Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

نجيب الريحاني المبدع الكبير الذي رحل في عز نجاحه المسرحي والسينمائي

مصري من العراق استعار من الثقافة الفرنسية فأضحك ملايين العرب وأبكاهم

مشهد من فيلم "غزل البنات" (1949) (موقع الفيلم)

بالنسبة إلى متفرجي السينما العربية الكلاسيكية ومنها بخاصة أفلام "الأبيض والأسود" التي تستعاد كثيراً على شاشات التلفزة منذ بداية هذه الشاشات، هو خاصة "الأستاذ حمام" مدرّس ليلى مراد في فيلم "غزل البنات" الذي يحبها بصمت ويرافقها في كل نزواتها وخوفه خوفان: خوف من أن يفقدها، وخوفه من أن يفقد "الماهية" التي يدفعها له أبوها مقابل تدريسها. وهو بالنسبة إلى الأكثر معرفة بالسينما الكوميدية المصرية العريقة، "سلامة" و"ياقوت" في فيلمين كبيرين من أفلامه، لعلهما الفيلمان اللذان لا يزالان، إلى جانب "غزل البنات" الأبقى والأجمل بين تراثه الفني العريق. ولكن في الحقيقة لا تمثل هذه الأفلام سوى جزء يسير من تراث نجيب الريحاني الذي لن يمكن إحصاء مشاركاته السينمائية، ممثلاً وكاتباً ومخرجاً ناهيك عن العشرات من أعماله المسرحية التي أنتجها كاتباً ومترجماً، عن الفرنسية التي كان يتقنها تماماً. لقد كان نجيب الريحاني حالة فنية متكاملة في عالم الكوميديا المسرحية ثم السينمائية. فهل قلنا كوميديا؟

بين حدين أقصيين

ليس هذا التوصيف دقيقاً. والملايين الذين شاهدوا "سلامة في خير" (1937) من إخراج نيازي مصطفى يعرفون هذا على رغم أن الفيلم يوصف عادة بأنه "أول كوميديا اجتماعية في تاريخ السينما المصرية". ويعرف هذا محبو فيلمه "ياقوت" (1934) من إخراج الفرنسي روزييه، في اقتباس عن الفرنسي الآخر مارسيل بانيول؛ ثم خاصة محبو "غزل البنات" (1949) من إخراج أنور وجدي، هؤلاء الملايين يعرفون أنه إذا كان لكلمة "ترجيكوميديا" من معنى فإنه ينطبق على تلك الأفلام التي غالباً ما كتبها الريحاني أو شارك بديع خيري في كتابتها على الأقل. ففي نهاية الأمر كان نجيب الريحاني المشرّب بالثقافة المسرحية الفرنسية، متأرجحاً دائماً بين أقصى درجات الدراما المدرة للدموع وأعلى درجات الكوميديا الباعثة على الضحك. بكلمات أخرى كان نجيب الريحاني فناناً شاملاً في كل "المهن السينمائية والمسرحية" التي خاض فيها وكان النجاح حليفه على الدوام وبخاصة من منطلق ثقافته الكبيرة التي تضافرت مع موهبته لتجعل منه أسطورة فنية حقيقية جاعلة من كل الكوميديين الكبار مسرحيين وسينمائيين، ومن كل كتاب الكوميديا المرموقين مكملين لمسيرته سواء اعترفوا بذلك أو لم يعترفوا. والحقيقة أن الريحاني لو كان يعمل ويعيش بيننا اليوم لما كانت له تلك المكانة فهو ولد وعاش وعمل في زمن كان الفن لا يزال فيه عملاً يقرب من التبجيل كما من الابتذال، في وقت كان اتخاذ المرء قراراً بأن يكون فناناً، نوعاً من الانتحار. لكنه كان "انتحاراً لذيذاً"، بحسب توصيف الريحاني نفسه ذات يوم. ومن هنا كان انتماء امرئ ما إلى عالم الفن يضعه في خانة المهمشين من أبناء الأقليات عادة. ونعرف أن نجيب الريحاني كان من أبناء الأقليات القاطنة في مصر والتي يقتضي منا الإنصاف أن نستعيد دائماً دورها في بناء الثقافة المصرية خلال عصر مصر الليبرالي على الأقل. وكان الريحاني يعتبر من "الشوام" غير أن هذا لم يكن دقيقاً.

عراقي في مصر

فعلى عكس ما يعتقد الكثيرون، لم يكن نجيب الريحاني لبناني الأصل ولا شاميّه، بل كان عراقياً، وعلى الأقل من ناحية أبيه، أما أمه فكانت مصرية. وهو ولد في القاهرة وأمضى طفولته في حي باب الشعرية حيث كان أبوه يمتلك مصنعاً للجبس. وقد التحق الريحاني باكراً بمدرسة "الفرير" حيث درس العربية والفرنسية، وبدأت تظهر له ميول أدبية وبدأ يشارك في المسرحيات المدرسية وراحت آماله تتفتح على العمل المسرحي. وعند وفاة أبيه التحق الريحاني كاتباً بالبنك الزراعي حيث تعرف إلى عزيز عيد - وكان من كبار المسرحيين المصريين يعيش بداياته في ذلك الحين - فأصّل لديه عيد حب المسرح وتمكن الإثنان من الحصول على وظيفتي كومبارس بدار الأوبرا. وبعد ذلك بسنوات حين أسس عزيز عيد فرقته المسرحية الأولى كان من الطبيعي أن ينضم إليه الريحاني، واتجه الإثنان ناحية فن الكوميديا، حيث كان عزيز عيد يترجم مسرحيات جورج فيدو، أو تمصيرها، وتقدمها الفرقة. وهكذا بدأت رحلة نجيب الريحابي الذي وجد نفسه بعد فترة يترك عمله في البنك وينصرف إلى التمثيل كلياً. وهو، على رغم أوضاعه المالية التي كانت سيئة في أغلب الأحيان، تمكن عام 1918 من تأسيس فرقة خاصة به، تحولت بسرعة لتصبح واحدة من أشهر الفرق المسرحية الكوميدية في مصر، وفي العالم العربي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من الترجمة إلى التمصير

ولقد تمكن نجيب الريحاني، بفضل نجاحه، من أن يتخلى جزئياً عن الاعتماد على تمصير وترجمة المسرحيات الفرنسية ليعتمد أكثر وأكثر على مسرحيات اجتماعية انتقادية هزلية راح يكتبها له بديع خيري الذي لن يتركه بعد ذلك أبداً، حيث ارتبط الاسمان في واحدة من أكثر المغامرات المسرحية المصرية نجاحاً خلال سنوات الثلاثين والأربعين. غير أن ذلك الاعتماد على التأليف المحلي لم يمنع الريحاني من أن يعجب على الدوام بشخصية "توباز" التي رسمها قلم الفرنسي مارسيل بانيول، فراح ينوع عليها حتى في أكثر المسرحيات التي كتبها بديع خيري، مصريّةً، وكذلك في الشخصيات السينمائية العديدة التي لعبها، والتي انطلقت في معظمها من صورة الشخص كبير القلب، الخائب والكريم في الوقت نفسه، والمضطهد الذي يعرف كيف يحافظ على نقاء روحه على رغم التجارب المريرة التي يقاسيها، كما جاء عن الريحاني في نبذة في كتاب صدر عن السينما الفرنسية في باريس قبل عقود من الآن.

من الخشبة إلى الشاشة

كانت شخصية كشكش بيه التي كانت حققت نجاحاً كبيراً في المسرح، أول شخصية يلعبها الريحاني على الشاشة، في فيلم أخرجه إسطفان روستي، وبعد ذلك كان فيلم "ياقوت" الذي اقتبس مباشرة عن "توباز" مارسيل بانيول (1934). غير أن الدور السينمائي الأساسي الذي لعبه نجيب الريحاني وأوصل شهرته إلى ذروتها كان دوره في فيلم نيازي مصطفى "سلامة في خير" (1937) الذي لا يزال حتى اليوم يعتبر واحداً من أجمل أفلام الكوميديا المصرية، ولقد اتبع الريحاني دوره ذاك بخمسة أدوار نالت حظوة كبيرة لدى المتفرجين في أفلام حققها نيازي مصطفى وولي الدين سامح وأنور وجدي. وبالتوازي مع ذلك واصل الريحاني نجاحاته المسرحية الكبيرة التي قادته إلى العديد من المدن العربية وجعلته في زمنه واحداً من أشهر الممثلين والفنانين على الإطلاق، وكان من الحيوية والحضور بحيث أن الكثيرين لم يصدقوا أنه مات حقاً بذلك الشكل المفاجئ، في ربيع 1949 في زمن كان عليه فيه أن يقطف ثمار نجاحه وجهوده الفنية الكبيرة.

رحيل مبكر

من ناحية مبدئية، هذا كل ما بقي من نجيب الريحاني في نظر الأجيال الجديدة، أما الأجيال الأقدم بعض الشيء فإنه بالنسبة إليها "كشكش بيه" وليس أكثر. لكن نجيب الريحاني كان أكثر من هذا بكثير. كان واحداً من أكبر فناني المسرح والسينما الذين عرفتهم الحياة الفنية المصرية والعربية خلال النصف الأول من القرن العشرين. كان فناناً من طينة جورج أبيض ويوسف وهبه، على رغم أن هذين اتجها ناحية المسرح الكلاسيكي والتمثيل المفخّم - الموجه للنخبة غالباً - فيما اختار هو أن يتجه ناحية الفن الشعبي والكوميديا، والتمثيل التعبيري سواء أكان ذلك في الأفلام السينمائية أم في المسرح الذي أبدع فيه طويلاً. وحين رحل نجيب الريحاني عن عالمنا عام 1949 كان يعيش في قمة مجده، وكان الدور الأخير الذي لعبه في فيلم "غزل البنات" من إخراج أنور وجدي قد أثبت قدراته التمثيلية الكبيرة، حيث عرف كيف يبكي الناس ويضحكهم في الوقت نفسه، وكان يمكن لذلك الدور أن يكون فاتحة مرحلة جديدة من حياته، لكن القدر لم يمهله فمات، وهو لم يتجاوز بعد الثانية والستين من عمره، وفي قمة عطائه.

المزيد من ثقافة