Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

وليام بيرنز... مبعوث بايدن للمهمات المستحيلة

يجول رئيس جهاز الاستخبارات العالم من كابول إلى موسكو بينما تكافح الإدارة الأميركية لإنقاذ سياستها الخارجية

يسير بيرنز نحو كسر رقم قياسي على صعيد عدد رحلاته للخارج متسلحاً بعقود من الخبرة الدبلوماسية (أ ف ب)

لا تبدو تحركات ويليام بيرنز الذي عينه الرئيس جو بايدن العام 2021 رئيساً لجهاز الاستخبارات الأميركية تقليدية بحتة بالنسبة إلى رجل يقود جهازاً سرياً يعمل في الخفاء، بل تكشف عن دور استثنائي يضطلع به السيد بيرنز في سياسة بايدن الخارجية، التي يجد الرئيس صعوبة بالغة في إبقاء أولوياتها حية، فما بين تأزم علاقة أميركا مع الخليج، وصعود "طالبان" لإقامة إمارتها في أفغانستان، إضافة إلى احتدام الصراع مع روسيا بوتين التي كشرت عن أنيابها في وجه جارتها الصغيرة، برز نجم الدبلوماسي المخضرم كرجل واشنطن للمهمات الصعبة، الذي لا يتوانى عن عقد الزيارات السرية في عواصم الخليج الممتعضة من عودة بايدن للاتفاق النووي، ويتحدث عبر خط آمن مع الرئيس فلاديمير بوتين، كما لا يجد إشكالاً في الاجتماع مع قادة "طالبان".

دبلوماسية الاستخبارات

السفر حول العالم مهمة أساس لرئيس الاستخبارات الذي غالباً ما يزور القواعد العسكرية النائية ومحطات الوكالة خارج البلاد ويلتقي نظراءه الأجانب، إلا أن هذه المهمات التقليدية تتعارض إلى حد ما مع جهود بيرنز التي يغلب عليها الطابع الدبلوماسي كطبيعة خبراته السابقة، ومع ذلك فإن تحركات الأخير كرئيس للاستخبارات ليست جديدة على الإطلاق بالنسبة إلى مواطنيه السابقين في هذا المنصب، فمايك بومبيو مثلاً إبان رئاسته للـ "سي آي إيه"، أجرى زيارة سرية إلى كوريا الشمالية للتمهيد للمحادثات التاريخية المباشرة بين الرئيس السابق دونالد ترمب والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، كما لعب رئيس الاستخبارات في عهد بيل كلينتون، جورج تينيت، دوراً كبيراً في مساعي إدارته إلى إحلال السلام بين إسرائيل والفلسطينيين.

لكن بيرنز البالغ من العمر 66 سنة يسير نحو كسر رقم قياسي على صعيد عدد رحلاته الخارجية، وفق صحيفة "وول ستريت جورنال" التي نقلت عن متحدثة باسم وكالة الاستخبارات المركزية أنه أجرى 16 زيارة خارجية منذ توليه المنصب في مارس (آذار) 2021، وزار خلالها بحسب تقارير أميركية وأجنبية أوروبا وجنوب آسيا والشرق الأوسط، إضافة إلى كوريا الجنوبية وأفريقيا وأميركا اللاتينية.

وفي المقابل أجرى تينيت خلال فترته التي امتدت سبع سنوات على رأس الجهاز السري ما يقرب من 30 رحلة خارجية، وبخلاف أسلافه في المنصب الحالي، يتسلح بيرنز بعقود من الخبرة الدبلوماسية، إذ خدم 33 عاماً في وزارة الخارجية تدرج خلالها في مناصبها حتى أصبح نائباً للوزير، وعرف بمشاركته في قيادة فريق التفاوض الأميركي الذي انخرط في مفاوضات سرية أدت إلى الاتفاق النووي مع إيران، أو ما يعرف بخطة العمل الشاملة المشتركة التي انتهى العمل بها بعد انسحاب إدارة ترمب منها عام 2018.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويمثل بيرنز ثقلاً إضافياً لفريق الأمن القومي بالبيت الأبيض، بينما ينسق مع وزير الخارجية أنتوني بلينكن وغيره من مساعدي الرئيس الأميركي في إدارة ملفات سياسية عدة، إلا أن الحكم على تأثير المحادثات التي يجريها رئيس الاستخبارات الحالي والتي تنطوي على مشاركة معلومات استخباراتية حساسة متعلقة بتحديات أمنية كبرى، يمكن أن يكون صعباً لمن هم خارج الإدارة، وتذكر "وول ستريت جورنال" نقلاً عن مسؤول كبير في الإدارة الأميركية بأنه "مقارنة مع مفاوضات بلينكن في الخارج فإن النتائج أكثر غموضاً".

وعلى الرغم من أن الجهود الدبلوماسية التي يقودها وزياراته الخارجية كثيرة، إلا أنها أثارت تكهنات حول ما إذا كان يأمل بأن يصبح وزيراً للخارجية، فإن مسؤولين حاليين وسابقين يصفون علاقته مع بلينكن بأنها جيدة، كونهما عملاً معاً لسنوات. وكشفت الصحيفة الأميركية، وفقاً لمصادرها، عن أن المسؤولين يتحدثان عبر الهاتف مرة واحدة أسبوعياً، وتحظى مهمات بيرنز بدعم كامل من وزير الخارجية.

 التواصل مع روسيا

عمل بيرنز سفيراً لبلاده لدى موسكو من العام 2005 وحتى 2008، إلا أنه في الفترة الماضية اضطلع بدور لا يقل أهمية، تمثل في التواصل مع الكرملين لمنع اندلاع الحرب في أوكرانيا، إذ سافر رئيس وكالة الاستخبارات الأميركية في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي بتكليف من الرئيس بايدن إلى موسكو، وتحدث عبر خط اتصال آمن مع الرئيس فلاديمير بوتين في محاولة فاشلة لثنيه عن شن الحرب، وواصل مذاك الحين التواصل مع بعض من كبار مستشاري بوتين.

وعن دور بيرنز الدبلوماسي يقول المسؤول السابق في وكالة الاستخبارات ووزارة الخارجية مارك لينيس إنه "يشعر بوجود تفاهم من قبل الطرفين"، مشيراً إلى أن بيرنز قادر على تولي مهمات عدة، وأن إدارة بايدن ترى في النهج الحالي الطريقة المثلي للاستفادة من خبرته.

أما رئيس لجنة الاستخبارات بمجلس النواب الأميركي آدم شيف فيصف أسلوب المسؤول الاستخباراتي قائلاً إنه "يراعي ويحترم الخطوط الفاصلة بين السياسة والاستخبارات، ويقدم منظوراً فريداً لشخص لديه تجربة طويلة في التعامل مع قادة عالميين ومن بينهم فلاديمير بوتين".

وتصف مجلة "بوليتيكو" ثقل بيرنز ومعرفته بروسيا قائلة إن "نصف سكان العاصمة واشنطن يعكفون هذا الأيام على تحليل كل كلمة يتحدث بها بوتين، وكل فعل يقوم به"، لكن عندما يتحدث رئيس وكالة الاستخبارات ويليام بيرنز عن الزعيم الروسي فإن "كلماته تحمل وزناً غير عادي".

وبوتين في نظر بيرنز، الذي تابع صعوده عن كثب لسنوات، مثال على "مزيج خاص من الصفات الروسية"، وهو كما يصفه "رسول الثأر"، وبالتالي يستبعد تخليه عن استراتيجيته الحالية تجاه أوكرانيا قائلاً، "أعتقد أنه في حال ذهنية لا يعتقد خلالها أنه قادر على تحمل الخسارة".

ويقول سفير الولايات المتحدة السابق لدى أوكرانيا ويليام تايلور، والذي عرف رئيس وكالة الاستخبارات منذ فترة طويلة، إن بيرنز "ناضج جداً وصاحب خبرة كبيرة ومتحفظ وحكيم جداً في حديثه".

وأضاف، "لكل هذه الأسباب، إضافة إلى تجربته مع بوتين، نصغي إليه".

ترميم العلاقات مع الخليج

وسط توتر العلاقات بين واشنطن وبعض الدول الخليجية، برز بيرنز بزياراته السرية إلى الشرق الأوسط في أبريل (نيسان) الماضي التي شملت السعودية والإمارات وعمان، وقالت تقارير صحافية إن رئيس وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية التقى خلال زيارته إلى السعودية ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، في وقت تسعى فيه إدارة بايدن إلى إصلاح العلاقات مع الرياض.

وفي حين ظلت تفاصيل ما ناقشه بيرنز مع ولي العهد السعودي غير معلنة، إلا أن المصادر التي نقلت عنها صحيفة "وول ستريت جورنال" رجحت أن تكون شملت التوتر بين الولايات المتحدة والسعودية والملف النفطي والحرب بين روسيا وأوكرانيا والاتفاق النووي الإيراني والحرب في اليمن.

وقال مسؤولون من الحكومتين نقلت عنهم الصحيفة، إن الخلافات السياسية بين الولايات المتحدة والسعودية تعمقت منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، إذ تبدي واشنطن قلقها من ميل محتمل للرياض صوب التعاون بشكل أوثق مع الصين وروسيا، أو في الأقل للبقاء محايدة في شأن القضايا ذات الأهمية الحيوية للغرب، كما فعلت مع أوكرانيا.

وعندما زار بيرنز الإمارات العربية المتحدة في مايو (أيار) الماضي مع وفد أميركي رفيع المستوى للتعزية في وفاة رئيسها الشيخ خليفة بن زايد، كانت تلك زيارته الثالثة للدولة الخليجية، وهو ما يعكس دور المسؤول الأميركي في استراتيجية الأمن القومي الأميركية التي تصوغ إدارة بايدن أولوياتها.

ويقول مسؤولون أميركيون حاليون وسابقون إن بيرنز كسب خلال سنة ونصف السنة من ولاية الرئيس بايدن مكاناً فريداً في فريق الأخير، وأصبح بمثابة المبعوث الخاص لحل المشكلات المعقدة.

لقاء "طالبان" وسقوط كابول

يحظى الرئيس الحالي للاستخبارات الأميركية في واشنطن بثناء المشرعين من كلا الحزبين، ومع ذلك فإن الانسحاب الكارثي من أفغانستان في أغسطس (آب) الماضي وصعود "طالبان" إلى الحكم آثارا تساؤلات كثيرة حول ما إذا كانت الاستخبارات الأميركية تباطأت وفشلت في تقويم الوضع بدقة، وأظهرت المعلومات الاستخباراتية التي توافرت لإدارة بايدن أن ثمة "سيناريوهات متعددة ممكنة"، بما فيها استيلاء "طالبان" السريع على السلطة على مدى أسابيع أو أشهر أو سنوات، إلا أن ما لم يكن متوقعاً هو سقوطها خلال بضعة أيام.

وفي أغسطس الماضي أجرى بيرنز زيارة سرية إلى كابول للتفاوض مع قادة حركة "طالبان" في أعقاب استيلائها على العاصمة الأفغانية، ورجحت صحيفة "واشنطن بوست" التي انفردت بالخبر وقتها، أن تكون المحادثات في هذا اللقاء المباشر والأول من نوعه بين مسؤول رفيع المستوى من إدارة الرئيس جو بايدن وقادة "طالبان" قد ناقشت الموعد النهائي لإجلاء القوات الأميركية من أفغانستان في الـ 31 من أغسطس.

وكشفت الصحيفة أن بيرنز التقى خلال زيارته غير المعلنة زعيم "طالبان" عبدالغني بارادار، في حين قال متحدث باسم الحركة إنه لا يعلم ما إذا كان بارادار قد التقى رئيس وكالة الاستخبارات، ورفض البيت الأبيض ومتحدث باسم الوكالة التعليق على الاجتماع.

وكانت إدارة بايدن على اتصال منتظم مع مسؤولي "طالبان" طوال عمليات الإجلاء، سواء على الأرض أو في العاصمة القطرية الدوحة، لكن لقاء بيرنز كان أعلى تبادل مباشر لوجهات النظر حتى الآن.

وأكد وجهة النظر داخل الإدارة بأنها بحاجة إلى فهم أوضح لموقف "طالبان" في عدد من القضايا مع اقتراب الموعد النهائي للانسحاب في الـ 31 من أغسطس.

المزيد من تقارير