من حول العالم مع بعضهم بعضاً، في سبيل تشارك التجارب والاستراتيجيات. ويمكن البدء بالخطو في الاتجاه الصحيح بزيادة دعم الاجتماع السنوي للجنة وضع المرأة التابعة للأمم المتحدة وإبرازه.

وأخيراً، يحتاج منظمو ومناصرو الحركات الجماهيرية الداعية للتغيير الديمقراطي إلى وضع جدول أعمال يراعي المنظور الجنساني من أجل استقطاب النساء إلى الصفوف الأمامية والأدوار القيادية. وعلى مناصري الديمقراطية في الداخل والخارج التركيز على تعزيز وحماية مجموعات وحركات المجتمع المدني التي تعمل على تحقيق المساواة بين الجنسين والحرص على إشراكها في أي مفاوضات أو مراحل انتقالية تتبع الانتفاضات الكبرى أو الحركات الديمقراطية. وعلى المجموعات والمنظمات المؤيدة للديمقراطية أن تعي أن الحركات الشاملة فعلياً -تلك التي تتخطى الطبقة الاجتماعية والعرق والجنس والهوية الجنسية- هي التي يرجح أن تحقق تغييراً دائماً.  

ولو استرشدنا بالتاريخ، لوجدنا أن الاستراتيجيات الاستبدادية تفشل على المدى البعيد. وقد نجحت النسويات في كل الأوقات في العثور على طرق للمطالبة بحقوق المرأة وحرياتها وتوسيعها، وتعزيز التقدم الديمقراطي في الأثناء، ولكن إن ظل الاستبداديون الأبويون بلا حسيب أو رقيب، فهم قادرون على إلحاق أضرار كبيرة على المدى القصير، وإلغاء المكاسب التي تحققت بشق الأنفس وتطلب تحقيقها أجيالاً طويلة. 

   

*تشغل إيريكا تشينويث كرسي فرانك ستانتون لتعليم التعديل الدستوري الأول في كلية كينيدي في جامعة هارفرد، وكرسي سوزان س. وكينيث ل. والاش في معهد رادكليف للدراسات المتقدمة في جامعة هارفرد.

*زوي ماركس محاضرة في السياسة العامة في كلية كينيدي بجامعة هارفرد وأستاذة منتسبة في مركز الدراسات الأفريقية بجامعة هارفرد

مترجم من فورين أفيرز، مارس (آذار)/ أبريل (نيسان) 2022

المزيد من تحلیل