Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

دلالات إقالة شيخ "المعاملات القذرة" من استخبارات الحرس الثوري

تحليلات كثيرة شغلت الأوساط السياسية والناشطين لمعرفة الخلفية التي أدت إلى قرار استبعاده

إقصاء طائب جاء بعد سلسلة طويلة من الفشل في عمل الجهاز الذي يرأسه (وكالة تسنيم الإيرانية)

قد يكون من النادر أن يحظى قرار يصدر عن النظام الإيراني ومؤسسته العسكرية والأمنية بهذا الكم من الارتياح والقبول، كالقرار الذي صدر بعزل المعمم حسين طائب من موقعه على رأس جهاز الاستخبارات التابع لقوات "حرس الثورة" الإسلامية. إذ لا يتردد العديد من المعنيين من سياسيين وناشطين إيرانيين، من مختلف الانتماءات من محافظين أو إصلاحيين أو معتدلين أو ليبراليين، في إبداء سعادتهم لهذا القرار الذي أزاح من الواجهة شخصية انتهازية لا تتورع عن القيام بأي عملية "مهما كان حجم القذارة فيها"، بحسب معارضيه، بخاصة وأنه كان في كل الأعمال التي يقوم بها يختبئ خلف أعلى موقع في النظام ويعبر عن سياساته أو إرادته في التعامل مع كل القوى الفاعلة على الساحة الإيرانية بغض النظر عن الاتجاه السياسي الذي تنتمي له.

تحليلات وتفسيرات كثيرة، شغلت الأوساط السياسية والناشطين الإيرانيين، في الداخل والخارج، لمعرفة الخلفية التي أدت إلى قرار استبعاده من رئاسة جهاز استخبارات حرس الثورة وتعيينه مستشاراً لقائد الحرس، وهل هذا الموقع بمثابة وضعه على الرف، أم تمهيداً لنقله إلى موقع آخر؟ 

فشل استخباراتي

إلا أن النقطة التي شكلت إجماعاً لدى جميع المتابعين، أن هذا الإقصاء لطائب، جاء بعد سلسلة طويلة من الفشل في عمل الجهاز الذي يرأسه بالتصدي لعمليات الاختراق الأمني التي قام بها جهاز الاستخبارات الإسرائيلية "الموساد" والاستخبارات الأميركية، وما أدت إليه من اغتيالات طالت شخصيات من الصف الأول، تبدأ بقائد "قوة القدس" قاسم سليماني وشملت أيضاً الشخصية الأهم في البرنامج النووي الجنرال محسن فخري زاده، وأكثر من 10 علماء نوويين، إضافة إلى عمليات استهداف المنشآت النووية في نظنز وكرج وطهران، وأيضاً عملية اغتيال العميد حسن صياد خدائي عضو "قوة القدس" ومسؤول جهاز عمليات الاغتيالات الخارجية، فضلاً عن فشل المخططات الأمنية لاستهداف قيادات وأفراد إسرائيليين في الخارج، بخاصة ما حدث في تركيا في الأسابيع الماضية. 

هذا الفشل المتلاحق في مهمة الحفاظ على أمن المؤسسات والشخصيات الأساسية، أعاد إلى الواجهة كلام وزير الأمن الأسبق علي يونسي الذي تحدث عن خروقات كبيرة في الأجهزة الأمنية، وأن أمن كبار المسؤولين في النظام مخترق بحيث باتوا في معرض التهديد الحقيقي. وكشف أن طائب حوّل الجهاز الأمني الذي من المفترض أن يكون حارساً وفاعلاً في التصدي لاختراقات الأجهزة المعادية، إلى جهاز لتصفية الحسابات الداخلية وضرب الشخصيات التي قد تشكل أو تطمح لتكون مؤثرة في مستقبل النظام من خارج الأطر التي حددتها الدولة العميقة. 
 


أسماء مستعارة

تبدأ قصة هذا المعمم الذي يحمل اسم "حسن"، بحسب السجلات الرسمية لدوائر النفوس الإيرانية، إلا أنه في بداية نشاطه السياسي والأمني في قوات حرس الثورة اختار اسم شقیقه "حسین" الذي سبق أن قتل في الحرب العراقية - الإيرانية لينشط ويعرف به بين الأوساط الأمنية والسياسية. وفي خطوة تكشف عن تركيبته النفسية والاجتماعية واستعداده لاستخدام جميع الوسائل من أجل الوصول إلى الهدف الذي يريده، انطلقت مسيرة الأسماء المستعارة انسجاماً مع المهمة التي يقوم بها، وعرف باسم حسن عبد اللهي في وزارة الاستخبارات، وكان يعرف عن نفسه بـ"الأخ ميثم" وتارة باسم "الأخ روحاني"، وقاد تحت هذه الأسماء أسوأ وأخطر الشبكات الأمنية التي لم تتورع عن التخلص من الخصوم أو الأشخاص المستهدفين بالقتل والاغتيال، طبقا للمعارضة الإيرانية، ما ساعده بأن كرس نفسه وموقعه ودوره داخل المعادلة الأمنية للنظام، ويتحول إلى أحد الأرقام الصعبة في منظومة السلطة وذراعها الضاربة في وجه الخصوم سواء من التيار المحافظ أو القوى الأخرى، وحتى في مواجهة مراكز القوى داخل النظام ومؤسساته السياسية والأمنية والاقتصادية والعسكرية. 

حسين طائب، المولود عام 1963 في طهران، وفي سن الـ19 عام 1982 التحق بتشكيلات حرس الثورة، وانتقل من تشكيلات طهران والتحق بتشكيلات مدينة قم، ثم انتقل إلى تشكيلات خراسان. وضع لنفسه هدفاً منذ بداية مسيرته داخل منظومة السلطة، بالوصول إلى مكتب المرشد الأعلى علي خامنئي، وفي هذه المرحلة قرر فيها طائب أن يرتدي الزي الديني، وأن يتخلى عن الالتحاق بجبهات القتال ضد العراق. لذلك لم يتردد من استغلال الفرصة التي سنحت أمامه عبر نجل المرشد مجتبى، الذي كان زميله في الدراسات الدينية في مدرسة "مجتهدي" في العاصمة طهران، وهي المدرسة المعروفة بأنها خرّجت العديد من قيادة الأجهزة الأمنية، بخاصة الحلقة المتهمة بعمليات الاغتيالات التي طالت عدداً من المثقفين والسياسيين في بداية رئاسة محمد خاتمي، مثل رسول كاتوزيان مدير عام الدعم الميداني لدائرة الأمن في وزارة الاستخبارات. وهي عمليات اغتيال حصلت عندما كان طائب يتولى مسؤولية دائرة أمن استخبارات حرس الثورة، وانتقل منها إلى موقع أكثر خطورة في وزارة الاستخبارات عندما تولى مسؤولية وحدة مكافحة التجسس عندما كان "علي فلاحيان" على رأس الوزارة في عهد الرئيس هاشمي رفسنجاني

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

استهداف رفسنجاني

وفي إطار سياسة مدروسة وذات أهداف استراتيجية، بدأت مع وصول خاتمي إلى رئاسة السلطة التنفيذية وتمكن التيار الإصلاحي من أن يسيطر على السلطة التشريعية، تقوم على تحميل رفسنجاني مسؤولية النكسة التي لحقت بالتيار المحافظ وتوجهات المرشد الأعلى برز اسم طائب في محاولة استهداف رفسنجاني من خلال توريط نجله "مهدي" في ملفات فساد وتعاون مع جهات خارجية، فقام طائب الذي كان يتولى حينها موقع مساعد وزير الاستخبارات بعملية خطف التاجر البريطاني من أصل إيراني عباس يزدان بناه يزدي من إمارة دبي ونقله إلى طهران والتحقيق معه وإجباره على الاعتراف بالتعاون مع "مهدي هاشمي" في أعمال ضد مصلحة النظام... إلا أن رد فعل رفسنجاني كان حاسماً، فأصدر قراراً بإقالته من منصبه وإخراجه من وزارة الاستخبارات، لينتقل بعدها إلى الحرس الثوري ويتولى منصب الدائرة الثقافية لقيادة الأركان ورئاسة الكلية الثقافية في جامعة الإمام الحسين التابعة للحرس. 

استهداف رفسنجاني، تحول إلى إحدى أهم مهمات "طائب" باعتباره خدمة للمرشد، والتخلص من مراكز القرار الشريكة أو الموازية لموقع القيادة. فعاد إلى فتح ملف نجل رفسنجاني بعد انتخابات عام 2009 الرئاسية والأحداث التي رافقتها المعروفة باسم "الثورة الخضراء" فوجه له اتهامات بالحصول على دعم مالي من جهات عربية لدعم الحملة الانتخابية لمير حسين موسوي، والسعي لإسقاط مرشح المرشد حينها محمود أحمدي نجاد. قاد عملية محاكمته وإصدار حكم بالسجن بحقه، في خطوة كانت بمثابة رد على قرار رفسنجاني بطرده من وزارة الاستخبارات. ثم أسهم بشكل مباشر وفاعل في تركيب التقرير الذي اعتمد عليه مجلس صيانة الدستور لإخراج رفسنجاني من السباق الرئاسي ولاحقاً من انتخابات مجلس خبراء القيادة، وكان طائب صريحاً في موقفه أمام أعضاء مجلس الصيانة عندما اعتبر استبعاد رفسنجاني مصلحة استراتيجية للنظام، لأن عودته إلى دائرة القرار ستعيق وتربك كثيراً من مخططات النظام المستقبلية وسيتحول رفسنجاني إلى حالة استقطاب شعبي لا يريدها النظام. 

الأزمة التي نتجت عن إصرار محمد خاتمي بفضح الجهات التي تقف وراء عمليات الاغتيال للسياسيين والمثقفين بداية رئاسته كشفت مسؤولية وزارة الاستخبارات ودائرة حسين طائب وسعيد إمامي "مساعد وزير الأمن حينها" في هذه الاغتيالات، فانتقل طائب إلى مكتب المرشد الأعلى للعمل بالقرب مع نجله مجتبى، ومن هناك بدأ العمل على تأسيس جهاز أمني يرتبط مباشرة بمكتب المرشد ولا علاقة له أو ارتباط بالوزارة المختصة أو حتى جهاز أمن حرس الثورة. وبالتالي بدأ العمل على تنفيذ سياسات المكتب من دون أن يكون مسؤولاً أمام أي جهة رقابة، وهذا ما عبر عنه محمود أحمدي نجاد عندما أشار لوجود أجهزة أمنية "فوق القانون" وتصدى لمساعي تعيين طائب كوزير للاستخبارات في حكومته. 

"مؤسسة الفدائيين"

عام 2000 وبموافقة من المرشد الأعلى قام طائب بتأسيس "مؤسسة الفدائيين"، لتكون الذراع القمعية لأي تحركات شعبية، بخاصة وأنها ضمت في صفوفها العناصر المعروفة بالتعامل العنيف مع المعترضين، ومن هذه المؤسسة انتقل عام 2005 وبدعم من مجتبى خامنئي لتولي رئاسة "قوات تعبئة المستضعفين" التي يشرف عليها حرس الثورة. من دون أن يتخلى عن طموحه بتولي وزارة الاستخبارات، بخاصة بعد نجاحه في قمع حركة الاحتجاجات في أحداث 2009. إلا أن بعد خسارته للموقع الوزاري حصل على ترضية من المرشد الأعلى بتعيينه في موقع رئيس دائرة الاستخبارات في حرس الثورة، وهو منصب لا يمكن أن يصل إليه أي شخص من دون موافقة وتزكية المرشد الأعلى، لأن تعيين القيادات العسكرية العليا والمواقع الحساسة في الأجهزة الأمنية تقع في دائرة صلاحيات المرشد الأعلى بوصفه القائد الأعلى للقوات المسلحة، وهذا الأمر يبدو واضحاً في حفل تسليمه مهامه في هذه الإدارة، عندما أشار قائد الحرس إلى "تعيين" طائب، أي أن الأمر والقرار جاء من خارج المؤسسة وليس كاختيار الذي يكون نتيجة مسار إداري خاص بالمؤسسة. وبذلك استطاع "طائب" تأسيس وزارة استخبارات موازية كبديل عن وزارة الاستخبارات الرسمية التابعة للحكومة. 

ومن موقعه في استخبارات الحرس، استطاع "طائب" مد نفوذه إلى وزارة الاستخبارات، وحولها إلى جهاز يخدم الأهداف والسياسيات التي يريدها أو ينفذها، وحوّل، بالتعاون مع السلطة القضائية برئاسة صادق لاريجاني ولاحقاً إبراهيم رئيس، سجون العاصمة إلى معتقلات احتوت بين جدرانها المفكرين ومنتقدي النظام والمعارضين والناشطين في مجالات حقوق الإنسان والمجتمع، وتضييق الفضاء السياسي. وقد نفذ سياسة محاصرة الرئيس حسن روحاني في قضية الناشطين في مجال البيئة واعتقال عدد منهم ومن بينهم مزدوجي الجنسية، ثم فبرك ملفات فساد ضد حسين فريدون شقيق روحاني وزج به في السجن، بعد أن استخدم ضده تسجيلات التنصت على مكتب رئاسة الجمهورية. 

المزيد من تقارير