"درس قاسي" مسرحية التمرين النفسي على التعذيب الكهربائي

نص روسي في ترجمة واخراج سوريين

لقطة من مسرحية "درس قاسي" السورية (اندبندنت عربية)

أربعة أشهر من البروفات القاسية والمستمرة خاضها المخرج سمير عثمان الباش مع أربعة من ممثليه، وصولاً إلى النسخة النهائية من عرض "درس قاسي" (مدرسة الفن المسرحي جرمانا)، المسرحية التي قام الباش بإعدادها عن نص بالعنوان نفسه للكاتب الروسي المعاصر فالنتين كراسنوغوروف؛ يأخذنا فيها الفنان السوري إلى لعبة شيقة وخطيرة، قوامها تجربة نفسية يقوم بها "د.إبراهيم- أوس وفائي" الأستاذ في علم النفس مع كل من الطالب "يزن- كرم حنون" والطالبة "لورا- توليب حمودة" وذلك بمساندة مساعدته "أليسا- فرح الدبيات"، والتي يعرّفها "الدكتور" في البداية على أنها تحمل شهادة في الماجستير في علم النفس الاجتماعي، وستخضع مقابل مبلغ من المال للتعذيب على كرسي كهربائي، وذلك لاختبار استعداد الأفراد وقابليتهم للحفظ والتعلم بسرعة تحت ضغط الخوف من العقاب الجسدي، وصولاً إلى نتائج علمية ودروس مستفادة من هذه التجربة، والتي سنعلم من خلال مجريات العرض أن إدارة الجامعة غير موافقة على إجرائها. لكن إصرار الأستاذ الجامعي على تنفيذها، والمغريات المالية والمعنوية التي يقدّمها لطلابه ومساعدته، سوف تجعلهم يذعنون لرغبته الجامحة في خوض تجربته، والتي يقول إنها ستعود بالخير على الوطن والمجتمع والإنسانية، وتوقف نتائجها حفلات ضرب وتعذيب يتعرض لها أطفال صغار في المدارس السورية، وبلدان العالم الثالث.

لكن هذا كله يتكشّف دفعةً واحدة مع الشروع في خطوات البحث العلمي، ولاسيما مع زيادة درجات الصعق بالكهرباء التي ستتعرض له مساعدة "الدكتور"، مع كل خطأ ترتكبه في حفظ – واستظهار - مقاطع مغيبّة من مسرحية "تاجر البندقية" لوليم شكسبير. في البداية سوف تنهار "الطالبة لورا" التي قبلت بخوض التجربة تحت الترغيب بحصولها على علامات عالية والتقرب من أستاذها التي تبدو مغرمةً به، إلا أنها تتوقف عن متابعة التجربة، والضغط على زر كرسي التعذيب الموثوقة إليه مساعدة الأستاذ، فيما نرى أداءً مختلفاً وأشد صرامة ووحشية للطالب "يزن" الذي يتابع التجربة مع "إليسا"، ضاغطاً على زر الكرسي الكهربائي مع كل خطأ ترتكبه مساعدة الأستاذ في استذكار العبارات التي يمليها عليها من مسرحية الكاتب الإنكليزي، لتخلص إلى أن ترجوه بالتوقف عن متابعة التجربة، وأنها تكاد تفقد وعيها من شدة الصدمات التي تتلقاها، وأنها تقريباً فقدت التركيز، وغير قادرة على متابعة المهمة التي نذرت نفسها من أجلها، لكن "يزن" يصر تحت ضغط أوامر أستاذه وعصبية حب المعرفة أن يتابع التجربة، متجرّداً من عواطفه، ضاغطاً على زر الكهرباء الموصول إلى يدي الفتاة وقدميها، والتي في النهاية سوف نراها تفقد وعيها وتموت تحت التعذيب!

لكنّ "الدرس القاسي" لا ينتهي هنا، فمع وصول درجات الصعق الكهربائية إلى ما يفوق "300 فولت"، تتوضح خيوط كثيرة في العرض الذي يحبس الأنفاس، لنكتشف مع اقتحام الطالبة "لورا" المختبر، ومحاولة اتصالها بالشرطة كي تبلّغ عن وقوع جريمة في مختبر أستاذها، ومع تبادل الاتهامات بين هذا الأخير وطالبه عن مسؤولية موت مساعدته الشابة، نعرف أن هذه الأخيرة ما هي سوى ممثلة مسرحية محترفة، وأنها لم تمت، ولا يوجد أصلاً كهرباء موصولة إلى كرسي التعذيب، فكل هذا كان مجرد تمثيلية لقياس إلى أي مدى يمكن أن يتمادى إنسان في إيقاع الأذى بإنسانٍ آخر؛ لمجرد أنه يتلقى الأوامر بذلك من سلطة يحترمها، وهي في العرض ممثلةً بشخصية "الدكتور إبراهيم"!

الغريب في الأمر هو هذا التطابق شبه التام بين نص "كراسنوغوروف" الروسي، وبين محاضرة الدكتور "ر.د. لينغ" المنشورة بالإنكليزية بعنوان "الواضح" في كتاب "ديالكتيك التحرر" ويشرح "لينغ" التجربة التي قام بها الدكتور "ستانلي ملغرام" في جامعة بِل الأمريكية، وهي ذاتها التجربة التي قدّمها فيلم "أنا المقصود بإيكاروس- " الفيلم الذي تم إنتاجه عام 1979 بتوقيع مخرجه هنري فرنويل، وحاز فيه النجم الشهير إيف مونتان على جائزة سيزر العالمية عن دور البطولة فيه.   وسواء في النسخة السورية من نص المؤلف الروسي الذي كتب مسرحيته في أواسط تسعينيات القرن الفائت، متأثراً بالمسألة الشيشانية، والحرب التي شهدتها البلاد آنذاك، والتي سقط بسببها آلاف الضحايا وتشرد عشرات الآلاف، أو حتى في نص الفيلم المأخوذ عن تجربة جرت في جامعة بل الأمريكية، وصارت فيلماً من أيقونات السينما العالمية، نجد أنفسنا أمام فحوى واحدة للعرض والفيلم والمحاضرة، حيث تمخضت التجربة في الجامعة الأميركية أن 60 في المئة من سكان الولايات المتحدة الأميركية يصلون إلى أقصى الحدود المفترضة وهي القتل، طالما أن هناك سلطة يحترمونها أو يخافونها، وهي التي توجه إليهم الأوامر، من ثم تتحمل المسؤولية القانونية والأخلاقية، حيث يعلّق الدكتور في العرض، كما يعلّق بطل الفيلم على هذا بالقول: "إذاً فإن ثلثي السكان في مجتمعنا المتحضر الذي يدّعي الديموقراطية؛ مستعدون لتنفيذ أي أمر مهما كان شنيعاً"!

نماذج واختبارات

في الشريط السينمائي، ومثله في العرض، يشير "الدكتور إبراهيم" إلى أنه كل النماذج التي أُجريت عليهم هذه الاختبارات تفعل الطاعة فيهم فعل المخدِّر، وعند سؤال أحد اولئك النماذج الذين خضعوا لهذا الاختبار النفسي، ما إذا كان يجوز أو لا يجوز إيقاع الأذى بالطرف الآخر، يجيبون بأن هذا الأمر لا يتعلق بنا نحن من أطعنا الأوامر، بل هي متعلقة بالهيئة التي صدرت عنها هذه الأوامر! فالطيار الذي يتلقى أمراً بقصف مدينة يتواجد فيها مدنيون من أطفال ونساء وكبار السن، لا يسأل إذا كان عمله هذا سيئاً أم جيداً، فهذا ليس من شأنه، إذ عليه أن ينفّذ الأوامر، وكذلك من يزرعون العبوات الناسفة في الأسواق، وعند أبواب مدارس الأطفال، أو من يفجّرون أنفسهم بالأبرياء في المسارح ومحطات المترو، يجيبون بالطريقة ذاتها.

مسألة يطرحها العرض، متسائلاً كما في الفيلم تماماً، ولا نعرف هنا مدى إعجاب الكاتب الروسي كراسنوغوروف به، وماذا يفسر هذا التطابق بين ما كتبه في مسرحيته وبين الشريط السينمائي المذكور؟ على كل حال كان من الأهمية بمكان استعارة هذا النص ليكون موضوعاً لمسرحية سورية، لاسيما أن مقدار العنف الذي شهدته البلاد على مدى أكثر من ثماني سنوات ونيف من الحرب؛ سوف يبرر خيار مُعِد العرض ومخرجه ، ويأخذنا إلى تجربة فنية خاصة في تناول زاوية نظر جديدة ومختلفة إلى طبيعة الحدث السوري، ومآلات هذا الحدث على خشبة استثنائية تحيلنا إلى أن الطاعة، سواء كانت منزلية، أو مدرسية، أو أمنية، أو سياسية، أو دينية؛ هي المسؤول الأول والأخير عن كل تلك الأهوال التي يرتكبها الفرد.

العرض الذي أنتج بمنحة من "مؤسسة اتجاهات ثقافة مستقلة" و"معهد غوته" يضعنا أمام مسرح القسوة، ويعيدنا إلى مستويات عديدة في قراءة الجهد الجماعي المبذول، سواء في الديكور (صممه محمود الداود) والذي عكس واقع المخابر السورية، وما طاولها من إهمال وتداع في أبنيتها ومعاملها العلمية في سنوات الحرب، أو حتى عبر هذا الاقتصاد المتعمد في الموسيقى، والتي استخدم فيها الباش تسجيلات نادرة لحركة كوكب الأرض قامت وكالة ناسا بالتقاطها في الفضاء الخارجي، إضافةً لأصوات قامت وكالة الفضاء الأميركية بتسجيلها تحت ما يقارب 12 عشر كيلو متر ونصف متر تحت سطح الأرض، وصولاً إلى نواة الأرض، حيث حاول الباش الاستغناء عن الموسيقى كتعليق على الحدث الدرامي، ذاهباً إلى صياغة ما يشبه مناخاً صوتياً للعرض. تماماً كما فعل على مستوى الإضاءة (صممتها مرح العريضي) والتي اقتصد فيها المخرج  مبتعداً عن مسرحتها، ليقدم ما يشبه إنارة عامة للأجواء التي تدور فيها الأحداث بسخونة وإيقاع عاليين، ومن دون أي مصادرة لوعي الجمهور، أو محاولة عزله عن مجريات العرض الذي يكاد يجري بين المتفرجين، وعلى مرأى مباشر منهم، ليتداخل فضاء اللعب بفضاء الفرجة عن سابق إصرار وتصميم.

مغامرة تحسب للمسرح المستقل في سورية، والذي تمكن في سنوات الحرب، أن يستقطب طاقات مهمة على صعيد التأليف والإخراج والتمثيل والسينوغرافيا، متملصاً من الوقار والمسرح المتجهم، نحو تجارب جريئة فنياً واجتماعياً، ومندفعة إلى تحقيق أثر مباشر في البيئات التي تعمل فيها، وهي تعتبر اليوم مختبراً مفتوحاً على صنوف متنوعة وجديدة من المسرح الوثائقي والنفسي والسياسي، ليكون عرض "درس قاسي" أو "درس وحشي" كما هو عنوانه في النص الروسي، مساحة تعبير مغايرة للممثلين الجدد، وتجربة مركّبة على الخشبة، بعيداً عن مسارح العلبة الإيطالية، وجمهورها الجالس على مقاعده والبعيدة!

المزيد من ثقافة